21 September,2018

الـــــــــــرئــيــس نــبــيــــــــــه بــــــــــــــري يــطــلـــــــــب الــوزيـــــــــر الــقــائــــــــــد الــمـنــفــتــــــــح عــلــــى الــعـصـــــــــر!  

بقلم وليد عوض

الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. والكلمة الشجاعة تساوي ضربة سيف في المعركة. وهكذا نعيش أزمة تعامل مع الوقت، ونلملم شعاث الكلمة قبل أن تلفظها شفتانا. وهذه هي صورة الوضع السياسي في لبنان. فالتكليف الحكومي يرقى الى أكثر من شهرين، وهي مدة أقوى من أن يتحملها بلد صغير كلبنان، بل لا تتحملها بلدان متقدمة في أوروبا. ولبنان هو اقتصاد أولاً، ويقوم على الكفاح اليومي،أبنية ترتفع في الأعالي، وعمال ينقلون أكياس الاسمنت، وتجار يستقبلون الزبائن ويودعونهم، ومصارف تشارك الناس حياتها المالية، وأمنها الاقتصادي.

ولئن كان هناك تجار ضاق بهم الدهر، واضطروا الى تفادي أزمة مع المصرف الذي يتعاملون معه، فهم يشكلون ظاهرة مألوفة في حياة التعامل مع المصارف. ولكن هناك فارق في الزمن بين تجارب الأمس وتجارب اليوم. فمأساة بنك <انترا> زمان الرئيس شارل حلو مثلاً كانت بسبب غياب الرؤية المطلوبة عند مؤسس البنك يوسف بيدس، وبدر الفاهوم، واميل مسلم. ولم يكن هناك حاكم لمصرف لبنان يعرف كيف يفتت الأزمة قبل أن تفتت جانباً اقتصادياً من حياة لبنان.

وأنا أعرف يوسف بيدس من زمن الستينات، دعاني الى زيارته في بنك <انترا> عند باب ادريس، وسألني عن رأيي في سياسة البنوك فقلت له لو كان أهل المصارف يدركون تماماً مفاعيل العمل المصرفي في لبنان، ويدركون متى تكون سياسة التقشف، ومتى تكون سياسة الانفاق، لوفروا للبنان مناخ الاستقرار الاقتصادي. وقد جلت مع يوسف بيدس في ارجاء البنك، ولفتني أن يكون الحمام مزوداً بحنفيات من ذهب. وهي ظاهرة يمكن أن تكون موجودة في بعض دول الخليج، ولكنها غريبة على المصرف اللبناني. فكانت حجته ان في مجلس ادارة <انترا> مساهمين خليجيين وان الحمام المزود بحنفيات من ذهب يكمل صورة بنوك الخليج، وتفتح أبواباً للاستثمار.

لكن القاضي الكبير شوكت المنلا، رحمه الله، لم يكن مقتنعاً بهذه النظرية، وأول ما فعله وهو يتسلم القيادة مكان يوسف بيدس المتواري في سويسرا، هو انه كتب مذكرة بإلغاء حنفيات الذهب، واعتبر سمعة مصارف لبنان هي الذهب والحجارة الكريمة.

ولا يمكن في هذا المجال إلا إرسال تحية الى روح حاكم مصرف لبنان الياس سركيس قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية عام 1976. فقد كان يدير السياسة المصرفية بأعلى درجات الهمة وأفضل وسائل بُعد النظر.

سلامة والأمن المالي!

والرجل المؤتمن على سلامة الكيان المالي في لبنان هو الدكتور رياض سلامة الذي يحمل تجربة مصرفية من باريس التي عمل فيها كقطب مصرفي مرحلة من الزمن، إضافة الى مطالعاته المالية التي كانت ترسم المحفظات المصرفية على قياس لبنان، وعبثاً حاول الرئيس ميشال سليمان، ثم الرئيس ميشال عون، أن يجدا رجلاً في مستوى رياض سلامة، ولكن لم يكن هناك اتفاق على الرجل، برغم ورود أسماء ذات كفاءة مثل الدكتور جهاد أزعور وزير المال السابق، ولا نغالي إذا قلنا ان حكام مصارف مركزية بالجملة في مصر، كما في أوروبا، كانوا ولا يزالون يسترشدون برأي رياض سلامة في بعض الأمور الطارئة.

وفي الحسبان ان رياض سلامة لا يقل في باب الرؤية المصرفية عن المستشار الألماني <لودفيك ايرهارد>، وكان الرئيس سليمان فرنجية يتخذه كمضرب مثل في القضايا المالية.

ومصرف لبنان هو البيت الثاني للدكتور رياض سلامة، بحيث يصل الليل بالنهار في بعض الأحيان، حتى يستخرج الحل الشافي الذي يفيد البلاد.

واللهفة الوزارية بين أكثر النواب أساسها البحث عن قدرة مالية للبلاد. وهذه اللهفة غير مطلوبة أصلاً، والرئيس نبيه بري في مجالسه يدعو الى البحث عن الوزير القائد المنفتح على العصر، لا عن الوزير الذي يقدم المصالح التي تخص رئيس الكتلة أو كبار أعضائها وأقطابها. وحين تشد المستوزر لهفة الحصول على الحقيبة الوزارية يكون قد جمع المعلومات الكاملة عن الوضع المالي لهذه الوزارة.

ووزير الخارجية ورئيس تيار <لبنان القوي> جبران باسيل هو الآن الوزير الذي يعرف كيف يصطاد اللقمة من فم السبع، دون أن يترك أثر اللهفة الشخصية.

وأخشى ما يخشاه الغيارى على عهد ميشال عون، أن تكون مرحلة تشكيل الوزارة الجديدة هي مرحلة الحصول على المكتسبات قبل الحصول على أمن الوزارة.

من هم المفسدون؟!

وهناك الآن بكل أسف حديث عن الفساد والمفسدين، والجريدة التي تغامر بنشر الأسماء تحال الى النيابة العامة والنائب العام سمير حمود، وهو رجل يمارس مهمته بأعلى درجات النزاهة والترفع عن المصالح.

ولهفي على الرئيس سعد الحريري وهو مشغول البال في استخراج الحكومة المناسبة لهذه المرحلة، فهو حريص على رباط مقدس مع الرئيس ميشال عون، وإذا اختلفا على المسائل الصغيرة، فإنهما حالة واحدة أمام المسائل ذات الثقل الاقتصادي مثل التنقيب عن النفط في شواطئ لبنان، ووضع حد لفوضى الكسارات، كما يتفق الاثنان على التعامل الذكي مع الدول العربية والأجنبية ومثلهما يفعل الرئيس نبيه بري الذي يسكنه هاجس التحرك العسكري الاسرائيلي على الحدود الجنوبية. والرئيسان نبيه بري وسعد الحريري مؤمنان بأن المستقبل هو للعلاقات اللبنانية ــ السورية. وكان الملفت يوم الخميس الماضي اطلالة السفير السوري علي عبد الكريم العلي من منبر وزارة الخارجية اللبنانية ومناداته بجمع مصالح البلديــــن لبنان وسوريا تحت قبضة واحدة. وإذا كان هذا الطلب مناسباً لسياسة وزير الخارجية جبران باسيل، فهو ليس كذلك بالنسبة الى الرئيس سعد الحريري الذي يردد المثل القائل: <كل شيء بوقتو حلو>، <ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه>. وهو يترك القرار اللبناني في الشأن السوري رهناً بالمستقبل وبالتطورات في الشرق الأوسط، خصوصاً وأن تركيا دخلت على الخط وتريد أن تكون لها حصة في حلول أزمة الشرق الأوسط.

والرهان الآن يجري على روسيا التي تملك وحدها مفاتيح الحلول في الأطراف السورية مثل ادلب ومنبج. وحيث يعجز الحكم السوري عن الحل، تبادر روسيا الى أخذ الدور والسير به حتى النهاية، حتى ينطبق عليها المثل الشعبي <شي بروس وشي بلا روس>. ولكن الأساس في الحلول الآن هي المبادرات الاقتصادية. وهذا يجعل حقيبة وزارة المال كحقيبة سيادية ووزارة الاقتصاد كوزارة وازنة هما مربط الفرس في الآتي من الأيام. وكلما طغى الاهتمام الاقتصادي على برنامج الحكومة المقبلة، كلما انفتحت الفرص أمام الرئيس الحريري واحتل الجانب الاقتصادي برنامج الحكومة المعدة لأخذ الصورة التذكارية.

وأهم ما في الصورة الاقتصادية الآن هو إنشاء مجالس اقتصادية سياسية مثل مجلس الجنوب بدءاً من طرابلس، وعكار والبقاع.

إنها مرحلة التقاط الأنفاس وما أمهر اللبنانيين في هذا السبيل.