19 December,2018

الـــــشعـب يـريـــــد أن يـعـيـــــش  

بقلم سعيد غريّب

SAM_5208منذ شغور الموقع الأول في لبنان تسارعت التطورات وأصبحت المخاطر تُعدّ بالساعات بعدما كانت تُعدّ بالأيام والشهور.

الشغور في الرئاسة تحوّل إلى فراغ شبه كامل، وباتت الجمهورية في حاجة لجرعات دعم شبه يومية ولو وهمية من هذه الجهة الدولية أو تلك.

أما الجهات الدولية، فأصبح هاجسها إبعاد كأس النزوح عن أوروبا والعمل على تثبيت هذا النزوح حيث هو، أليس هذا ما فعله دايفيد كاميرون رئيس وزراء المملكة المتحدة في زيارته الخاطفة إلى لبنان بداية الأسبوع الحالي؟

إن ثلث سكان الجغرافيا اللبنانية الضيّقة أصبح من غير اللبنانيين، واللبنانيون محتارون في أمرهم ولا حول لهم ولا قوة سوى الصراخ، وقياداتهم لا هم لديها سوى البقاء حيث هي.

إن الحــــراك الشعبـــي بقـيــــادة متحـــــركين تلقــــائيين أو محرَّكين، يمكن أن يصل بالبلاد إلى شاطئ الأمان إذا تمكن من نـــزع المعطف الطائفي عن معظم الناس، والناس في النهاية لا تقبل بأن يتحرر الوطن – هذا إذا تحرر – ويُستعبد المواطن، فالوطن في النهاية هو المواطن.

والحق يُقال، إن استخدام تعابير من نوع <في خدمة الوطن> أو <من أجل الوطن> أو <الوطن فوق كل اعتبار> لم يكن في أي يوم مناسباً، لأنه وباسم هذه العبارات طال واستمر استخدام المواطن أو استعباده لا للوطن بل للحكام..

نزل الناس إلى الشوارع مطالبين بجملة أمور وقد تكون عشوائية أحياناً، ولكن الجوهر في خلفية كل فرد من أفراد الشعب، هو ذلك الشيء الذي أنتجه هذا الزمن الرديء، هو الفراغ في الانتماء، الفراغ في الدولة، والفراغ في المحبة!

وعندما تطالب الناس بحكم قوي، إنما تطالب بحكم ديمقراطي قوي، وعندما تطالب برئيس قوي إنما تطالب برئيس ديمقراطي قوي، وعندما تردّد: الشعب يريد، إنما تقول إنه يريد أن يعيش بكرامته، يعني بعدالة حكامه والحق في قانون بلاده.

إن الشعب يريد الوضوح السياسي بمعنى تسمية الأشياء بأسمائها وتحميل المسؤوليات كل صاحب مسؤولية والقول أين نحن اليوم وإلى أين نريد أن نصل. ومن سيتحمّل مسؤولية إيصالنا إلى الأهداف التي نريدها والتي نحصرها حالياً بإنقاذ لبنان والدولة اللبنانية.

إن الشعب يريد أن ينتخب لا أن يصوّت، أن يحسن الاختيار لا أن يُغش بالاختيار، إن الشعب يريد ممثلين له لا عليه.

إن الشعب يريد أولاً وقف <الاقتتال> بين أهل الحكم وعليه، قبل أن ينقض عليهم لمحاسبتهم.

إن الشعب يريد اعتماد الدستور لا حباً بالدستور فحسب، بل أيضاً لأن البقاء ضمن الدستور هو الوسيلة الوحيدة للبقاء ضمن الشرعية، والبقاء ضمن الشرعية معناه بقاء الاستقرار أي بقاء الكيان خارج البحث.

إن الشعب يريد بعد إثنين وسبعين عاماً على الاستقلال كل شيء: يريد استقلاله هو لأن عدم استقلال الشعب يهدد استقلال الأرض.

إن الشعب يريد رجالاً ونساء بعيدي النظر عميقين ومفكرين عصريين، يريد حكماً لا مطالبة بالحكم.

هو بحاجة مصيرية إلى حكم لا يكون هو مشكلته الأولى، ويريد أن ينتمي إلى دولة نظيفة تجني ثروات من نفاياتها كما تفعل الدول المتقدمة، لا أن تُرمى على طرقاته وتحت أنفه.

أما الجانب الآخر من الصورة، فيكمن في العودة إلى الأصول، إلى البساطة في الحياة والترفّع عن المغريات والتخلي عن ثقافة الغنى المادية وتجميع الثروات الطائلة التي لا طائل منها سوى الأوجاع النفسية ومشاكل التوريث، وبالابتعاد عن الفساد والإفساد اللذين استشريا في العقود الفائتة وبلغا ذروتهما إلى حد تهديد السلم الأهلي مع إغراء الصحافة والإعلام وأخذهما إلى حيث لا تريد الصحافة الحرة ولا الإعلام المستقل.

إن شراء بعض الأقلام وبعض الأصوات بالتواطؤ مع مرجعياتها على أيدي أصحاب النفوذ والمال والسلطة تسبّب بخسائـــــر جسيمـــة ليس على رسالة المهنة فحسب، بل أيضاً على المجتمع الذي غُرّر به وخُدع وفَقَد نعمة التمييز بين الصح والخطأ، بين الحق والباطل، بين الشـــر والخير، بين المنطـــق السليم والمنطــق الأعوج.

إن شباب لبنان وطلاب لبنان يحتاجون إلى بلد يحميهم وعائلة تغمرهم وتجمعهم بدفئها وحنانها، لا إلى بلد يبحث عمّن يحميه وعائلة تائهة على الطرقات بحثاً عمّن يفككها.

إن شباب لبنان يحتاجون إلى جامعات رفيعة القيمة والمستوى لا إلى مؤسسات تجارية تحاضر بالتربية والأخلاق العالية.

إن شعب لبنان في اختصار: يريد أن يعيش….