26 September,2018

الـــرئـيـس مـيـشـــــال عـــــــون وجـهـــــــاً لــوجــــــــه مــع مــؤامــــــرة الـتـوطـيـــــــن دون أن يـــــــدري!

 

بقلم وليد عوض

ترامب-ماكرون-a

رئيس الجمهورية يستطيع أن يفعل ما يريد ويفلت من ضوابط اتفاق الطائف الموقع سنة 1989 والمنضم كمقدمة الى الدستور اللبناني. والدستور نفسه يرفض التوطين ويمنع عن لبنان كل شائبة تعطل مسيرته كبلد ديموقراطي حر.

ليس معروفاً حتى الآن من هي الأسماء السورية والفلسطينية والخليجية والعراقية التي استفادت من توقيع الرئيس ميشال عون وتوقيعي الرئيس سعد الحريري والوزير نهاد المشنوق. إلا ان التوطين الخفي كامن في الشياطين. وإذا كان الرئيس عون قد وقع على ما يستفيد منه الفلسطينيون فهو يكرر ما أقدم عليه الرئيس كميل شمعون عام 1955 حين منح الجنسية اللبنانية لفريق من رجال الأعمال الفلسطينيين مثل يوسف بيدس، وأنيس البيبي، واميل مسلم، واسكندر أيوب، وبدر الفاهوم، وروجيه تمرز، وأسعد نصر الذي أصبح بعد ذلك رئيساً لشركة طيران الشرق الأوسط، بينما أنشأ يوسف بيدس وأنيس البيبي بنك <انترا> وبنك الاتحاد الوطني، ومارس كل هؤلاء جنسيتهم اللبنانية بدءاً من منتصف الخمسينات. وقد اعتمد الرئيس شمعون على هذا الاجراء بتغطية من أمرين:

ــ الأول أن هؤلاء المجنسين وضعوا أموالهم المنقولة من فلسطين في خدمة الاقتصاد اللبناني فكانوا له من المنقذين.

ــ الثاني ان الرئيس شمعون استفاد لدعم هذه الاجراءات من مشروع النائب ريمون اده رئيس حزب الكتلة الوطنية بعدما جاء به من سويسرا، تحت اسم السرية المصرفية، وكان ذلك فاتحة خير لنهضة فندقية بدأت بالملياردير نجيب صالحة وفندق <فينيسيا> وستوديو بعلبك للانتاج السينمائي، وسامي العلمي الذي كان مديراً للبنك العربي.

ومع ذلك لم يسلم إجراء التوطين للفلسطينيين من المكاره، إذ هبت عليه حملة من القوميين العرب، بينهم الدكتور جورج حبش، القيادي الفلسطيني في جامعة بيروت الأميركية، ثم انطفأت الحملة مع الوقت لأن منافع التوطين الفلسطيني ارتدت خيراً وبركة على لبنان!

تلك كانت الموجة الأولى من التوطين، وكان الرخاء الاقتصادي ستاراً للتوطين المرفوض في الأساس!

وقد استمر التوطين بعد ذلك على نحو آخر، فكان مخصصاً للمفتي السابق الشيخ رشيد قباني أن يقدم الى وزارة الداخلية أسماء لفلسطينيين وسوريين ومصريين لمنح أصحابها الجنسية اللبنانية، ونشأت نتيجة لذلك شركات تنوير وآلات توليد الكهرباء، وأكثر أصحابها سوريون.

مطالع التوطين

وردة الفعل جاءت اعلامية فصدرت صحف الجمعة الماضي، وفي مقدمتها <النهار> تفضح مستور هذا المرسوم الذي يكفل توطين عدد من رجال الأعمال السوريين والأردنيين، وكان ذلك دليلاً على قوة الاقتصاد اللبناني، وحيوية مصرف لبنان المركزي، وعنفوان الليرة اللبنانية، وكما تراجعت ضجة الخمسينات ضد توطين القادة الفلسطينيين سوف تتراجع موجة الجنسيات الجديدة تحت ستار مردودها الاقتصادي.

وفي موازاة الضجة الإعلامية ظهر نائب بيروت الأولى الشيخ نديم الجميّل ليهاجم المرسوم الذي مرّ تحت جنح الظلام ورأى أن صدور المرسوم اليوم لا يفسر سوى بعملية تجارية غير مقبولة، اللافت إليه إذا <صح> لا يعتبر تجنسياً مبطناً بل مباشراً ووطنياً. وأعلن النائب الجميّل انه سيطعن فيه كمواطن لبناني أمام مجلس شورى الدولة. ذلك لأن الجنسية اللبنانية ليست <فوفاش> أو للبيع والشراء.

وكذلك كان موقف رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل، وهو يكاد يمسك وحده بسيف الرفض، ويقول الوزير السابق كريم بقرادوني ان لا أحد يدافع عن الرئيس عون في هذا الموضوع إلا الرئيس عون.

ومعروف ان الحرب على التوطين متأصلة في مقدمة الدستور اللبناني، ومن يتنكر له يدخل في مجاهل الخيانة الوطنية، وكان اقبال الناخبين على صناديق الاقتراع في الحملة الانتخابية الواسعة ضد التوطين، وما هذا العدد الجارف من الأصوات في صناديق الاقتراع، وصولاً الى صناديق الخارج إلا امعاناً في تبني شعارات المرشحين ومنها الحملة على التوطين، وما ظهور مرشحين مثل فؤاد مخزومي وعدنان طرابلسي ونزيه نجم صناعي البلاط المعروف، إلا لأنهم شاركوا في توقيع بيانات ضد التوطين، ولاسيما جمعية المشاريع التي ينتمي إليها الطرابلسي، ويحارب بسيفها منذ مطلع التسعينات، والأنظار متجهة إليهم للتأكد من أنهم حين الحريري-aمنحوهم أصواتهم كانوا صادقين في طلب عدم التوطين، أم كان ذلك لأهداف انتخابية؟

ولا تنفصل السياسة اللبنانية عن مجريات الأحداث في سوريا وإيران. وفي نظر الصحافة الغربية ان إيران بعدما أقفل عليها الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> باب الاتفاق النووي أصبحت في موقع الضعف مما كانت عليه في الماضي، وها هي مجلة <لو بوان> الفرنسية تقول إن خروج الرئيس <ترامب> من الاتفاق النووي مع إيران لم يحد من محاولات هذا البلد اللعب بمفاتيح الشرق الأوسط، والوصول الى اليمن التي يكيل لها التحالف الضربات المطلوبة لمنع صواريخها <البالستية> من الوصول الى أي هدف في المملكة العربية السعودية.

ويعتمد الرئيس <حسن روحاني> بعد نفض الإدارة الأميركية يديها من الاتفاق النووي على محاولة اللعب على التناقضات بين إيران والمجموعة الأوروبية التي لها استثماراتها في إيران. وما المؤتمر الذي دعت إليه المفوضية الأوروبية في <بروكسيل> خلال الأسبوع الماضي وجمعت فيه وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي إلا بداية المشوار السياسي للفصل بين العقوبات الأميركية المفروضة على إيران وبين السياسة الحكيمة للاتحاد الأوروبي ومحاولة فصله بين مصالح الولايات المتحدة ومصالح لندن وباريس وبرلين وباقي العواصم الأوروبية.

مأزق حزب الله

وفي لبنان، كما في المملكة العربية السعودية حرب صامتة ضد حزب الله باعتباره من روابط إيران، ومقراً لتمويلها. وقد اتخذ الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله قراراً بأن يكون وزراء الحزب في الحكومة اللبنانية المقبلة شخصيات من الحزب لا تمثل مناصب قيادية ولا تتعاطى مهمات للحزب في العالم الخارجي، وهذا ما سيفسر غياب الوزير السابق حسين الحاج حسن، بعد الوزير محمد فنيش عن تركيبة الحكومة المقبلة وترجح أسماء مثل النائب السابق أمين شري لتمثيل الحزب حكومياً.

ومن هذا المنطلق يحاول الرئيس سعد الحريري بعد عودته من المملكة السعودية ترتيب أوراق الحكومة المقبلة ضمن الضوابط المطلوبة مرشحاً لحقيبة وزارة الداخلية شخصاً آخر غير نهاد المشنوق.

وسيواجه الرئيس الحريري في هذا الخضم مشكلة المأزق السوري. فهناك أكثر من مؤشر على أن واشنطن تستعين الآن بالحليفة روسيا لضبط الأحوال الأمنية في سوريا ويكون خروج العسكر الإيراني من الخنادق السورية بداية للإمساك بمفاتيح الحل، ويدرك الرئيس <حسن روحاني> هذا التوجه الأميركي فيلجأ الى المناورة، بحيث يكون لخروج عسكره من سوريا ثمن، وثمن باهظ جداً مع الأوروبيين. والمراقبون يتوقعون أن يبدأ هذا الخروج اعتباراً من سنة 2019، وهي السنة التي اختارتها إيران للتعاون مع الاتحاد الأوروبي في الوصول الى حل.

واللعبة الأميركية لا تتغير منذ عهد الرئيس <فرانكلين روزفلت>. فتارة هي ضد الفصائل العسكرية الغربية على الجبهات، ومنها قوات تنظيم <داعش>، وتارة هي مع القوات الديموقراطية المتحالفة مع الادارة الأميركية، كما هي الحال الآن. وهي تنذر روسيا بالمجابهة إذا سمحت باختراق قوات التحالف الديموقراطي مع الولايات المتحدة. وروسيا منذ عهد <ليونيد بريجنيف> متعودة على هذه الأساليب وتحسن التناور عليها واستيعابها وهي تسير مع قوات التحالف الديموقراطية الى النهاية مقابل أن يكون لها مفتاح الخروج من الأزمات وعدم ترك الساحة لروسيا وتركيا وإيران.

والرئيس اللبناني العماد ميشال عون يدرك أبعاد هذه اللعبة، ولذلك يضع نفسه في موقع سياسة النأي بالنفس حتى تنكشف الطريق نهائياً ويعرف كل فريق ما له وما عليه، وهذا يعني ان القوات الأميركية موجودة في سوريا مثل القوات الروسية وموسكو تجيد اللعب على المتناقضات.

واللاعب الأكبر في هذه المرحلة هو وزير الخارجية الروسي <سيرغي لافروف> والمستمع الى أخبار إذاعة موسكو في <صوت لبنان> السادسة ليلاً يدرك كل الادراك ان سوريا هي الملعب الروسي الجديد مع الإدارة الأميركية. وهذه الملابسات مجتمعة سبق أن حملها الرئيس عون الى قمة الظهران العربية التي عقدت في منتصف نيسان (ابريل) الماضي بكل شفافية. فلبنان هو واحة الصمود والتصدي، والسلام الآتي في المنطقة هو سلام <لافروف> ونائبه <ميخائيل بوغدانوف>.

ولعبة هذه الأيام لعبة موسكو…