19 September,2018

الـــرئـيـس الحـريــــري أحـكــم الـطـــوق فـي مـعـركــة الـــرئـاسـة عــلـى الـــدور الإيــــراني والـــــدور الســــوري!

بقلم وليد عوض

hollande-salman  

أنتم الآن في شهر تموز (يوليو) أو شهر التغيير في حياة العرب المعاصرين. ففي شهر تموز (يوليو) من عام 1958، رسا القرار الدولي على أن يكون قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية بعدما عز تجديد الرئاسة لكميل شمعون، وفقد النائب القدير ريمون إده صاحب قانون سرية المصارف فرصة ارتداء وشاح الرئاسة. وفي تموز (يوليو) 1964 جنح القرار العربي والدولي الى اختيار وزير التربية شارل حلو رئيساً للبنان. وفي تموز (يوليو) كان القرار الدولي بل القرار الروسي لصالح الرئيس الجديد سليمان فرنجية، بعد زيارة قام بها لموسكو كوزير للاقتصاد.

هذا في الداخل. أما في الخارج فقد أعلن الضباط الأحرار المصريون برئاسة جمال عبد الناصر الثورة على نظام الملك فاروق يوم 23 تموز (يوليو) من عام 1953، وأعلن القائد الانقلابي العراقي عبد الكريم قاسم يوم 14 تموز 1963 الثورة على نظام الملك فيصل الثاني ورئيس الوزراء نوري السعيد، ومن بعده جاء حكم عبد السلام عارف، حليف عبد الناصر، وسارت في شوارع بغداد تظاهرات مؤيدة للوحدة مع مصر وهي تهتف <بدنا الوحدة باشر باشر (أي باكر باكر) من هالأسمر عبد الناصر>.

حلم ضاع من عين الساهر، وانقلب الدهر على العرب، فتغيرت معالم الثورة في العراق، وغابت تلك اللحمة الوطنية بين شيعة وسنة، وجاءت هزيمة 5 حزيران (يونيو) أو <النكسة>، كما هي التسمية المخففة عام 1967، وظهرت أرض سليبة ثانية من فلسطين والأردن وسوريا، حتى استرد العرب شرفهم الحربي يوم 6 تشرين الأول (أكتوبر) أو العاشر من رمضان عام 1973 تحت قيادة الرئيس أنور السادات الذي أخطأ التشخيص والتقدير بعد ذلك باتفاقية <كامب دايفيد> ودفع حياته ثمن هذا الانجاز السياسي على منصة الاحتفال بعيد 6 أكتوبر.

أردت من هذه المقدمة السريعة أن نركز الأنظار على شهر تموز (يوليو) الحالي، ونحن نشهد هذا الحراك لوزير الخارجية الأميركي <جون كيري> في طول المنطقة وعرضها، إضافة لتوجهه الى روما في نهاية الأسبوع الماضي لمقابلة رئيس وزراء اسرائيل <بنيامين نتانياهو> ووضع <رتوش> بقبول لمبادرة السلام العربية التي تفتحت أزهارها في قمة بيروت العربية عام 2002 على يد ولي العهد السعودي آنئذ الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ثم حملها الوسطاء الدوليون، وفي مقدمتهم رئيس وزراء بريطانيا الأسبق <طوني بلير> صاحب مشروع <خارطة الطريق> لتسويقها في أوساط المجتمع الدولي.

أي أصبح محكوماً على اللبنانيين أن يتابعوا المساعي الدولية للسلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وطائرة <جون كيري> وطائرة <جان مارك ايرولت> وزير خارجية فرنسا، واجتماعات قصر <الكرملين> التي يعقدها الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين>، والاجتماعات التي تعقدها زعيمة اليمين الجامح في فرنسا <مارين لوبان>، والمباحثات الدائرة بين الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> وولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لطرح السؤال الذي لا بد منه، وهو هل آن للشغور الرئاسي في لبنان أن يضع أوزاره، سواء بانتخاب ميشال عون أو سليمان فرنجية أو رياض سلامة؟

العماد قهوجي والتفجير الارهابي

كان اسم رياض سلامة محجوباً الى حد ما، وسط الصراع بين الاسمين: ميشال عون وسليمان فرنجية، ولكن حسن تدبير الرجل في أزمة العقوبات المالية والمصرفية الأميركية المفروضة على حزب الله ومن وراءه، أي إيران، وعزل الحياة المصرفية عن أي ضرر أو شائبة، كل ذلك جعل اسم رياض سلامة كصمام أمان مالي، يتقدم الى مسرح المعركة الرئاسية من جديد، بعدما كان اسم قائد الجيش العماد جان قهوجي على اثر غلق صفحة صفقة السلاح الفرنسية للبنان بتمويل سعودي، أي ان الاعتبار المالي غلب الاعتبار العسكري، قهوجي 1إلا إذا نجح العماد قهوجي مع مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم في تخليص الجنود اللبنانيين من قبضة <جبهة النصرة> في تلال عرسال، فإذ ذاك يكون لمعركة الرئاسة لون آخر، وليس ذلك واضحاً في المدى المنظور.

إلا ان التفجير الارهابي في منطقة القاع البقاعية فجر الاثنين الماضي وسقوط خمسة شهداء، واستبسال عناصر الجيش في الانتشار لصد أي عدوان جديد، كل ذلك نبه اللبنانيين الى ان  قائد الجيش يبقى صمام الأمان الأمني مقابل رياض سلامة الذي يمثل صمام الأمان المالي والمصرفي. وواضح ان خلط الأوراق قد بدأ.

وفي المحيط الخارجي تأتي زيارة ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز لقصر <الإليزيه> يوم الثلاثاء الماضي، وعقده اجتماعاً مطولاً مع الرئيس <فرانسوا هولاند> ليشعلا جذوة الحلول المطلوبة لأحداث المنطقة ولاسيما أحداث سوريا والعراق وصولاً الى الشغور الرئاسي في لبنان. لقد أفرغ الأمير محمد بن سلمان في قصر <الإليزيه> ما في جعبة رحلته الى الولايات المتحدة من انطباعات سياسية وعسكرية، والتأشير على عودة واشنطن الى التعاطي مع ملف الشرق الأوسط، بعدما كانت قد حادت عنه ردحاً من الزمن. وحين يعرض الأمير محمد بن سلمان ما لديه من أفكار وانطباعات واقتراحات، فإن الرئيس <هولاند> يأخذ الأمر على جناح الأهمية، وبالمقابل فإن محصلة انطباعات الرئيس الفرنسي قيمة مضافة الى ما في جعبة ولي ولي العهد السعودي من أفكار وآراء واجتهادات، حتى يمكن اعتبار الأمير محمد ناخباً رئيسياً للرجل الآتي الى قصر بعبدا.

المال الإيراني في معركة الرئاسة

وفي هذه البقعة من الضوء يمكن القول بأن التأثير الإيراني في اختيار سيد قصر بعبدا لم يعد بالزخم نفسه، ولا بالقوة نفسها، بعدما حوصرت إيران بالعقوبات الأميركية مع حزب الله، وأعلن أمين عام الحزب السيد حسن نصر الله في أربعين مصطفى بدر الدين ان حزب الله يتمول ويتسلح من مصدر وحيد هو إيران. ودخول المال الإيراني والسلاح الإيراني في معركة الشغور الرئاسي اللبناني صار محاطاً بالشبهات، لأن أي تأشير إيراني على مرشح رئاسي معين سيعني انه مرشح بمال إيراني، ذلك انتقاص من السيادة اللبنانية.

وقد أحكم الرئيس سعد الحريري الطوق حول هذا الــــدور الإيراني في خطبه الرمضانية التي ألقاها في بيروت وطرابلس والشمال كما أحكم الطوق حول الدور السوري الذي اعتاد أن يصول ويجول في مــــلعب الانتخابــــــات الرئاسيــــة، منذ زمن الرئيسين الياس سركيس والياس الهراوي.

ولكن هل يرضى حزب الله ومن ورائه إيران أن يعزلا عن انتخاب الرئيس الآتي الى قصر بعبدا؟ وهل يقف حزب الله متفرجاً على عرض المرشحين للرئاسة ولا يقول ما قاله عمر بن أبي ربيعة: <قد عرفناه وهل يخفى القمر؟>، أي هل يتم التنازل عن ترشيح الحزب للعماد ميشال عون بهذه السهولة؟! وهل يرضى ميشال عون أن تتمول معركته الرئاسية بالمال الإيراني؟ وهل يملك وسائل الدفاع ضد هذه التهمة الرهيبة؟

في كل الأحوال لا يمكن عزل أي مكوّن سياسي لبناني عن القرار الرئاسي، فكيف اذا كان هذا المكوّن هو حزب الله ويمثل ما يمثل من حضور في الساحة اللبنانية؟ إلا ان الصحيح أيضاً هو ان تأثير هذا الحزب في الملعب الرئاسي قد خبا، بعدما انتقل من جبهة الهجوم الى جبهة الدفاع، وهكذا قضت اللعبة السياسية، إي إلهاء الحزب بالدفاع عن نفسه بعدما كان فارس هجوم مع قول فارس بني عبس: <ويك عنترة أقدم>.

ماذا يقول السفراء؟

Souhour-Hosted-by-Former-Pr-Minister-Saad-hariri-

والسفراء العرب والأجانب ما رأيهم في الموضوع؟! وماذا يكتبون في تقاريرهم؟!

كلهم، عرباً وأجانب، يلتقون عند نقطة واحدة وهي أن اعراض الحمل في معركة الرئاسة لم يظهر حتى الآن، وان كل التكهنات دخان في الهواء. وغداً عندما يصل وزير خارجية فرنسا في مطلع تموز (يوليو) المقبل الى بيروت لا بد أن يحرك المياه الراكدة في معركة الرئاسة، مستأنساً بتقارير السفير الفرنسي <ايمانويل بون> وانطباعات الرئيس <هولاند> بعد اتصالاته بقادة الاتحاد الأوروبي، بدءاً من المستشارة الألمانية <أنجيلا ميركل> وخروج رئيس وزراء بريطانيا <دايفيد كاميرون> من ملعب التأثير في سياسة الشرق الأوسط، بعدما عزله الشعب البريطاني في استفتاء يوم 23 حزيران (يونيو) عن الاتحاد الأوروبي، وأعاده الى حجمه البريطاني الضيق، وفقد التأثير في مصالح الدول الأخرى.

وفي هذا الخضم السياسي لا يجوز اهمال دور الرئيس التركي <رجب طيب أردوغان>، من حيث انه يملك ورقة النازحين السوريين والقدرة على استغلال هذه الورقة عندما تدعو الحاجة، ولذلك فإن دول الاتحاد الأوروبي، بدءاً من فرنسا وانكلترا، إضافة الى الولايات المتحدة، لا بد أن تراعي خاطره في كل قرار يتعين بمنطقة الشرق الأوسط، أي ان النازحين السوريين أوراق <بوكر> في يد <أردوغان> وتقول لقادة العالم: <أنا هنا ولا أحد يستطيع إلغائي>، كما أن إعادة فتح حواره مع اسرائيل بعد ست سنوات من كارثة الباخرة <مرمرة> واتفاقه وإياه على موضوع الغاز الاسرائيلي يمثلان قوة دفع في اطلالته على الاتحاد الأوروبي.

أي ان الحبل الرئاسي الذي سيصل في النهاية الى قصر بعبدا سوف يمر من السعودية أولاً، وإيران ثانياً، وفرنسا ثالثاً، وألمانيا رابعاً، وتركيا خامساً، وصولاً الى الجالس على كرسي الرئاسة وعلى شفتيه عبارة: ابتسم أخيراً.. أنت في قصر بعبدا!