24 September,2018

الــرئـيـس الـحــريــــــري يـــكـسـب تـقــديـــــــر الـبــابــــــــا ”فــــرانـسـيــس“ ويــحـمـل إلـيـــه دعـــوة لـزيــــارة لـبــــنـان!

 

A-Bأهالي <كاتالونيا>، الولاية الاسبانية صوتوا في الاستفتاء على الاستقلال بنسبة 42,3 بالمئة من مجموع الناخبين فيما قال تسعون بالمئة من الناخبين والناخبات <نعم> لصالح الاستقلال عن اسبانيا، وهي نسبة الى ولاية رقم من الأهمية بمكان. وفي انكلترا هناك أكثر من خمسين بالمئة من الناخبين قالوا <نعم> بنسبة 57 بالمئة، للخروج من الاتحاد الأوروبي، وتعامل بحذر مع 36,4 بالمئة من الناخبين قالوا <نعم> للبقاء ضمن الاتحاد الأوروبي مع انفتاح على الاستثمارات. ويبلغ مخزون <كاتالونيا> من المحروقات 17 بالمئة من مجموع الثروة العالمية.

وهذا بالمفهوم البرلماني اللبناني فسح في المجال لخمسة وستين نائباً أن يقرروا ما يريدون في جلسة الضرائب وسلسلة الرتب والرواتب. لكن القضية ليست هنا، بل في الآتي من الأيام. ففي ظل الاضرابات العمالية التي ملأت ساحات بيروت بقيادة رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر جرت تعيينات المجلس الاقتصادي والاجتماعي وأعطيت كل نقابة موقع الحصة الوطنية اللازمة مثل رئيس المجلس شارل عربيد، وقطبية كل من نقيب الصحافة عوني الكعكي ونقيب المحررين الياس عون، وقطب القطاع الصناعي جورج نصراوي، ونقيبة الناشرين سميرة عاصي. وهكذا يمكن القول ان الشارع الهائج أصبح واسع المدى وجزءاً من المؤسسات.

والمستقبل الآتي محفوف بالمخاوف من أمرين: الأول العقوبات الاقتصادية. فالسفراء الأجانب مثل السفيرة الأميركية <اليزابت ريتشارد> والسفير البريطاني <هيوغو شورتر> والسفير الفرنسي <برونو فوشيه> يلمحون في تقاريرهم الى مغامرة عسكرية تقوم بها اسرائيل في جنوب لبنان لمطاردة مقاتلي ومواقع حزب الله، غير حافلة بالآثار المترتبة على السكان.

وهذا الهاجس الحدودي طغى على محادثات البابا <فرانسيس> ظهر الجمعة الماضي مع رئيس وزراء لبنان سعد الدين الحريري، كما تناولت المحادثات أوضاع النازحين السوريين، ودعوة الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> الى إعادة فريق منهم الى الأماكن الآمنة في سوريا، حتى لا يكون التوطين هو القوة الفاعلة في نهاية المطاف، إضافة الى ضرورة تسليح الجيش اللبناني بالجديد من الأسلحة.

واللافت ان زعيماً مسلماً ذهب الى الفاتيكان ليدافع عن المسيحيين بتفريغ لبنان من أية عناصر غير لبنانية، وهذا يذكر بمواقف الرئيس رياض الصلح والرئيس صائب سلام والرئيس سليم الحص والرئيس رشيد كرامي في تبني مسيحيي لبنان وكأنهم مسلمون.

واللوم هنا يتناول وزير الخارجية جبران باسيل. فليس المهم إعادة الجنسية الى مسيحيي المهاجر، بل المهم كذلك ألا يترك المسيحيون، ولو بنسبة ضئيلة، أراضي لبنان الى بلاد الخارج. ولم يشهر جبران باسيل حملة عالمية لمصلحة النازحين السوريين، مع ان هذا دوره وقضيته. وعذر جبران باسيل هو انشغاله باسترداد مسيحيي الخارج، فإذا النتيجة هي تطفيش مسيحيي الداخل. وأغلب الظن ان اجتماع الرئيس الحريري في روما بالبطريرك اللبناني مار بشارة الراعي قد تطرق الى الملف اللبناني، بدءاً من موضوع النازحين السوريين استكمالاً للمباحثات التي جرت مع قداسة البابا الذي تسلم من الرئيس الحريري دعوة رسمية لزيارة لبنان منه ومن الرئيس ميشال عون!

 

أهلاً بالبابا

وما اصطحاب الرئيس الحريري لعقيلته السيدة لارا إلا من قبيل الحرص على ان العائلة اللبنانية عائلة واحدة، وليس هناك سني أو شيعي أو ماروني يدخل في الحسبان، كما ليس الجنوب منطقة الشيعة وحدهم بل هي منطقة مقاومة لكل اللبنانيين. وما التجمع الجديد لبعض سكان القرى الأمامية إلا الدليل على لبنانية السكان لا على مذاهبهم. واستطاع الحريري أن يقنع البابا <فرانسيس> بزيارة لبنان، فيكون بذلك ثالث البابوات على الشاطئ اللبناني بعد البابا <يوحنا بولس الثاني>، والبابا <بنيديكتوس السادس عشر>، والزيارة البابوية بركة للبلد الذي يستضيفه، من حيث الظاهر، أما من حيث الباطن فهو نشر المسحة البابوية، واستطراداً الحضور الغربي على بلد صغير كلبنان.

والبابا كذلك قيمة عربية لها حضورها في الأحداث العربية، ويستذكر المواطنون العرب زيارة الموفد السعودي معروف الدواليبي للفاتيكان سنة 1973 ضمن وفد برئاسة وزير الدولة السعودي محمد الحركان، وقام الوفد السعودي بأداء صلاة الظهر في عمق الفاتيكان، وكان لذلك أثره الكبير في نفس البابا <بولس السادس> والمحيط الكنسي.

ولم تكن الفاتيكان في الماضي جزءاً من السياسة الدولية بل كان البابا <بيوس> مجافياً للقضايا العربية، وأولها قضية فلسطين، ونجاح الديبلوماسية السعودية في الحصول على عباءة قداسة البابا كان إثراء للديبلوماسية العربية، وكان كل رئيس جمهورية في لبنان منذ عهد الرئيس بشارة الخوري، ثم الرئيس فؤاد شهاب، ثم الرئيس شارل حلو يحرص على زيارة الكرسي الرسولي كنقطة انطلاق للسلطة في لبنان، ولذلك كان رؤساء الجمهورية يختارون بعناية سفير لبنان لدى الفاتيكان كما يفعل الآن الرئيس ميشال عون..

 

من <فتح> الى <حماس> الى 13 تشرين الأول!

 

والقضية الشاغلة الآن للمنطقة العربية والشرق الأوسط هي المصالحة التاريخية التي تمت صباح الخميس ما قبل الماضي بين حركة <فتح> برئاسة عزام الأحمد، ونائب رئيس المكتب السياسي لحركة <حماس> صالح العاروري، إذ انعكست آثار هذه المصالحة على المجتمع العربي مجتمعاً، كما تركت أثرها على المعابر بين مصر وفلسطين ذهاباً الى معبر <رفح> رئة الفلسطينيين في غزة، وعلى أمن المخيمات الفلسطينية بدءاً من مخيم عين الحلوة، وفرصة لمسح أي خلاف في هذه المخيمات بين حركة <فتح> وحركة <حماس>. ولن تكتمل الفرحة إلا بمجيء الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعد أيام الى قطاع غزة.

ولكن لهذه الزيارة مقدماتها، فمسؤول اللجنة الإعلامية في حركة <فتح> منير الجاغوب قال ان هذه الزيارة تأتي في الأهمية مباشرة بعد اتفاق القاهرة عام 1969، ولكن هندستها تحتاج الى بعض الوقت والأمر يحتاج الى ترتيبات أوسع. أي ان القاهرة تبقى هي الرافد الأول لمثل هذه الاتفاقات، وان كان بعضها كاتفاق القاهرة الذي وقعه باسم لبنان اللواء اميل البستاني، مثاراً للاضطرابات، على أساس ان الأرض المسماة <فتح لاند> في جنوب لبنان كانت مرفوضة مسيحياً وتدخل في الاعتبار كمنطقة محتلة، ولو كان المحتل هذه المرة سلاح منظمة <فتح>، وقد فتحت لهذه السلبية باباً للتصادم بين حركة <فتح> واسرائيل، إذ تسلل الضابط <ايهود باراك> متنكراً في ثوب امرأة الى بيروت في نيسان (ابريل) 1973 وتمكن من الوصول الى شارع فردان واغتيال القادة الفتحيين الثلاثة كمال ناصر، ومحمد يوسف النجار، وكمال عدوان، وأدى ذلك الى استنكار الرئيس صائب سلام الذي كان رئيساً للوزراء.

وقد طلب الرئيس سلام من الرئيس سليمان فرنجية إقالة قائد الجيش اللواء اميل بستاني، لإنهاء صرخة الاحتجاج على هذا الخرق الأمني، وكان ذلك في مجلس الوزراء، إلا ان الرئيس فرنجية رفض الانصياع لهذا الطلب وقال: لا أرضى أن يكون قائد الجيش هو الضحية.

وأدى تشابك الموقفين الى استقالة الرئيس سلام، واعتزاله الحكم في منتجع خلدة الذي اعتاد أن يقضي فيه إجازاته.

ومن هذا الباب أطلت أحداث حرب لبنان، وظهرت حركات تمرد في صفوف الجيش بدءاً من حركة عزيز الأحدب يوم 6 آذار (مارس) 1976، وحركة العميد انطوان بركات في ثكنة الجيش عند شارع بدارو. وكانت حركة عزيز الأحدب متهمة بالوحي الفلسطيني وحاز في البداية على دعم الرئيس كميل شمعون الذي عاد فانسحب من المعمعة، وظلت الأحداث تترى وتتفاعل وصولاً الى الحرب التي أنهاها اتفاق الطائف عام 1989.

سلام الاتفاقات

وهكذا يكون اتفاق <فتح> و<حماس> الذي جرى توقيعه يوم الخميس 12 تشرين الأول (أكتوبر) فسحة ثانية للعلاقات الفلسطينية ــ الفلسطينية، وإن كان قد دخل عليها العامل المصري الذي يتحكم في المعابر، وتؤثر كلمة مصر في كل مفاصل هذا الاتفاق، بحيث تولد الحكومة الوطنية المشتركة يوم أول كانون الأول (ديسمبر) المقبل، بحيث يشمل تسليم كل معابر غزة في مدى شهر واحد، على أن يتسلم الحرس الرئاسي معبر رفح والحدود مع مصر بعدما يتم ترتيب الأمر مع القاهرة.

ولعلها المرة الأولى التي ترتفع في شوارع غزة صور الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي أثبتت الظروف انه كان الرجل المؤهل لقيادة هذه المرحلة، وهي الصفة التي تؤهله لولاية رئاسية جديدة. ومن حظ الرئيس ميشال عون أن أوراق المنطقة تأخذ حقها من الترتيب والتنسيق بحيث تفسح للاضطرابات أن تضع أوزارها، وتتيح لرئيس الجمهورية ميشال عون أن يحيي عهد يوم الثالث عشر من تشرين الأول (أكتوبر) 1990 حين تساقطت عليه وهو رئيس وزراء في قصر بعبدا صواريخ وقنابل حكم الوصاية السورية واضطرته للجوء الى السفارة الفرنسية، ثم الى ضاحية <هوت ميزون> في ضواحي باريس.

ولأن لكل حاكم يوماً يعتد به، فيوم ميشال عون هو الثالث عشر من تشرين الأول (أكتوبر). ولذلك كان اليوم الذي أقفل عليه الأبواب وانصرف الى التفكير في المستقبل، والمستقبل الذي هو بيد الله ينطلق من الفقراء والكادحين. فاستقراراهم هو في النتيجة استقرار للوطن!