20 September,2018

الــحـــــــــــوار مــــــــع الــكـــبــــــــــــار..!

 

بقلم وليد عوض

ذات ليلــــة مــن ليــــالي رمضــان جذبتني الرغبة الى نبش الحوارات التي أجريتها في حياتي الصحافية، ولاسيما تلك المخصصـــة لمجلـــــة <الحـــــوادث> التــي استضأت من نورها في عدة مناسبات، وصــولاً الى مجلـــة <الأفكــــار> وقطــاف الثمــــار..

وكانت البداية رحلة الى قبرص وتركيا، وفي كليهما لنا تاريخ وعلاقات يقوم الدليل عليها عند ذلك الجدار العريض في القصر السلطاني، وإضاءة على الأديب المصري ولي الدين يكن، وعلى أيام الثالوث طلعت وجمال ورشاد، حيث كان للديكتاتور جمال ليال دافئة في قصر آل سرسق، ووقوف عند اصطحاب <مصطفى كمال أتاتورك> باني تركيا الحديثة لآخر سلاطين بني عثمان وحيد الدين بنفسه الى قطار الشرق السريع حتى يتأكد من أن مرحلة السلاطنة قد انطوت وذهبت الى غير رجعة.

وقد ترددت على ذلك القصر المجاور للنهر اكثر من مرة لأستزيد علماً وكأنني أقرأ في كتاب..

مع كبار ذلك العهد التركي فتحت الباب، وكان أشهر من استقبلني في أنقرة رئيس الوزراء التركي <نجم الدين أربكان> الذي كان عمر نفوذه عمر الزهور، وبلغ من الايناس بيني وبين <نجم الدين أربكان> المؤسس على المبادئ الاسلامية أنه دعاني الى صلاة الظهر الى جانبه في جامع أنقرة، وكان لافتاً ذلك الفتى الجالس على سجادة الصلاة الى جانب رئيس وزراء تركيا..

وفي ليالي <البوسفور> كنت أسمع أغنيات المطربة المصرية <ألمظ> التي اشتهرت مع زوجها عبده الحامولي مع مطلع القرن الماضي، ومن تلك الليالي اشتقت <رقصة الهوانم> في مصر، والأديب الفيلسوف ولي الدين يكن الذي امتلك الجرأة ليقول أمام السلطان عبد الحميد الثاني: <بالسيف أنصرك وبالسيف أصلح ما تقع فيه من أخطاء>!

ومن المفارقات أن وجهاء طرابلسيين بالجملة اختاروا لهم زوجات تركيات، مثل الدكتور كامل الشعراني، ونظمي الكحيل والد الفنان الرسام الراحل محمود كحيل، والدكتور نور الدين شعراني، أي ان لبنان عاش التتريك الاجتماعي، كما عاش مأساة المشانق التركية في ساحة البرج تحت هيمنة جمال باشا، ولا تزال عبارات تركية مثل <أولماظ> أي <لا يمكن>، و<شوجوك لار> أي <أطفالك>، و<ياراندا صاي> أي <الى الوراء> تغشى الكلام اللبناني، ولاسيما في طرابلس.

وحتى لا أغالي في الأثر التركي أحب أن أنقل قرائي الأحباء الى الكويت الجناح الصيفي في الحياة اللبنانية، والى الصالون الأدبي الكويتي الذي كان ينعقد في عاليه ورويسات صوفر، وهناك كان لقائي غير مرة مع أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح عندما كان وزيراً للخارجية، ثم أميراً للكويت، وقد عانى الكثير من الغزو العراقي الغاشم للكويت عام 1990، ولكن كان هناك حضن المملكة السعودية لرموز الكويت وعلى رأسهم الشيخ أحمد الجابر الصباح، وكنت أتحدث مع أمير الكويت وكأنني جزء من العائلة وأشهد للتاريخ أنني وجدت في أهل السعودية وأهل الكويت امتداداً عائلياً وتواصلاً قومياً.

وكان لقاء الرئيس القبرصي <مكاريوس> نصراً صحافياً بحد ذاته، وقد نصحني الزميل العزيز سليم نصار بأن لا أفعل لأن كبار الصحافيين الانكليز والفرنسيين كانوا يعودون من قبرص وكل منهم خالي الوفاض، لأن المطران الطويل القامة لم يكن يريد الكلام في الحصار الأميركي لجزيرة <قبرص> ولكنني استعنت بالمطران جورج خضر صديق <مكاريوس> عندما كان لاجئاً في ميناء طرابلس، فالعلاقات الخاصة تغلب أحياناً كل اعتبار. وكلامي في ورقة تسلمها مدير القصر الرئاسي في قبرص كان كافياً لاستثنائي في مقابلة <مكاريوس> دون سائر أهل الصحافة.. وعبثاً حاول معي سفير لبنان الشيخ منير تقي الدين بأن أعطيه فضل المقابلة، ولكنني قلت له: <مع تقديري لك يا سعادة السفير.. لا أستطيع أن أتخلى عن نصر صحافي>!

يبقى الدكتور <برونو كرايسكي> مستشار النمسا عام 1978، وكان يستعد للصعود الى جبال <البترول> لممارسة رياضة التزلج، عندما رد هو شخصياً على اتصالي التليفوني وقال: <اسمح لي بأن نؤجل المقابلة الى فرصة أخرى> لكنني بحكم معرفتي بطبائع أهل السياسة في الغرب، قلت للمستشار: <وهل سأحرم من المقابلة إذا كنت أحمل إليك رسالة شفهية من رئيس وزراء لبنان الدكتور سليم الحص؟>، فلاذ الرجل بالصمت وقال: <الرئيس الحص يمثل واحداً من نخبة المفكرين العرب، ولذلك ألتقي بك وأرجئ الصعود الى جبال <البترول>!

ومن أجل تكريمي نشر الصحافي الراحل المرحوم سليم اللوزي صورتي مع المستشار <كرايسكي> على غلاف مجلة <الحوادث>!

تلكم هي بعض اللقاءات مع الكبار.. وما أكبر التواضع!