21 September,2018

الــجـيـش الـمـثـــــــل والـمـثـــــــال  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208الصراع اليومي المتواصل والمتعدّد الأشكال ها هو يتصاعد أكثر فأكثر تبعاً لتصاعد التطورات والأحداث في المنطقة ولاسيما في سوريا.

وإذا كانت النتيجة الظاهرة الآن هي تأزم وضع الحكومة والسلطة التشريعية الى حدّ انشغالهما بنفسيهما انشغالاً أدى الى الشلل التام، فإن النتيجة المتوقعة لهذا الصراع قد تكون أخطر وأشمل من النتيجة الظاهرة الحالية.

ويمكن القول وبصوت مرتفع، إنه لولا صمود المؤسسة العسكرية لأصبحت النتيجة المتوقعة أمراً واقعاً، ما يعني أن صمودها اليوم هو أفضل منقذ للبنان غداً وبعد غد.

وما يدعو الى الريبة والعجب في آن، أن بلداً كلبنان يحميه جيشه بلحمه الحي <استكثروا> عليه صرف رواتب أفراده وضبّاطه ما شكّل سابقة خطيرة لم يعرفها الوطن الصغير حتى في عز الحرب وانقسامه الى شطرين بل الى شطور، وحتى في زمن الحكومتين.

وبدل أن يكرّم من يسهر على نومنا وراحتنا وتنقلاتنا ويوصل الليل بالنهار من أجل عزّة شعبنا وكرامته وعنفوانه، لم يرف للسياسيين جفن ولم يدركوا للحظة أن تأخير أو عدم صرف الرواتب للعسكريين من شأنه أن يلفّ جفنهم وكامل جسدهم بالكفن، أو يجعل منهم راكضين أ و هاربين على متن قوارب المهاجرين.

ما هكذا يُكافأ جيش بطل، أتى بإمكاناته المحدودة بما لم تستطعه الجيوش الجبارة، واستطاع أن يحمي الأرض ويبقيها مقدّسة.

ولمن يجهل التاريخ من الجهابذة السياسيين لا بدّ من التذكير بأن الجندي مستعد دائماً للتضحية بنفسه من أجل الوطن وهو الذي أقسم على ذلك، ولكنه غير مستعدّ أبداً للتضحية بكرامته ولقمة أولاده.

وللتذكير أيضاً، فإن الجيش المتماسك يعطي للشعب صورة إعلامية عنه كاملة وعملية، فيما السياسيون غير المتماسكين ظاهرياً يعطون للشعب صورة إعلامية عنهم غير كاملة وغير عملية، بل صورة البطون المنتفخة والضمائر الـمُعدمة.

وللتذكير أيضاً وأيضاً، فإن الوضع اللبناني على علاته هو أحسن وضع صحي في المنطقة العربية بفضل جيشه الوطني ومصرفه الحكيم، وان دوام ذلك كله مرتبط الى حدّ كبير بإظهار مضمون الديموقراطية من خلال وعي شعب لبنان وحُسن اختياره لممثليه الحقيقيين وإنهاء مسرحية ممثليه الوهميين بل الممثلين عليه.

هؤلاء يسهرون ويقهقهون ويقبضون مستحقاتهم مع رواتبهم، ولا يعنيهم صرف راتب لجندي يسهر لحمايتهم في العراء وتحت وابل القذائف المنهمرة من كل صوب.

إن بلداً يعيش منذ عشر سنين من دون موازنة هو بلد عجيب ولم يسجله التاريخ، وان بلداً غير قادر على انتخاب رئيس هو بلد فاشل، وان بلداً لا يشرّع أموراً ملحّة وقروضاً قد تغادر الى جهة أخرىلا يستحق الاهتمام الدولي.

لا يحضرون ولا يشرّعون ولا يقرّون ولا يقرّرون ولا يسألون، فقط يناحرون ويصرّحون ويشتمون ويجيّشون ويحردون ويعبسون أمام الكاميرات، أما من خلفها فيتصافحون ويتبادلون القُبَل ويضحكون لبعضهم وعلى الناس…

والناس باتت توّاقة الى الكبار، الى رجالات الدولة الذين كانوا يأخذون بصدرهم كل المشاكل.

باتت توّاقة أكثر وأكثر الى رجال كانوا وقت الشدّة يجترحون الحلول تارة بتواقيع الضرورة وتارة أخرى بالمراسيم الجوّالة، وتارة ثالثة بوضع الخلافات جانباً من أجل مصلحة الوطن والمواطن.

صحيح أن ما حصل لا يمكن أن يؤثر على معنويات العسكريين، والصحيح أيضاً أن لا تفريط بحقوق العسكريين تحت أي ظرف مع الأمل ألا تتكرر سابقة تأخير الرواتب على ما ورد في بيان للقيادة العسكرية.

والحق يُقال، إن الرئيس تمام سلام برهن من جديد، بصبره، أنه ابن بيت عريق في السياسة والوطنية وناب عن مجلس الوزراء بل مجالس الوزراء في إعطاء ما لقيصر لقيصر وإحقاق الحق.

والحق يُقال أيضاً وأيضاً، <إن الحياة الوطنية ليست تقسيم مغانم، بل هي مساواة في الحقوق والواجبات وتعميم خدمات الدولة ومؤسساتها ومرافقها على كل المناطق وتخصيص المحروم منها، وفق ما أدلى به ذات يوم الرئيس تقي الدين الصلح الذي أضاف ان لبنان لكل اللبنانيين، كما أن كل اللبنانيين للبنان، أبناء شعب واحد ووطن واحد أثبتوا جميعاً وفي كل الظروف ولاءهم أولاً وأخيراً للبنان وطناً سيّداً عزيزاً حرّاً، وتطلّعهم الى لبنان دولة عصرية ومجتمعاً سعيداً أخاً لإخوانه، شقيقاً وصديقاً لأصدقائه صدوقاً>..

والجيش اللبناني هو المثل والمثال.