19 November,2018

الـعـمـــل فــي الـزمــــن الـضــــائـع  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208يبدو أن التطورات اللبنانية دخلت مرحلة المضاعفات غير المحسوبة وغير المدروسة وغير المتوقعة…

والجميع في لبنان يترقب ما سوف يسفر عنه الاتفاق النووي، فيما السياسيون يتجنبون الخوض في التحليلات مخافة الوقوع في خطأ الحساب أو التعبير، وكلاهما كلفته عالية…

إلا أن اللافت في هذا الأمر والمضحك في آن ان فريق 14 آذار يبدو حزيناً ولا يعرف لماذا، وان فريق 8 آذار تراه مسروراً ولا يعرف لماذا؟

من انتصر في الاتفاق، من خسر، من سيدفع الثمن وما هي الكلفة؟

أسئلة كثيرة يمكن أن تبقى بلا أجوبة بضعة أشهر.

إن الأمر الواضح الوحيد في كل ما يجري انه من غير الواقعي تحميل لبنان مسؤولية تعود الى مراجع دولية، فلا هو قادر ولا هو ممسك بالخيوط، ولا هو في وضع المطلع على كل الاعتبارات التي تتحكم بالتطورات، ومعظمها غير معلن أو ان عكس هذه التطورات هو المعلن…

إن الأمر الواضح والأكيد في كل ما جرى بعد انتهاء الحرب في لبنان وعليه قبل نحو ربع قرن هو التداعيات الخطيرة التي خلفتها هذه الحرب، فلم يعد لبنان هو لبنان الذي عرفه آباؤنا وأجدادنا الى درجة ان شعبه بدأ يخسر حسه الإنساني مع تراكم السنين ولم تعد تعني له جريمة ترتكب في وضح النهار ويشاهدها شهودها وكأنها مشهد سينما صالح للفرجة…

إن الأمر الواضح المتمم لما سبق في كل ما جرى بعد انتهاء الحرب هو التحلل المنهجي الذي يعري مفهوم القيم الإنسانية ويكشف غابة من الحيوانات الناطقة.

إن ما خلفته الحرب أخطر بكثير مما أوقعته من خسائر بشرية ومادية. صحيح ان الجريمة ولدت مع ولادة الإنسان بالأخوين <قايين> و<هابيل>، ولكن ما يحصل في لبنان هو نتيجة تراكمات مزّقت النفوس والعقول والقلوب ومحت كل ما هو جميل من القاموس.

صحيح ما كتبه جبران خليل جبران في كتاب <النبي> في فصل <الجرائم والعقوبات> من <ان القتيل ليس بريئاً من جريمة القتل>، ولكن ما حصل مع جورج الريف ألغى من القاموس أيضاً كلمة <نخوة> التي يتميز بها اللبناني وتتميز بها الشهامة والشجاعة والكرامة…

صحيح ان جريمة مماثلة في أي بلد من العالم يمكن ان تخلو من أية نخوة من قبل الشهود، ولكن ما حصل مع جورج الريف حرّك ضمائر كثيرين من الشعب اللبناني الذي هالته رؤية عابرين راح قسم منهم يصوّر مشهد الجريمة وقسم آخر طبّق المثل الشائع <إبعد عن الشر وغنّيلو>، وقسم ثالث وقف متفرجاً.

والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه بقوة اليوم أكثر من أي يوم مضى هو: كيف السبيل الى الخروج من هذه الدوامة وهذا الفلتان وهذه الرؤية السيئة لبلد الأرز؟

لا مخرج في الأفق، خصوصاً ان المتحكمين بالبلد يلعبون به غير آبهين حتى بمصير أولادهم وأخلاق أحفادهم.

لا مخرج في الأفق لأن المتسلطين على البلد هم الكارثة الكبرى، هم المتسببون دائماً بتجدد الكارثة.

لا مخرج في الأفق لأن وقف <إطلاق النار> ما بين المتحكمين وتسوية <اقتتالهم> أمر بالغ الصعوبة، وإذا تحققت الأعجوبة يصبحون عاطلين عن العمل.

لا مخرج في الافق إلا بثورة مدنية عابرة للطوائف، فاستمرار لبنان وإنقاذه من المحنة باتا اليوم أهم من أي شيء، أكبر من أي اختلاف أو خلاف أو اقتتال، فوق كل الأشخاص و<الشخصيات>…

وإلا سيأتي مخرج من باب آخر، من فضلات الاتفاق النووي، وفي أحسن الأحوال ليس من <قَشْوَته>.

هذا الاتفاق يحتاج الى شهرين أو أكثر ليدخل حيز التنفيذ، بعد جولة له على الكونغرس الأميركي بمجلسيه، وبعدما قطع سريعاً في مجلس الأمن مع ما يترتب على ذلك من مجهود أميركي لإقامة توازن مع القوى السنية في المنطقة على اثر التطور في العلاقات مع إيران…

وعليه، فإن على لبنان الانتظار حتى الخريف، وربما حتى السنة المقبلة ليتبين خلاله الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

فهل تحظى الجمهورية اللبنانية برئيس لها في الوقت الضائع، وهل تقع القرعة على أحد رجالات المال الكبار كحل وسط يرضي جميع الأفرقاء ولاسيما 8 و14 آذار؟

إن الأسابيع المقبلة ستحمل كماً من المفاجآت قد تكون الرئاسة من ضمنها، ولكن جوهر المشكلة سيبقى طالما ان لبنان باقٍ على هذا الشكل…