24 June,2018

الـعـقـوبـــــات الأمـيـركـيـــــة عـلـــــى حــــــــزب الله وأثرهــــــا عـلـــــى الاقـتـصـــــــاد اللـبـنـانـــــــــي!

 

بقلم  طوني بشارة

جاسم عجاقة 1  a

أصدرت وزارة الخزانة الأميركية لائحة عقوبات جديدة طالت الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله والشيخ نعيم قاسم ومجموعة من القياديين في الحزب إضافة إلى عدد من المؤسسات، والمتتبع للأمور يدرك أن أميركا وشركاء خليجيين اعلنوا مطلع أيار/ مايو الحالي فرض مزيداً من العقوبات على حزب الله، وقد جاءت العقوبات ضمن سلسلة من الإجراءات الجديدة التي تستهدف إيران وحليفها اللبناني حزب الله منذ انسحاب الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> من الاتفاق النووي الإيراني.

وان العقوبات الأميركية والخليجية على قيادات الصف الأول في حزب الله تفتح الباب على جملة تساؤلات مرتبطة بالداخل اللبناني بعد إنجاز استحقاق الانتخابات النيابية والتطلّع إلى تشكيل حكومة العهد الأولى، على ما عكف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على تأكيده مرارا وتكرارا، وثمّة في الداخل من ينظر الى هذه العقوبات وتداعياتها بمنظارين مختلفين، الأوّل يؤكّد أنّها ستعرقل تأليف الحكومة، أمّا الثاني فينظر إليها عاملاً مسرّعاً لعملية التأليف بهدف تحصين الاستقرار اللبناني، في خضمّ كلّ ما يجري على صعيد المنطقة من اشتباك أميركي- إيراني ومناوشات إيرانية – اسرائيلية على أرض سوريا.

 كرة ثلج العقوبات الأميركية على حزب الله تتدحرج، مسؤولان آخران في الحزب هما عبد الله صفي الدين ومحمد بزي استهدفتهما وزارة الخزانة الأميركية، اضافة الى خمسة كيانات مرتبطة بالحزب بعد مجموعة الاسماء القيادية وفي طليعتها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ونائبه الشيخ نعيم قاسم، ويبقى السؤال عينه: هل يكون لهذه العقوبات تأثير على الوضع الحكومي تكليفا وتأليفا وبرنامجا وزاريا يرسم المواقف والخطوات اللاحقة؟ وما اثر هذه العقوبات على الوضع الاقتصادي اللبناني؟

 من الناحية السياسية السيد حسن نصر الله وبخطاب التحرير وصف العقوبات بأنها جزء من المعركة، قائلاً ما معناه: في ما يتعلق بي شخصياً الموضوع ليس له أثر مالي أو مادي… هم يهدفون لإبعاد الناس عنا.

وعن تشكيل الحكومة الجديدة، قال نصر الله: <إن العقوبات لن تؤثر عليها، فمن المقرر أن يبدأ العمل على تشكيلها نهاية شهر ايار/ مايو وبحد اقصى بداية شهر حزيران/ يونيو>.

 

حكيم والضغط!

اما بالنسبة للأثر الاقتصادي للعقوبات فقد أعلمنا وزير الاقتصاد السابق الدكتور آلان حكيم بان الضغط الممارس على الحزب يحصل علــــى رجــــال الاعمـــــال اللبنانيـــــين المتعاطفــــين مع حزب الله، ولفت حكيم الى ان الاقتصاد اليوم اقوى مما مضى وإن كان ما يزال ضعيفا، وذلك من خلال الثلاثية الاقتصادية التي تسعى لوقف الانهيار الاقتصادي وتتمثل بالرؤية الاقتصادية المالية للرئيس ميشال عون مع سياسة حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة اضافة الى الحوكمة الرشيــــدة للمصــــارف اللبنانيـــــة، ما يخفف من حدة هذه العقوبات، واعتبر حكيم بأن الاقتصاد اللبناني يحتاج الى استثمارات وزيادة الاستهلاك لينهض من جديد.

عجاقة والتداعيات!

وبدوره الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة اطلعنا بأن هذه العقوبات سيكون لها تداعيات إقتصادية ومالية على لبنان تتراوح قوتها بحسب نسبة التشدّد في آلية التطبيق، ونوه عجاقة بأنها ليست المرّة الأولى التي تفرض فيها الولايات المُتحدة الأميركية عقوبات على حزب الله، ففي العام 2016 أصدرت وزارة الخزانة الأميركية لائحة عقوبات ضمّت إسماء مئة شخص ومؤسسة قالت الإدارة الأميركية أن لهم تعاملاً مع حزب الله، وقد نجح حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في ذلك الوقت في تطبيق العقوبات الأميركية على الأشخاص والمؤسسات التي طالتها العقوبات دون المسّ بالسلم الأهلي من خلال آلية التطبيق التي عمّمها على المصارف والتي لجمت إندفاع بعض المصارف بتطبيق هذه العقوبات.

وعن اثر هذه العقوبات على الحزب يقول عجاقة:

– الحزب بحسب تصريحات السيد حسن نصر الله، لا يمتلك حسابات مصرفية عائدة لأفراد في الحزب ولا يستخدم القطاع المصرفي في عملياته المالية، وهذا الأمر قد يكون سهّل عملية التطبيق وجعل تداعياتها المالية والإقتصادية محدودة، وبالتالي من المفروض ألا يكون لتطبيق العقوبات تداعيات إقتصادية أو مالية، إلا أن رمزية وجود إسماء السيد حسن نصر الله والشيخ نعيم قاسم على هذه اللائحة لها وقع نفسي على الأسواق المالية.

وفي ما يتعلق بموقف حاكم مصرف لبنان يشدد عجاقة قائلاً:

– خيارات رياض سلامة محدودة (ليست معدومة) في ما يخص تطبيق العقوبات، فإمّا لا يُطبّق العقوبات وهذا سيجلب الكوارث على لبنان إقتصادياً ومالياً ونقدياً (وبالتالي لا يُمكن إعتماد هذا الخيار)، أو أن يُطبّق هذه العقوبات، وبالتالي على سلامة إستخدام حنكته وخبرته المصرفية وعلاقته الدوّلية لتطبيق مرن (Smooth) لهذه العقوبات.

وتابع عجاقة قائلا:

– في العام 2016، كانت الحكومة اللبنانية تتخبّط في مشاكل آتية بفعل الشغور الرئاسي بالدرجة الأولى، لذا وعند صدور لائحة العقوبات إضطرّ سلامة أن يأخذ على عاتقه مسؤولية تطبيق العقوبات حفاظاً على الكيان اللبناني ولكن في الوقت نفسه للمحافظة على التوازنات الداخلية، ولم تستطع الحكومة آنذاك طرح هذا الموضوع على طاولة مجلس الوزراء خوفاً من انفجار الحكومة في وقت كان المنصب الأول في الدولة شاغراً.

الان حكيم 1  b

الحكومة المقبلة والعقوبات!

 

ــ وما هو موقف الحكومة (حكومة تصريف الاعمال) والحكومة التي قد تشكل قريبا من تلك العقوبات؟

– دخلت الحكومة في 21 من ايار/ مايو الجاري بمرحلة تصريف الأعمال وبالتالي لن تتمكّن من معالجة هذا الموضوع كما ان هذا الموضوع لم يطُرح من خارج جدول الأعمال نظراً لحساسية الموضوع والوزن الكبير لحزب الله في الحياة السياسية اللبنانية.

وتابع قائلاً:

– ومع المشاكل التي ستواجه رئيس الحكومة المُكلّف (الرئيس الحريري)، لن تكون الحكومة موجودة لأخذ قرار سياسي واضح بتطبيق العقوبات، لذا سيواجه سلامة الأمر وحده مع فارق أساسي وهو وجود فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الداعم لحاكم مصرف لبنان، وهذا الدعم سيُشكّل غطاء سياسياً أساسياً لسلامة في مهمته الحساسة، أي تطبيق العقوبات.

ــ من تستهدف هذه العقوبات إقليميا؟

– تستهدف العقوبات الأميركية على حزب الله بالدرجة الأولى الجمهورية الإسلامية في إيران، وكل الخطوات التي تتخذها الإدارة الأميركية من عقوبات على حزب الله تصبّ في خانة التضييق على إيران التي تتهمها الولايات المُتحدة الأميركية بالتدخل بالشؤون العربية عبر حلفائها في المنطقة أي حزب الله والحوثيين وحركة حماس.

وتابع عجاقة:

– عندما وقّعت الولايات المُتحدة الأميركية الإتفاق على البرنامج النووي الإيراني، رُفعت كل العقوبات الدولية عن إيران (أقلّه) قانونياً، وبالتالي لم تعد الولايات المُتحدّة الأميركية تمتلك أي حجّة قانونية للجم نفوذ إيران في المنطقة العربية، لذا لجأت أميركا الى فرض عقوبات على حلفاء إيران من رجال أعمال وأشخاص مصنّفين قريبين من حزب الله…

ــ وما الدافع لقيام <ترامب> بفرض هذه العقوبات؟

– التجارب الإيرانية على الصواريخ البالستية فتحت الباب أمام إدارة <ترامب> لإعادة فرض عقوبات على إيران، إلا أن مدى هذه العقوبات كان محدوداً بحكم القانون الأميركي، لذا أتى الإنسحاب من الإتفاق النووي الإيراني ليُعيد لواشنطن الحجّة القانونية التي تلزمها بفرض عقوبات على إيران ولتحقيق هدفها بلجم نفوذ إيران في المنطقة.

وأضاف:

– ومَن أهم من حزب الله الحليف الأول لإيران لاستهدافه بعقوبات مع البعد الإستراتيجي الذي يمتلكه والذي بإعتراف خصومه له امتدادات وقوّة تأثير في العديد من الدول العربية؟ لذا يأتي إدراج إسم الأمين العام ونائبه على لائحة العقوبات كرسالة سياسية قوية لإيران.

عجاقة والبعد الداخلي!

ــ وماذا عن البعد السياسي الداخلي؟

– عملياً، سيستخدم خصوم حزب الله في السياسة في لبنان هذا الحدث كاحدى أدوات الصراع السياسي وهذا الأمر مشروع في السياسة، إلا أن ما يتوجّب الإنتباه إليه هو أن التمادي في إستخدام هذا الحدث قد يؤدي إلى توترات داخلية قد لا تكون عواقبها محدودة وستؤثرّ بشكل مباشر على الإقتصاد اللبناني وعلى المالية العامّة وبالتالي على الدين العام عبر شلّ الحياة السياسية اللبنانية ومعها القرارات الاقتصادية، من هذا المُنطلق، هناك حاجّة مُلحّة تدعو الفرقاء السياسيين للتعقّل في استخدام هذا الحدث في صراعهم السياسي الداخلي.

ــ هل من تعقيدات ستطال تطبيق العقوبات؟

– التعقيدات التي ستطال تطبيق العقوبات هي تعقيدات تقنية بالدرجة الأولى، فيما التداعيات الفعلية لها عدّة أوجه:

– أولاً: هذه اللائحة تتضمّن أسماء رمزيّة لها وقع نفسي في الأسواق، وإحتمال إدراج أسماء أخرى في المُستقبل لها أوزان إقتصادية (رجال أعمال، شركات…) قد يؤدّي إلى تداعيات حقيقية على الأرض.

ثانياً: مع إصدار لائحة العقوبات ومع الحملة التي تقودها الولايات المُتحدّة الأميركية على حزب الله، ستكون كل التعاملات الدوّلية (والتي تمرّ عبر المصارف) موضع تدقيق من قبل الإدارة الأميركية بحكم أن التعامل يتم بالدولار الأميركي، وهذا الأمر قد يؤدّي إلى تأخير كبير في العمليات التجارية.

ثالثاً: مع انضمام دول الخليج إلى الولايات المُتحدة الأميركية في تطبيق العقوبات فقد تتأثر أوضاع بعض اللبنانيين العاملين في الخليج والذين تُصنّفهم دول الخليج بـ «مناصرين لحزب الله» من خلال التضييق على أعمالهم أو على تحويلاتهم المالية إلى لبنان.

رابعاً: مع <مؤتمر سيدر 1> والتزام الدول المشاركة في هذا المؤتمر تطبيق العقوبات، سيكون مشاريع <سيدر 1> تحت المجهر العالمي والأميركي خصوصاً بهدف منع استفادة أشخاص أو شركات مُصنّفين «مناصرين لحزب الله» من هذه المشاريع، وهذا الأمر قد يكون عامل تأخير في تطبيق هذه المشاريع.

وختم عجاقة حديثه قائلا:

– إن التقييــــم الدقيـــــق لتداعيــــات العقوبـــــات ولسيناريوهـــــــات إدراج أسماء إضافية على هذه اللائحة، سيكون موضع عمل مصرف لبنان لمعرفة الآلية الأنسب لتطبيق هذه العقوبات مع أقلّ ضرر مُمكن على الإقتصاد وعلى القطاع المصرفي اللبناني.