19 November,2018

الـعـــــلاج الـمـنـاعــــــي للـسـرطــــــان يـتـطــــــور بـعـدمـــــا بـلـــــغ أوجـــه فــي الـعـــام الـمـاضـــي  

بقلم وردية بطرس

13754109_1240459669327494_6683523402173370621_---------1

العلاج المناعي ويُعرف أيضاً بالعلاج الحيوي او العلاج المعدل للاستجابة الحيوية وهو علاج يقوم على توظيف آليات عمل الجهاز المناعي المختلفة، خصوصاً الآليات المتعلقة بتمييز الخلايا الدخيلة واثارة ردود الفعل المناعي، وآليات رفع معدلات انتاج الخلايا المناعية وتعزيزها بغية دعم واستنهاض وتحفيز جهاز المناعة بشكل مباشر او غير مباشر، سواء لمقاومة الأمراض ومكافحة العدوى، او لمعاملة الخلايا السرطانية كخلايا عدوة وتدميرها، او للمساعدة في ادارة التأثيرات الجانبية لعلاجات الأورام، وذلك باستخدام مركبات حيوية تفرزها خلايا المنظومة المناعية طبيعياً ويتم انتاجها في المعامل.

ويعمل الجهاز المناعي بآليات متعددة ومتناسقة مثل اي عملية دفاعية تبدأ بآليات لكشف الخلايا المعادية وتحديدها وتمييزها عن خلايا الجسم، وتختص بذلك خلايا معينة تساعدها بعض الخلايا الأخرى، ثم آليات استنفار واستنهاض الجهاز المناعي وتشترك في ذلك أغلب الخلايا المناعية بتوجيه رسائل في ما بينها لأغراض عديدة مثل تحفيز بعض الخلايا او استدعاء أنواع معينة او الحث على توالد أخرى او تعديل ردود الفعل، ثم آليات محاربة الخلايا المعادية وتدميرها، وتختص بذلك أنواع عدة من الخلايا تعمل بطرق مختلفة مثل التهام الخلايا المعادية او افراز سموم لتفتيت بنيتها.

وقد طور الباحثون أنواعاً مختلفة من العلاجات المناعية لمساعدة الجهاز المناعي في تمييز الخلايا الورمية ولتقوية استجابته بحيث يتمكن من تدميرها. ورغم ان أنواع العلاجات المناعية متعددة ومتباينة في تقنياتها الا انه يمكن تصنيفها ضمن صنفين رئيسيين: علاجات مخصصة تستهدف اثارة تفاعل مناعي محدد باستخدام اداة محددة وموجهة نحو هدف محدد. وعلاجات غير مخصصة اي تثير رداً مناعياً أكثر شمولية.

طريقة جديدة للعلاج

 

ولقد كشف العلماء عن طريقة جديدة فعالة لعلاج الأمراض السرطانية ترتكز على العلاج المناعي الذي يهدف الى تقوية جهاز المناعة لمحاربة الأورام السرطانية، مقارنة بالعلاج الكيميائي. وإنه عند التصاق الخلية السرطانية بخلية المناعة تمنعها من تأدية وظيفتها في القضاء على الخلية السرطانية، لذا ترتكز بعض العلاجات المناعية على فك الروابط التي تحصل بين بروتينات على سطح الخليتين، ما يساعد في اطلاق المكابح التي تشل نشاط جهاز المناعة ضد الخلايا السرطانية. وقد بلغت مراحل تطور الدراسات العلمية التي تؤكد نجاح العلاج المناعي للسرطان أوجها في العام 2015، حيث قدمت المؤتمرات الطبية في المانيا وأوروبا وأميركا مؤخراً المزيد من الدراسات العلمية حول نجاح العلاج المناعي الذي بدأ يتطور الى أشكال عدة.

الدكتـور ناجـــي الصغير يلخص

الأبحـــــاث حـــــــول السرطــــــان

 

فما أهمية العلاج المناعي للسرطان؟ وما هي أحدث الدراسات للجمعية الأميركية لعلاج مرض السرطان، وغيرها من الأسئلة طرحتها <الأفكار> على البروفيسور ناجي الصغير المتخصص في الأورام السرطانية ومدير مركز علاج سرطان الثدي في الجامعة الأميركية في بيروت ــ المركز الطبي، وهو رئيس اللجنة العالمية للجمعية الأميركية لعلاج السرطان، وأيضاً رئيس لجنة ارشادات العلاج في الجمعية الأميركية لعلاج السرطان (تجدر الاشارة الى ان البروفيسور ناجي الصغير كان قد انتخب رئيساً للجنة العالمية للجمعية الأميركية لعلاج السرطان (اسكو) في العام 2014 وهي جمعية أسسها 7 أطباء متخصصين في الأمراض الخبيثة في الولايات المتحدة في العام 1964، ليصبح عدد أعضائها حالياً أكثر من 14 ألف طبيب، ويحضر مؤتمرها السنوي أكثر من 30 ألف طبيب من أميركا وكل أنحاء العالم. وكان البروفيسور الصغير قد التحق بالجمعية في العام 1984 بعد اتمام تخصصه في أمراض الدم والأورام في نيويورك، وهو يشارك في نشاطات الجمعية ومؤتمرها السنوي منذ ذلك الحين، وكان قد تم انتخابه في العام 2002 عضواً في اللجنة العالمية لثلاث سنوات. وهو مدير مركز علاج سرطان الثدي في معهد نايف باسيل للسرطان في الجامعة الأميركية في بيروت، ورئيس مؤسس للجمعية اللبنانية لأطباء التورم الخبيث، وللجمعية اللبنانية لسرطان الثدي، وله أكثر من 80 بحثاً علمياً عن تشخيص السرطان وعلاجه، وحائز على العديد من الجوائز العلمية العالمية، وهو عضو في لجان ارشادات علاج السرطان الدولية، وصدرت له حديثاً عن الدار العربية للعلوم الطبعة الثالثة من كتاب <ألف باء أمراض الثدي>).

ونسأل البروفيسور ناجي عن مشاركته في المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية لعلاج السرطان فيقول:

– لقد شاركت في المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية لعلاج السرطان <ASCO> في <شيكاغو> حيث شارك فيه أكثر من 37000 شخص بين مشارك ومحاضر وباحث، وأبرز عناوين المؤتمر تتمحور حول علم العلاج المناعي للسرطان <Immune – oncology> وتتركز أكثر الأبحاث في <شيكاغو> على علم العلاج المناعي والأدوية الواعدة، منها:

ــ التطعيم ضد خلايا السرطان: وهي طريقة أولية قديمة تتطلب سحب الخلايا ونموها في المختبر وانتاج بروتين يُعطى للمريض، فتقوم خلايا المناعة عندئذ بمهاجمة الخلايا السرطانية التي تحمل تلك البروتينات وتقتلها. طريقة طويلة ومكلفة نجحت في حالات محدودة.

ــ التطعيم ضد الميكروبات التي تسبب السرطان في وقت لاحق: التطعيم ضد ميكروب وفيروس <HPV > وللشباب بعمر 11 و 13 سنة قبل العلاقات الجنسية. هذا التطعيم يمنع التهاب عنق الرحم الذي قد يتسبب في سرطان عنق الرحم بعد 15 ــ 20 سنة. وهكذا يكون التطعيم وقاية من الالتهاب الآني ومن سرطان عنق الرحم في المستقبل، وكذلك هو وقاية من سرطان الفم والبلعوم لأن فيروس <اتش بي في> هو أحد أسبابها أيضاً.

ويتابع:

– مثال آخر هو التطعيم ضد فيروس <اتش بي في> (الصفيرة) الذي أصبح روتينياً عند الولادة فيمنع التقاط التهاب الكبد، وبذلك هو وقاية من تشمع الكبد ومن سرطان الكبد.

الموضوع الأهم حالياً هو اكتشاف وتطوير أدوية تزيد من قدرة خلايا المناعة <T- cells> على التخلص من الخلايا السرطانية. ونحن نعلم منذ سنوات عديدة ان خلايا السرطان تتمتع بذكاء وقدرة على النمو والتكاثر والدفاع عن نفسها وذلك عن طريق التحايل على الخلايا المناعية فتمنعها من التعرف عليها كجسم غريب. كيف يحصل هذا؟ هناك بروتين متعلقة بوفاة الخلايا اسمها <PD1> موجودة على سطح الخلية المناعية. تتحايل الخلية السرطانية عليها بواسطة <PDL1> فتمنعها من قتلها والتخلص منها، لكن الأدويـــــة الجديـــــــدة توقــف هذا التفاعــــــل ونسميهـــــا <Checkpoint inhibitor > فتصبح خلايا المناعة قادرة على رصد الخلايا السرطانية كجسم غريب فتقوم خلية المناعة بقتل الخلايا السرطانية والتخلص منها.

تم تثبيت فعالية هذه الأدوية ضد سرطان الجلد <ميلانوما> المنتشر، وكذلك سرطان الرئة المنتشر المتقدم. وهناك أبحاث سريرية عدة تم تقديمها في <شيكاغو> وأثبتت فعاليتها في دورات العلاج الثانية، وهناك دراسات لاستعمالها حتى في الدورة الأولى لعلاج سرطان الرئة المنتشر، وكذلك يتم تطبيقها في علاج العديد من السرطانات الأخرى.

طريقة أخرى لمساعدة خلايا المناعة في عدم قبول خلايا السرطان كأنها خلايا طبيعية وبالتالي رفضها تقوم على تسكير <Block> متلقيات بروتين خلايا المناعة <CTL – 4 antigens> المسؤولة عن التعرف على الخلايا كأنها طبيعية <K>، وذلك بإعطاء دواء جديد مضاد لـ<CTL-4> بواسطة <ايبيليموماب>، عندئذ تقوم خلايا المناعة بتعريف خلايا السرطان كخلايا غريبة وتقتلها وتتخلص منها. هذا الدواء يُستعمل في علاج سرطان الجلد <ميلانوما> وكذلك بدأ استعماله مضافاً لأدوية كيمائية ضد سرطان الرئة وغيره.

وأضاف:

– وهناك طريقة جديدة تم تداولها في <شيكاغو> تعتمد مساعدة خلايا المناعة لتعريف خلايا السرطان على أنها غريبة عن الجسم في المختبر واعادتها الى جسم المريض، إذ يتم سحب دم، ثم سحب خلايا <T-cells> من الدم، ثم دمجها ببروتين التعرف على خلايا السرطان <Antigen recognition domain> وبذلك يتم تكوين خلايا جديدة <CART – CELLS (chimeric antigen receptor)>، وهذه الـ<CART – CELLS> يتم اعادتها الى المريض فتقتل الخلايا السرطانية. وقد أعطت هذه الطريقة نتائج ممتازة ويتم تطويرها وهي واعدة.

ــ وماذا عن علاجات هرمونية جديدة لسرطان الثدي؟

– أولاً اعطاء علاجات مضادة للهرمونات (ليتروزول) لفترة عشر سنوات تزيد من احتمالات الشفاء وعدم عودة المرض ولكنها تزيد من ترقق العظام والكسور، لذا يجب الانتباه. وثانياً: اعطاء دواء بالبوسيكليب المضاد لانزيمات الخلايا <CDK 4\6 > مع (ليتروزول) هو علاج هرموني يطيل نسبة التحرر الأطول من المرض المنتشر في دراسة <بالوما 2>. وهكذا أصبح هذا العلاج معتمداً عند السيدات بعد سن انقطاع العادة الشهرية. ونحن نستعمله أيضاً ونقوم بتجارب لاستعماله واستعمال دواء مماثل له (ريبوسيكليب) عند السيدات بعد انقطاع العادة الشهرية وتم حديثاً الاعلان عن نتائج ايجابية لدراسته في <موناليزا 2>. وهناك أيضاً دواء ثالث جديد مماثل <أبيماسكلب> وهو واعد إذ تم تقديم دراسة أولية مشجعة عنه.

 

جــــراحة عقــدة الابــط الليمفاويــة

الأولى الحارسة

ــ وماذا عن جراحة عقدة الابط الليمفاوية؟

– إن متابعة عشر سنوات لدراسة الكلية الأميركية للجراحة <Z0011 – ACOS006> تؤكد ان هذه الطريقة سليمة. هذه الطريقة <SLNB> أصبحت العلاج الحديث للسيدات اللواتي عندهن ورم صغير في الثدي، فنقوم باستئصال الورم والبحث عن العقدة الأولى، ونسمح للسيدة باستعمال عادي لذراعها، وهذه الطريقة لا تتسبب بورم الذراع بعد الجراحة، ويجب ان تصبح مطبقة في كل المستشفيات التي تجري جراحة الثدي. والآن يمكن تطبيقها في حال وجود عقدة ليمفاوية واحدة او اثنتين فقط حسب دراسة <Z0011>. ولقد أصبحت هذه الدراسات وتطبيقها، بالاضافة الى الجراحة الجزئية للثدي مع العلاج الشعاعي، ذات أهمية كبرى لدينا لأننا أصبحنا نشخص 65 بالمئة من الحالات في المراحل المبكرة بفضل حملات التوعية الصحية ضد سرطان الثدي في لبنان، وهي في حالة تراجع.

ــ ماذا عن علاجات سرطان الرأس؟

– إن أهم الدراسات لسرطانات الدماغ تقوم على استعمال حبوب مع العلاج الشعاعي لمدة ثلاثة أسابيع فقط بدل ستة أسابيع عند المريض فوق سن السبعين واكمال <تيموزولومايد> لمدة ستة أشهر فقط بدل سنة.

 

<بــــــــايــدن> وحلـــــم التوصـــــل

الى علاج للسرطان

ــ ماذا عن حضور نائب رئيس الولايات المتحدة <جو بايدن>؟

– حلقة خاصة مع نائب رئيس الولايات المتحدة <جو بايدن> في <ASCO Chicago 2016 > <Moonshot initiative> وبحضور الآلاف من المشاركين للتشديد على أهمية العمل الجماعي المشترك، وتعاون السياسيين والمشتركين مع الأطباء والجمعيات العلمية، وحلم التوصل الى علاج شافٍ للسرطان كما كان حلم وصول الانسان الى القمر مع <جون اف كينيدي> في الستينات من القرن الماضي وقد نجح. وشرح <جو بايدن> مشروع الرئيس <باراك أوباما> هذا وأشار الى تخصيص مبالغ كبيرة تصل الى مليار دولار لدعم الأبحاث ومساندتها، وأهمها الآن أبحاث العلاج المناعي وايصال النتائج بسرعة أكبر الى كل مريض، والأمل بأن نتوصل الى الشفاء والى ايجاد علاج مناعي في العام 2020.

ويتوقف الدكتور الصغير عند نقطة وهي:

– البعض يقول ان السرطان ليس مرضاً واحداً بل هو مجموعة أمراض عديدة، وحتى لو كان السرطان قد أصاب عضواً معيناً فهو أيضاً يضم سرطانات عديدة مثلاً في حالة سرطان الثدي تنضوي أنواع عديدة ولهذا نقوم بمعالجة الـ<Molecule> او <جزيء> وليس العضو، اذ نرى تغييرات جينية بروتينية وتغييرات في كل الانواع. كما ان هناك تطوراً مهماً وعلاجات هادفة وتطوراً في العلاجات الجينية، وعند الكشف المبكر تصل نسبة الشفاء الى 90 بالمئة. ونحن في الجامعة الأميركية في بيروت نقوم بالدراسات اذ نرى ان 90 بالمئة من مرضى السرطان يشفون من المرض في المراحل الاولى من الاصابة بالمرض، والدراسات تُنشر في مجلات علمية ولدينا نتائج جيدة، كما اننا نساعد في الأبحاث التي تُجرى في أوروبا وأميركا، فالبحث أمر مهم جداً ونحن نشارك في أبحاث علمية ليس في لبنان فقط بل في أوروبا وأميركا والعالم ككل لأن الأبحاث مشتركة بين كل دول العالم.

ــ بالرغم من العلاجات المتطورة وحملات التوعية لماذا تزداد نسبة الاصابة بمرض السرطان؟

– يجب ان يدرك الناس ان ثلث أمراض السرطان تعود أسبابها للتدخين، وذلك في كل أنواع السرطانات. و35 بالمئة سببه الطعام غير الصحي ونمط الحياة غير السليم، فكما نرى ان الناس يميلون لتناول الأطعمة التي تحتوي على الشحوم والدهون أكثر من الماضي. وإن ثلث الاصابة بالسرطان له علاقة بالتلوث والعوامل الوراثية اذ لا نعرف مدى الضرر الصحي الذي سيلحق بالناس بسبب أزمة النفايات التي مرت في البلاد، فتأثيرها سيظهر لاحقاً اذ يجب الا يغيب عن البال ان هذه النفايات تحتوي على نفايات المستشفيات ومصانع الأدوية والبطاريات والحديد وغيرها من الأشياء التي تتسبب بأمراض عديدة عند تنشقها او حرقها الى ما هنالك. وأذكر هنا عندما سلمني رئيس الحكومة تمام سلام الجائزة قلت له يجب ان تفعلوا شيئاً لحل مشكلة النفايات لأنها تهدد صحة الناس، لانه لا نريد بعد عشر سنوات ان تُقدم جائزة لأحدهم لبحث أجراه حول علاقة التلوث بالسرطان، اي يجب ان يتدارك المسؤولون هذه المشكلة وان يعملوا بجد لحلها تفادياً لحدوث أمراض عديدة بعد بضع سنوات. كما علينا ان نقلل من تناول الطعام غير الصحي، وان يمتنع الشخص عن التدخين، وان يزاول الرياضة مثل المشي، والأهم من كل ذلك أن يتم الكشف المبكر.