16 November,2018

الـطـفــل الـســـوري «ايــــلان» يـــــوقـظ ضـمـيــــــر الـعـالــــــم!

بقلم علي الحسيني

 

كان-يلهو-قبل-ان-يخطفه-الموت لا أحد يضع أولاده وأطفاله في قارب مهترئ ويبحر بهم إلا عندما يصبح البحر أكثر أماناً من أرض بلاده. جملة قالها احدهم يوم غرقت عائلته في البحر أثناء عبورهم من وطنهم الى بلاد أخرى، ظناً منه أنها ستكون اكثر امناً وأماناً من وطن ما عاد يتسع لهم وما عاد يتحنن عليهم حتى بكسرة خبز.

مشهد يهز العالم

هناك على شواطئ تركيا نام الطفل <ايلان> كردي ابن السنتين نومته الاخيرة، لكن قبل ان يغط في سبات عميق وأبدي، عرى العالم بأثره من الصمت، وكشف عن زيف شعارات لطالما رفعها العرب وتم تردادها طوال عقود من الزمن <لم تبدأ ببلاد العرب أوطاني وكل العرب اخواني> ولن تنتهي مع <أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة>.

بالأمس كان الطفل  <ايلان> وحيداً على الشاطئ كانت تحركه الامواج وكأنها تلامس شعره الرقيق. تمدد على وجهه وأدار ظهره للعالم هارباً من عار أمة لم تنصفه في حياته ولم تسمع استغاثاته، فتنكرت له في الدنيا كما في الآخرة. في لحظاته الاخيرة بحث عن يد أمه فلم يجد غير الامواج لتأخذه في أحضانها، بحث عن شقيقه غالب بعدما عجزت يد والده عن إنقاذه لكنه لم يجد غير الشاطئ مكاناً ليلقي عليه ظهره بعدما أتعبته رحلة المد والجزر. لم يدرك ان امه ريحانة وشقيقه غالب قد قضيا بعده بثوانٍ. حتى طابة كرة القدم التي كان يعانقها طوال فترة العبور خذلته وابتعدت عنه وتركته يواجه مصيره وحده. مات <ايلان> ورحل، لكنه ترك في نفوس العالم حسرة ورسم على ملامح وجوههم دمعة لن تنسى ما دامت الدنيا قائمة، وما دام ظلم البشر موجوداً.

 

عبارات الموت للبنان حصة منها

ايلان-ايقظ-ضمير-العالم 

عبارات الموت هي تفاصيل محزنة تروي قصة مواطنين لم تعد تسعهم أوطانهم فقرروا الرحيل في رحاب الدنيا هاربين إما من جوع وإما من قتل، منهم من قضى في طريقه ومنهم من وصل، لكن هناك من لا يزال يبحث عن موطئ قدم يمكن ان يركن اليه في نهاية عمره او ما تبقى له من عمر في عالم يجنح أكثر صوب الظلم والعنف وانعدام العدالة الاجتماعية. ولبنان هو إحدى الدول التي نالت نصيبها من عبّارات الموت وتحديداً ما عرف بالعبّارة الاندونيسية التي ومن أصل 72  شخصاً كانوا على متنها نجا منهم 18 لبنانياً و5 عراقيين و5 من اريتريا وطفل ايراني. 34 لبنانيّاً عادوا يومئذٍ جثثاً هامدة بعد أن لفظ بحر الموت الأندونيسي أجسادهم وأعادهم إلى تراب وطنهم ليحتضنهم للمرة الأخيرة. عادوا إلى وطنهم الذي نسيهم فأنساهم ثمن تلك الهجرة غير الشرعية.

لعل الذكرى تنفع

قرابة الساعة الثانية عشرة من يوم الخميس 31 الواقع في تشرين الأول/ اكتوبر العام 2013 حطّت طائرة الشحن الإماراتية على ارض مطار رفيق الحريري الدولي لتتوجه على اثرها سيارات الاسعاف لنقل جثامين ضحايا العبارة الاندونيسية التي كانت تقل اكثر من خمسين لبنانياً باتجاه الاراضي الاسترالية معظمهم من الشمال وتحديداً من عكار فيما بقيت جثة الطفل الرضيع علي أسعد أسعد في عداد المفقودين.

 حسين خضر: هكذا لملمت جثث عائلتي

ايلان-وشقيقه-غالب-اخر-ضحايا-العبارات

لم تكن الباخرة التي انتظرها الضحايا طويلاً سوى مركب صغير تمّ إحضاره ليقلّ نحو 100 شخص في حين ان المهاجرين لم يكونوا على علم بأنهم سينتقلون الى استراليا بواسطة هذا المركب الصغير خصوصاً وان اتفاقهم مع السماسرة يقضي بنقلهم بواسطة باخرة مجهّزة وآمنة. يقول حسين خضر ابن بلدة قبعيت العكارية الذي كان فقد عائلته المؤلفة من زوجته وأولاده الثمانية: عبد الله طيبة الذي يعمل لدى ابو صالح جاء من طرابلس لتسلم المهمة عوضاً عن ابي علي الاردني الذي انفصل عن ابي صالح وأقنع الضحايا بأن العبّارة التي سينتقلون بها هي مؤقتة والباخرة في انتظارهم على بعد كيلومترات من الشاطئ ولا يمكن المجيء بها الى هنا خوفاً من الشرطة.

وأضاف: بعد ان قررنا الصعود الى العبارة طلب طيبة من الجميع تسليمه هواتفهم وأغراضهم ما عدا الضرورية منها، كما منعنا من شراء الطعام بحجة ان الباخرة ستكون مجهّزة بكل ما يمكن ان نحتاج اليه ومع هذا لم أثق بكلامه، فقمت بتهريب هاتف خلسة عنه وأحضرته معي الى العبارة.

وتابع: صعدنا ذلك اليوم الى العبّارة وبعدها بدأت المصاعب تواجهنا فأضعنا الاتجاه ومن ثم تعطل المحرك الى أن فرغت العبّارة من الوقود وبقينا ثلاثة أيام في عرض البحر قضيناها وسط الجوع والبرد والرعب، حاولنا الاستغاثة لكن أحداً لم يجبنا، واتصلت انا بالشرطة الاسترالية فقالوا انهم سيحضرون على الفور لكنهم لم يفعلوا، بعدها اتصلت بهم ثانية فأجابوني بأنهم قاموا بإبلاغ الشرطة الاندونيسية وانها في طريقها الينا. يومئذٍ بدأ الطقس يسوء شيئاً فشيئاً الى ان جاءت عاصفة قوية تلاعبت بالعبّارة يميناً ويساراً وأخذت الأمواج ترتفع حتى غرقت العبّارة ووقعت المأساة. هي لحظات لم يستطع حسين خضر وصفها كونها مليئة بالخوف والرعب، لكنه يؤكد ان البحر ابتلع الجميع ومن قال يومئذٍ انه سبح حتى وصل الى الشاطئ غير صحيح، الموج هو من قذف بالجميع أحياءً وأمواتاً الى الشاطئ.

ويختم: في تلك الاثناء، رأيت ابنتي الرضيعة للمرة الاخيرة ضممتها الى صدري وبيدي الأخرى تمسكت بزوجتي، ثم رمى بنا موج البحر إلى الشاطئ عندها أدركت انهم فارقوا الحياة جميعاً. وبعد ساعة تقريباً بدأ البحر بلفظ أجساد أولادي وبقي ثلاثة منهم في عداد المفقودين. تماسكت وبدأت بلملمة جثث أولادي المبعثرة والمنتشرة على الشاطئ، فلم يكن هناك وقت للبكاء.

 

والد الطفل <ايلان> قال لـ<الافكار>: رأيت عائلتي تموت الواحد تلو الآخر

عبدالله-يبكي-عائلته

بعد يومين على مقتل عائلته غرقاً في العبارة قرر والد الطفل <ايلان> عبد الله الذي تنحدر أصوله من بلدة <كوباني> أو<عين العرب> في سوريا، قرر ان يفتح حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا وخارجها ليعرف العالم مأساة النازحين والاخطار التي يتعرضون لها خلال رحلاتهم في البحر هرباً من بلادهم.

بعد يومين على طرح أسئلتنا حول رحلة الموت التي خاضها عبدالله لينجو بعائلته من القصف والدمار الذي تتعرض له سوريا يقول الوالد المفجوع برحيل عائلته: جئت من سوريا الى تركيا منذ اشهر هرباً من القتل وعملت بمحالٍ عدة منها مطاعم وورش بناء وفي مواقف للسيارات كي لا أحتاج الى أحد، وكانت شقيقتي التي تعيش في تركيا وهي متزوجة تدعمني معنوياً ومادياً طوال فترة إقامتنا في اسطنبول. لكنني قررت البحث عن حياة أفضل لعائلتي، فحملت انا وزوجتي ولدينا غالب و<ايلان>، وقررنا ان نعبر بهما الى عالم آمن يمكن ان تعيش فيه عائلتي بعيداً عن الاقتتال في سوريا.

ومضى يقول:

– عندما وصلت الى تركيا اضطررت للعمل في مجال البناء بأجرة لا تتعدى المئة ليرة تركية في اليوم وذلك حتى لا أمد يدي للغير، مع العلم ان مجمل ما كنت أتقاضاه لم يكن يكفي ثمن طعامٍ فقط، فكانت أختي ووالدي يساعداننا لشراء احتياجاتنا الى ان منحني مبلغاً من المال لا بأس فيه لكي نتوجه الى اوروبا للحصول على حياة أفضل لأولادي، رغم انني كنت قد حاولت مرات عدة الذهاب الى اليونان او المانيا لكنني لم أفلح، ومنذ فترة عرفني احد اصدقائي على شخصين مهربين اثنين في البحر قالا ان باستطاعتهما نقلي مع عائلتي لقاء مبلغ خمسة آلاف يورو، لكنهما عادا وخفّضا من المبلغ قليلاً لعدم تمكني من تأمين المبلغ.

ويضيف: كنا تقريباً 14 شخصاً على متن قارب صيد صغير لا يتجاوزه عرضه المتر ونصف المتر. وبعد نصف ساعة تقريباً من الإبحار بدأت الامواج تعلو بشكلٍ مخيف وبدأت ترتطم بالقارب وتحدث فيه ثقوباً كانت تكبر مع كل ارتطام جديد، الى ان قفز المهرب من القارب الى البحر وتركنا وحدنا نصارع الامواج والموت حتى انقلب القارب. عندئذٍ تمسكت بايلان وغالب وزوجتي وبقينا نحاول التشبث بالقارب المقلوب لفترة نصف ساعة تقريباً وفي ذلك الوقت كان الجميع على قيد الحياة الى ان علا الموج وتوفي <ايلان> فاضطررت لتركه حتى أنقذ ابني غالب، لكن سرعان ما توفي هو الآخر، وقد رأيت الزبد يخرج من فمه وأنفه، تركته لأنقذ زوجتي فوجدت جثتها تطفو على سطح المياه وقد توفيت. وبقيت بعدها ساعتين في الماء وجثث عائلتي تبتعد عني باتجاه الشاطئ الى ان وصل خفر السواحل التركي وانتشلني من المياه.

وأنهى عبد الله رسالته بالقول: الى كل العالم الصامت عما يحدث في سوريا انظروا إلى حالنا وترفقوا بها. ساعدونا وخففوا من الظلم الواقع بنا وتحديداً اللاجئين في تركيا بحيث العامل هنا يحصل على مبلغ لقاء عمل عبدالله-كردي-مع-ولديه-ايلان-وغالبيوم كامل لا يكفي لشراء رغيف خبز. اتمنى ان تكون وفاة <ايلان> يقظة ضمير توقظ العالم من نومه تجاه المآسي التي تحل بالشعوب العربية وتحديداً تدمير سوريا.

رثاء لـ<ايلان> من العرب

بعد رحيله بيوم، نُشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي رثاء للطفل <ايلان> يعبّر عن وجع الحال الذي وصل اليه العرب مقابل تخاذل البعض عن نصرتهم وتحديداً من هم من أبناء جلدتهم، ويقول صاحب الرثاء: <يا صغيري هل ستعذرنا؟ هل ستعذر قبحنا وتخاذلنا، أم صمتنا و تآمرنا ام جبننا و توضعنا ام ستقول لله عنا إننا كنا  وإننا شهود زور وإن شوارعنا ضاقت بكم، وبكم كفرنا

وبأننا استصلحنا صحارينا بكم وبأجسادكم زرعنا؟

يا صغيري تمهل علينا، لن يكون مصيرنا أفضل منك وحياتنا الفارغة ستقتلنا على قارعة النسيان كما نسيناك. اعذر عروبتنا فعروبتنا أصبحت تترجم ببيانات عابرة للمحيطات

واعذر إسلامنا فقد أمسى برامج إذاعية لفتوى ما تطلبه الحكومات، فهنا (الثورة) على الحاكم واجب وهناك طاعة ولي الامر واجب، فهنا القتل والذبح والاغتصاب جهاد وهناك لا تقربوا اليهود فهم أهل كتاب.

أخبر ربك يا صغيري،  أخبره من كان السبب وأخبره من سيفوز ومن سينتصر ولمَ العجب

يا صغيري عند أطراف نعليك المبتلين يسقط الحساب وتغلق الأبواب، فأخبر الله واطلب منه ألا يسامحنا، فيا ويلنا من الله، يا ويلنا من الله، يا ويلنا من الله>.

نقاش في موت الطفل

<سأخبر الله كل شي>. جملة قالها أحد الاطفال السوريين منذ اشهر قليلة وذلك قبل ان يلفظ أنفاسه الاخيرة في حضن والدته بعد تعرضه لإصابة من جراء سقوط برميل متفجر على منزله. واليوم تنقسم الآراء في سوريا والخارج حول الجهة التي تتحمل مسؤولية مقتل الطفل <ايلان>. البعض رأى ان النظام السوري هو من يتحمل المسؤولية كاملة من جراء الدمار التي تلحقه صواريخه وطائراته في سوريا وما تخلفه من قتل ونزوح، والبعض اعتبر ان المقاتلين الاجانب هم السبب نظراً لعمليات الذبح التي يرتكبونها من دون تمييز بين سوري وآخر. وفي الوقت الذي قامت فيه حملة سورية في الخارج لمطالبة الدول الكبرى بوضع حد للجماعات الاصولية وتحميلها مسؤولية التهجير والقتل والمجازر، برز فريق مناوئ للحملة بعضهم كتاب ومثقفون وشعراء يدعو الى تحميل الرئيس السوري بشار الاسد مسؤولية تدمير سوريا وتهجير أهلها، وقد برزت جملة لأحدهم تقول <بشار لا ترحل. فعلاً ابقَ معنا يا بشار. بيننا الكثير. هذا وعد. وعد يا <ايلان> الكردي>.