24 October,2017

الـشـفـافـيــــــة ضــــــرورة اســــــاســيـة مــــــن أجـــــــل حـســـــن ادارة عـــــــائـــدات الــنــفـــــــط!  

 

بقلم طوني بشارة

نسيب-غبريل 

هل دخل لبنان فعليا عصر النفط؟ وهل بتنا بحاجة الى إيجاد 5000 فني وتقني يعملون الى جانب مهندسي النفط؟ ام اننا اصبنا بمرض <Dutch Disease> أي المرض الهولندي؟ وما المقصود بمبدأ الشفافية من اجل حسن إدارة عائدات النفط؟ لاسيما وان عضو هيئة إدارة قطاع النفط أسامة الذهبي صرح وبأكثر من مناسبة في الآونة الاخير بأن لبنان بلد نفطي بامتياز، وشدد على ضرورة خلق فرص عمل محلية وتطوير الصناعة لتلبية قطاع النفط والغاز وبناء وتطوير القدرات الوطنية.

فهل تصريحات الذهبي مبنية على أساس متين؟ وما هو موقف رجال الاقتصاد والسياسة من تفاؤلات المعنيين بقطاع النفط؟

 

الحلو والسحر الساحر

 

النائب هنري الحلو قال أنه لن يتطرق لا الى موضوع التأخير والسنوات التي ضاعت قبل اعتماد مرسومي التنقيب عن النفط والغاز، ولا إلى الظروف التي أدت، بسحر ساحر، إلى ولادتهما، والتي أوحت بوجود صفقة سياسية قائمة على تقاسم الحصص، مشيراً الى ان كل ما نأمله ألا تكون شكوكنا في محلها، لأن هذه الثروة يجب أن تكون لكل مواطن لبناني، لا لقلة من المنتفعين، ويجب أن تستخدم للنهوض بلبنان وباقتصاده من أجل غد أفضل لأجيالنا المستقبلية، لا أن يتم إهدارها في إنفاق غير مدروس.

وشدد الحلو على أن القوانين الضريبية ذات الصلة بالقطاع النفطي يجب أن تحقق التوفيق والتوازن بين حق الدولة من جهة، وتشجيع الشركات على الاستثمار في القطاع من جهة ثانية، وقال: في كل الأحوال،وباعتماد هذا القانون، واكتمال الإطار القانوني، نصبح أمام الامتحان الحقيقي: امتحان الشفافية.

ــ ما المقصود بالشفافية؟ وهل بالامكان تطبيقها؟

– إن المرحلة المقبلة تتطلب قدراً كبيراً من الشفافية، لأن هذه الشفافية هي حجر الزاوية لإدارة الثروة النفطية، فالشفافية أساس الثقة، سواء أكانت ثقة الشعب اللبناني، أم ثقة الشركات العالمية الكبرى التي ستقدم عروضها. لقد اعتدنا مع الأسف، في مناقصاتنا ممارسات كثيرة تنتهك مبدأ الشفافية هذا، منها تفصيل دفاتر الشروط على قياس شركات معينة، أو تغيير المواعيد، أو سوى ذلك. إن اللبنانيين يتخوفون من تغلغل الفساد في إدارة الثروة النفطية والغازية، ومن هذا المنطلق، يشكل تأمين الشفافية في كل مراحل إدارة القطاع، أحد أهم المبادئ الواجب اتباعها وممارستها.

ــ هل من اجراءات معينة لتطبيق الشفافية؟

– إن اللبنانيين ما عادوا مستعدين للاكتفاء بشعارات الشفافية التي لا تطبق، بل المطلوب آليات واضحة وعلمية وموضوعية تضمن التطبيق الفعلي لهذا المفهوم، وفي هذا الإطار، ينبغي إنشاء هيئة مراقبة مستقلة تشرف على عملية فض وتقييم عروض الشركات، وتراقب آلية منح التراخيص في دورة التراخيص الأولى، كذلك يجب اتباع آليات لإشراك مجلس النواب في مراقبة كل الخطوات المتعلقة بالثروة البترولية، ضمانا لرقابة ومساءلة فاعلتين، ومن الضروري أيضا نشر كل المعلومات عن الشركات المتقدمة للحصول على التراخيص في ما يتعلق بعروضها وخططها، ونشر التفاصيل المتعلقة بعمليات الاستكشاف والإنتاج، وكميات الإنتاج، وحصة الدولة في بترول الربح، وقيمة المصاريف المستردة ونوعيتها، وغير ذلك.

ــ هل من اطر مالية قانونية تؤدي الى تطبيق الشفافية؟

– من الشروط المهمة لتحقيق الشفافية، إنشاء سجل بترولي على طريقة السجل العقاري والسجل التجاري، لتسجيل الحقوق البترولية. ونظراً إلى أهمية الدور المنتظر لهيئة إدارة قطاع البترول، يفترض أن يتم اعتماد معايير وأطر قانونية ومالية لتحسين آلية عمل الهيئة، وتوفير الحوكمة الفضلى والسليمة لها، وتمكينها من ممارسة دورها الناظم للقطاع بشكل مستقل، وجعل أدائها ضامنا للثروة النفطية، وينبغي أن تضمن هذه المعايير الحد من أي استنساب قد ينجم عن الصلاحيات الواسعة لوزير الطاقة الذي ينبغي أن تكون سلطته محصورة بالرقابة والإشراف.

وأضاف الحلو:

– أما الامتحان الآخر الموازي للشفافية، فهو استخدام العائدات النفطية المتوقعة في المكان الصحيح والمفيد، وينبغي الحرص على ألا يتم التعامل مع عائدات النفط والغاز على أنها مكسب آني، ويجب بالتالي أن تجمد نسبة منها وألا تستخدم لأغراض آنية، بل أن توضع في تصرف الأجيال المقبلة.

الحلو وصمام الامان

ــ ماذا عن <الصندوق السيادي> وهل من الممكن تطبيقه في لبنان؟

– إذا كان قانون الموارد البترولية في المياه البحرية قد لحظ صندوقاً سيادياً لإيداع عائدات الأنشطة والحقوق البترولية فيه، فيجب أن تحدد بوضوح نسبة العائدات التي ستجمد للأجيال المقبلة، وتلك التي ستخصص لسد الدين العام، وتلك التي ستوظف في استثمارات خارجية، ويجب أن يكون معروفاً ما هو نوع هذه الاستثمارات، وأي جهة ستتولى تحديد الاستثمارات ووفق أي أسس، كذلك يجب تحديد نسبة العائدات التي ستوظف لإنشاء بنى تحتية، وكيف سيتم تحديد الأولويات في هذا المجال، ان لجهة طبيعة هذه البنى التحتية أو لجهة ضمان الإنماء المتوازن.

وأكد الحلو بأن أموال <الصندوق السيادي> يجب أن يكون جزء منها صمام أمان لمستقبل أولادنا، وأن يستثمر جزء آخر في تطوير الاقتصاد وتنشيطه من خلال تحسين البنى التحتية، ودعم القطاعات البتروكيميائية، والطاقة البديلة، واقتصاد المعرفة وخصوصا التكنولوجيا، والشركات الصغيرة والمتوسطة، وسوى ذلك من القطاعات التي تساهم في تحفيز النمو وتوفير فرص العمل، ولا بد من أن يدار هذا الصندوق أيضا بأقصى حد من الشفافية، وأن تتوافر آليات الرقابة عليه.

ــ عصر النفط المقبل، هل هو لمصلحة لبنان؟

– إن العائدات المتأتية من نفطنا البحري يجب ألا ترمى في البحر، وألا تذوب في إنفاق اعتباطي، بل يجب أن تنتشل اقتصادنا من أعماق الأزمة وتقوده إلى شاطىء الأمان من خلال الاستخدام السليم لها، وإن عصر النفط الآتي على لبنان يجب أن يقترن بخطة اقتصادية يتم على أساسها توجيه العائدات في الاتجاه الصحيح، ولإصلاحات هيكلية تضمن عدم تبخر الأموال المنتظرة، وإذا لم يحصل ذلك، نكون قد أضعنا فرصة جديدة كتلك الفرص الكثيرة التي أضعناها عبر تاريخنا.

p06_20140430_pic1غبريل وأحلام اليقظة

من جهته اعتبر مدير الدراسات الاقتصادية لدى <بنك بيبلوس> نسيب غبريل ان الحديث يزداد هذه الأيام والتحليلات تكثر عن إمكانات قطاع النفط والغاز في لبنان، وكيف سيتحول لبنان الى دولة مصدرة للطاقة، وكيف ستؤدي الواردات المالية الى استبدال العجز الحالي في الموازنة العامة الى فائض، وكيف سيطفئ الدين العام، وعلى أي مشاريع ستنفق المليارات الآتية، الى ما هنالك من أحلام يقظة غازية ونفطية، لا بل بدأنا بإنفاق هذه الواردات منذ الآن وكأننا أصبحنا دولة نفطية منذ زمن بعيد، رغم أن المثال أمامنا على أن اكتشاف النفط واستخراجه وتصديره لا يحل المشاكل الاقتصادية القائمة ولا التحديات في المالية العامة، بل يمكن أن يفاقمها بسبب سوء إدارة الموارد الجديدة، وتجربة غانا واضحة في هذا المجال، ووضعها المالي والاقتصادي شبيه بوضع لبنان.

وأضاف غبريل:

– الواضح أن لبنان بدأ يعاني الظاهرة الاقتصادية المعروفة بـ<المرض الهولندي> أو <Dutch Disease>، وذلك 10 سنوات قبل أوانه، إذ اننا نتصرف حاليا وكأننا بدأنا نسبح في بحر من مليارات الدولارات من عائدات النفط والغاز، والبعض بدأ يستبق الأمور بشكل خطر بالتسويق لموجودات في المياه الاقليمية اللبنانية وتقديرها بمبالغ تراوح بين 100 مليار دولار إلى 350 مليار دولار من العائدات المستقبلية.

واستطرد قائلاً:

– وهذه التقديرات ليست مبنية على أي أساس واقعي أو علمي، إذ إن كل ما حصل الى اليوم هو المسح الذي أجرته شركات أميركية ونرويجية، وقد حذرت هذه الشركات من أن كل هذه الدراسات والمسوحات لا يمكنها أن تحل مكان عمليات التنقيب أو تستبقها، فهناك محطات عديدة يجب أن يمر بها لبنان قبل معرفة ما إذا كان هناك جدوى تجارية للاستفادة من النفط والغاز.

وأشار غبريل الى أن هناك أسئلة عديدة لا أحد يملك الجواب عنها قبل بدء عمليات التنقيب، إذ إن التنقيب سيسمح باكتشاف ما لدينا في قعر البحر، أي ما هي الكميات الموجودة، وعلى أي عمق وما صعوبة أو سهولة استخراجها، وما هي كلفة الاستخراج؟ وإذا وصلنا إلى هذه المرحلة أي تحديد كلفة الاستخراج، فيجب أن نلحظ حالة الأسواق العالمية، أي ما هي الأسعار العالمية للنفط أو للغاز؟ وهل كلفة الاستخراج أعلى أو أقل من هذه الأسعار؟ وهل الأسواق العالمية لديها فائض؟ وما هو الطلب العالمي؟ ولكن بدأنا ننفق واردات النفط والغاز قبل الحصول على أجوبة عن أي من هذه الأسئلة؟ فإذا كانت كلفة الاستخراج أعلى من الأسعار العالمية، فلا يمكننا التصدير، وإذا وجدت كميات كافية، فيمكن استخدامها محليا بدل الاستمرار في استيراد المواد النفطية، ولكن نحن بحاجة إلى بنية تحتية جاهزة لاستخدام الغاز للطلب المحلي، فأين هي مشاريع هذه المنشآت والبنى التحتية؟

ــ ولكن ما العمل حالياً لعدم الوقوع بأزمة؟

– لكل هذه الأسباب مجتمعة، علينا التحلي بكثير من الواقعية وخفض التوقعات في ما يخص عائدات النفط والغاز، في انتظار نتائج التنقيب، وفي هذا الوقت، والى حين ظهور نتائج ملموسة، وعوض التصرف كأننا أصبحنا كويت أخرى من حيث الفائض المالي والصندوق السيادي الذي يحتوي على مئات المليارات، علينا إعطاء الأولوية للجم النفقات العامة، ومكافحة التهرب الضريبي، وتفعيل الجباية، وإعطاء حوافز للنمو الاقتصادي من خلال تحسين المناخ الاستثماري الذي هو في تراجع، وتطوير بيئة الأعمال، ورفع مستوى تنافسية الاقتصاد، وخفض الاعباء التشغيلية عن كاهل الشركات والمؤسسات في القطاع الخاص، ورفع مستوى الخدمات العامة، والإصلاح الجذري للإدارة العامة، بدل فرض ضرائب ورسوم أو زيادة ضرائب ورسوم موجودة، إذ إن القطاع الخاص يتوقع من الحكومة الحالية أن تقدم حوافز لدعم النمو والاستثمار، وتلك الحوافز لا يزال الجميع بانتظارها.