24 September,2018

الـشــــــرق شــــــرق والـغــــرب غــــــرب!

 

بقلم الدكتور محمود فاعور

2-----FAOUR

كان الطبيـب المتمــرن فــي المستشفــى التعليمــي فــي قســم الجراحــة مميزاً بإنضباطه وإندفاعه ولطفه، وكان موضع ثقة لدي وإخترته لرئاسة القسم رغم معارضة بعض زملائه لأسباب شخصية تتمحور حول ذرائع وهميــة ومركب نقص وغــيرة وحسد… وهكذا شق الطبيب الشــاب المتمــرن فــي قســم الجراحة طريقه إلى التخرج وسافــر إلى فرنســا لمتابعــة إختصاصــه، وأصبــح اليــوم جراحاً ناجحاً يعمل في احدى المستشفيــات الحكوميـــة فــي بــاريس… زارنـــي منـذ أيــام فسررت به وبأخباره وسألته عن عمله فقال لي إنه مسرور جـــداً وأنــه يعمـــل فــي قســم الجراحة التي تضم أربعة فروع في كل منها 24 سريراً وهو على رأس أحد هذه الفروع… أما رئيســة كل الأقسـام فجرّاحــة مهمة تعتبر مرجعية في جراحة الأمعــاء الغليظــة… وخبرتهـــا تتجاوز الألف عملية في هذا المضمار… وسألته: هل أنت على علاقة جيدة بها… قال: نوعاً ما فهي سيدة لا تقبل الأخطاء وليس في عملها أي تهاون ولا تقبل من مرؤوسيها أيـة أعــذار، وهي حازمـة فــي إدارتها ولا تفتح مجالاً للجدل.

وعندما بدأت العمل كرئيسة لقسم الجراحة جمعت رؤساء الفـــروع وأصــدرت الأوامــر للجميع وكنت جالساً بذهول أمــام المشهــــد… وبذكائهـــا الفطري توجهت إلي بالكلام: أنتم في الشرق الأوسط لا تقرون بحق المرأة في القيادة وإعطاء الأوامر ولكن عليك الآن التكيف مع الوضع الجديد.

على أنها إلى جانب كل ذلك متواضعة تركب الدراجة الهوائية يومياً من منزلها إلى المستشفى وتُدخل الدراجة إلى المصعد ومنه إلى مكتبها… فلا سيارات فخمة ولا سائق ولا من يرافقون!

جميـــع هـــــؤلاء الأطبـــاء الماهرون يعملون في المستشفى الحكومي ويعالجون الحالات المرضية التي يتعرض لها رؤساء وحكام فرنسا والذين يذهبـــون إلــــى المستشفـــى الحكومــي حـــيث تتوافـــر الكفاءات العالية والتجهيزات الحديثة ويعالجون كأي مواطن عـــادي… فــي بلادنــا التعيسة يــذهب الرؤســاء إلى أوروبـا للعلاج ويفتخرون بذلك عوض أن يهتمـــوا بمستشفياتنــا الحكومية التي ينقصها الكثير ويزودوها بما يلزم سيما أن كفاءة الأطباء ومهارتهم تتطلب تجهيزات حديثة.

تــذكرت حينــذاك مسؤولــة الجراحــة فــي <المايــو كلينــك> حيث قمت بدورة تدريبية هناك فــي قسم الجراحة وكنت فــي السنــة الثانيــة مــن أصــل السنوات الخمس، فقد أطلت علينا في غرفة إنتظار العمليات وقدمت نفسها بأنها الرئيسة للفريــق وبــاشرت بإعطــاء الأوامــر وقواعــد العمـل فــي <المايو كلينك>، فمشينا على الطريــق التــي رســمت بدقــة وطالبت الجميع بإلتزام ما قالت وهكذا كان… السيدات في موقع الرئاسة والمسؤولية أمر طبيعي في البلاد الراقية ونادر في الدول النامية التي تعيش مجتمعاتها على ذكورية ليست بالضرورة الأفضل… أنا مع المرأة ظالمة أو مظلومة لأنها تستحق كل إحترام وتشجيع وقد برهنت عن ذلك في شتى القطاعات.

كمــا بــرهنت الكثـــير مـــن السيدات عن قدرات كبيرة فــي إدارة أعمالهــن وبمبـــادرات شخصية منهن وقفزن فوق الكثير من الحواجز والتقاليد، كذلك فلهن كل تقدير وإعجاب… وهذا لا يمنع التقدير والإعجاب بالرجال العظام الذين كذلك حققوا الكثير في مجالات الحياة المختلفة.