21 September,2018

الـسـكـــــري فــــي رمـضــــــان بـيـــــن الـتـوصـيـــــات الـعـلـمـيـــــــة والأحـكـــــام الـشـرعـيـــــــة!

بقلم وردية بطرس

الدكتور-محمد-صنديد----a

يستحسن أن يمتنع مريض السكري عن الصيام خصوصاً في شهر رمضان، الا انه قد يصر على الصيام رغم ما قد يترتب عن ذلك من مضاعفات. ولا ينبغي الصوم لمرضى السكري من النوع الأول الذين يعانون نوبات ارتفاع او انخفاض متكررة في السكر او الاثنين معاً، وكذلك بالنسبة لمريضة السكري الحامل. كما يُطلب من مرضى السكري بمختلف أنواعه الانتباه لعوارض انخفاض السكر والتي تتضمن الصداع واضطراب الرؤية والوعي وحدوث رعشة بالأطراف والشعور بزيادة في ضربات القلب. وعلى مريض السكري ان يقطع الصيام اذا شعر بعوارض انخفاض السكر… ومع حلول شهر رمضان من كل عام يبرز تساؤل مرضى السكري عن امكانية الصيام من عدمه؟ وما هي مخاطر الصيام على مرضى السكري؟ وماذا عن التوافق ما بين الشرع والطب بما يتعلق بصيام مريض السكري؟ وأسئلة عديدة طرحتها <الأفكار> على الدكتور محمد صنديد الاختصاصي في الغدد الصماء والسكري وهو رئيس <الجمعية اللبنانية للسكري> الممثلة لـ<الاتحاد الدولي للسكري> في لبنان، ونسأله عن وضع مريض السكري خلال صوم رمضان فيقول:

– تعتمد العلاقة الوثيقة بين مريض السكري ورمضان على مجموعة من الحقائق. أولاً يتعرض مريض السكري، خصوصاً الذي يصوم وهو يأخذ حقنة أنسولين واحدة، خلال النهار لهبوط سكر الدم، ولماذا ذلك؟ لان فترة الصيام تطول أكثر من 15 ساعة خلال أيام الحر الشديد خصوصاً عندما يصادف شهر رمضان في فصل الصيف حيث تزيد فترة الامتناع عن الطعام والشرب خلال النهار، وتقصر فترة تناول الطعام في الليل من 6 الى 8 ساعات، ما يؤدي الى هبوط السكر لدى المريض خلال النهار لانه يصوم 15 ساعة، وفي الليل يتعرض لارتفاع السكر لان فترة تناول الطعام قصيرة ويأكل فيها المريض طعاماً غنياً بالحلويات والدهنيات، خصوصاً اذا لم يحصل تعديل مناسب بجرعات الأدوية ويحدث توقف عن الحركة البدنية في الليل، فيتعرض الصائم لارتفاع السكر في الدم. اذاً هذه الأمور تحدث بشكل عام للصائم ولكن المصاب بالسكري معرض للإصابة بها بشكل أكبر، وهي تعرضه للخطر ويحدث أحياناً مع مريض السكري حالات حموضة كيتونية التي تسمم الجسم وتعرضه للاغماء، وفي حال نقص السوائل خصوصاً أيام الحر يتعرض مريض السكري لهذه المشاكل أيضاً.

مساعدة مرضى السكري

ــ مع اقتراب شهر رمضان من كل عام يساور كل مريض بالسكري سؤال حول امكانية الصيام، فكيف نساعد مرضى السكري في اتخاذ هذا القرار المهم؟

– يعتبر الصيام واجباً دينياً عند المسلمين ولهذا يواجه الصائم مع حلول شهر رمضان من كل عام أهم سؤال حول استطاعة الصيام من عدمه ويقع في الحيرة، وقد اعتاد الأطباء قبل سنوات عدة ان يقاربوا الأجوبة من ناحية طبية بحتة في حين كان الفقهاء ورجال الدين يتعرضون للمسائل الفقهية ويقفون عند المبادىء العامة لمن يمكنه الصيام ويتركون التفاصيل لمن يمكنه الافطار بناء على نصيحة الطبيب المعالج، ولكن لم تكن هذه الأمور واضحة. ولكن اليوم تغير الوضع مع التوصيات الحديثة، اذ انه في السنتين الأخيرتين عملنا على تطبيق التوصيات الحديثة الصادرة في دبي عن مجموعة من الأطباء والباحثين من بينهم لبنانيون، وقد تم تحديد المعايير لتمكن مريض السكري من الصيام او عدم الصيام، وكان ذلك بالتعاون مع <الاتحاد الدولي للسكري>، وتم العمل على التوفيق بين المبادىء العلمية والمبادىء الفقهية، ومن ثم عرضنا ثمرة هذه الدراسات على العلماء السنة والشيعة في لبنان اي أعلى المراجع وهم أحالوننا الى دوائر الفقه وشرحنا لهم المعايير العلمية وخرجنا بتوصيات ثمرة هذه اللقاءات، وكان هناك توافق علمي ــ شرعي، فمثلاً دار الفتوى أصدر للمرة الأولى فتوى اعتمدت المعايير العلمية والتوصيات الحديثة الصادرة عن <الاتحاد الدولي للسكري>.

اربـــع فئــــــات مـــن

مرضى السكري

وعن فئات مرضى السكري يشرح الدكتور صنديد:

– لقد صُنف مرضى السكري حسب الدراسات لأربع فئات: الفئة الأولى ونعتبرها عالية الخطورة جداً وهي تشمل المرضى ذوي الاحتمالات الكبيرة جداً للتعرض الى مضاعفات خطيرة بصورة مؤكدة طبياً. وفي هذه الحالات المرضية يتعرض المرضى لهبوط شديد او ارتفاع شديد في السكر، ولهذا يشكل الصيام خطورة عليهم، وتصيب هذه الحالات مرضى السكري من النوع الأول اي الشباب والأطفال الذين يأخذون الانسولين اذ يحدث معهم هبوط شديد بالسكر أو قد لا يتمكنون من السيطرة عليه لهذا يجب ألا يصوموا، وأيضاً المرضى الذين يقومون بأعمال شاقة لا يقدرون ان يصوموا، والمرضى الذين يخضعون لغسيل الكلى وأيضاً الحوامل.

الفئة الثانية: وتشمل المرضى الذين لديهم احتمالات كبيرة للتعرض الى مضاعفات نتيجة الصيام والتي قد تكون في غالب الظن خطيرة على صحتهم، أي يكون هناك شك حول اوضاعهم المرضية مثلاً لديهم سكر مرتفع فوق 300 ونسبة تخزين السكر فوق 10 و11 أو لديهم مشاكل في الكلى والشرايين أو امراض مصاحبة مثل القلب والكوليسترول او يأخذون حقنة واحدة او أدوية تخفّض السكر ولكنها تحفز الخلايا المنتجة للأنسولين في البنكرياس ما يعني هبوط السكر، كذلك تشمل هذه الفئة كبار السن او الناس الذين يأخذون أدوية نفسية تؤثر على الدماغ، وهنا يعاين الطبيب كل حالة وقد أجاز الشرع له ان يحكم ما اذا كان مريض السكري يقدر ان يصوم ام لا.

ويتابع:

– الفئة الثالثة: تشمل المرضى الذين لديهم احتمالات متوسطة للتعرض لمضاعفات نتيجة الصيام مثلاً الحالات المستقرة والمسيطرة عليها بالعلاجات المناسبة، ولكن علينا ان نبدل العلاج بأدوية مكلفة قليلاً ولكنها لا تخفض السكر بحيث يقدر المرضى ان يصوموا شرط ان نغير العلاج.

الفئة الرابعة: وتعنى بالمرضى الذين لديهم نسبة مخفضة للتعرض للمضاعفات نتيجة الصيام، وهم المصابون بالسكري حديثاً وحالتهم مستقرة ومسيطر عليها.

وأوضح:

– نحن لا نقول للناس لا تصوموا، بل يجب ان يقوم المريض بزيارة الطبيب ليصنف حالته ويحضره ويعاين كل حالة على حدة.

وأضاف:

– لقد اخذنا هذه الفئات وعرضناها على المراجع الدينية لاصدار الأحكام. وبحسب الأحكام الشرعية فإن الفئتين الأولى والثانية المبنيتين على التأكد من حصول الضرر البالغ او يغلب الظن أن ضرراً سيحصل بحسب ما يقدر الطبيب، عندئذ يتعين شرعاً على المريض الذي تنطبق عليه احدى الحالات الواردة أن يفطر ولا يجوز له ان يصوم، وذلك درءاً للخطر عن نفسه وفي قوله تعالى: <ولا تلقوا بأيديهم الى التهلكة> (سورة البقرة)، و<لا تقتلوا أنفسكم ان الله كان رحيماً> (سورة النساء)، وبالتالي يجب استشارة الطبيب ليبين خطورة الصيام والاحتمالات الواردة، وقد أجاز الشرع الافطار في هذه الحالات، ومن قبيل ذلك قوله تعالى <فمن كان منكم مريضاً او على سفر فعدة من أيام أخرى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين> (سورة البقرة)، وحتى هناك قول آخر <ومن صام مع تضرره بالصيام فانه يأثم مع صحة صومه> يعني لو عرض نفسه للضرر فهو آثم. اذاً هذه أحكام الفئتين الأولى والثانية، أما أحكام الفئتين الثالثة والرابعة فتقول انه لا يجوز لهاتين الفئتين عدم الصيام لان المعطيات الطبية لا تشير الى مضاعفات ضارة بصحة المريض بل ان الكثيرين منهم يستفيدون من الصيام، وينطبق على هاتين الفئتين قوله تعالى <صوموا تصحوا>، وطبعاً على الطبيب الالتزام بهذه الأحكام ووصف العلاج المناسب.

مخاطر الصيام عند مرضى السكري

ــ وما هي مخاطر الصيام عند مرضى السكري؟

– أولاً: احتمال هبوط السكر خلال النهار. ثانياً: ارتفاع السكر خلال الليل. ثالثاً: الجفاف خصوصاً في الصيف والتجلط والغيبوبة. لذا، يجب عدم الصيام ضد نصيحة الطبيب والالتزام بالعلاج والاكثار من تناول السوائل في المساء وتأخير السحور وقطع الصيام فوراً في حال هبوط سكر الدم.

وأكمل قائلاً:

– كما يجب زيارة الطبيب قبل الصيام، فما يفعله الطبيب أولاً هو اجراء الفحوصات لتقييم وضع المريض. ثانياً يعدّل بالعلاج بحيث يعطيه علاجات لا تؤدي لانخفاض السكر. ثالثاً: يعطيه جدولاً غذائياً يتناسب مع وضعه، ويشدد على ضرورة قطع الصيام اذا تعرض لأحد المخاطر، مثلاً هناك أناس يأخذون أدوية تحفّز خلايا الأنسولين على الافراز فنحولهم الى أقراص أقصر مفعولاً او ننقّص الجرعة قليلاً اي نقسّم الجرعات الأكبر الى مرتين قبيل الافطار والسحور بحيث تكون جرعة الافطار أكبر من جرعة السحور ثلثين الثلث. والمرضى الذين يأخذون الأنسولين اذا كانوا يأخذون حقناً عدة خصوصاً السريعة منها ففي هذه الحالة لا يجوز ان يصوموا، واما اذا كان المريض يأخذ الأنسولين الطويل المفعول ولديه درجة عالية من الوعي ويفحص نسبة السكر مرات عدة، فهذا المريض يقدر ان يصوم شرط ان يكون لديه الوعي الكافي، وعلينا ان نعلّم المريض كيف يقيس السكر في النهار خصوصاً في الأسبوع الأول وان يقطع الصيام فور هبوط السكر.

التوافق الشرعي مع المعايير العلمية

ــ وكيف نقنع مرضى السكري بضرورة التقيد بالارشادات الطبية؟

– قبل سنوات كان من الصعب اقناع مريض السكري الا يصوم اذا كان الصيام يضّر به، ولكن بعد اصدار الفتاوى والتوافق الشرعي والدراسات العلمية والأحكام الشرعية أصبح من السهل جداً اقناع كل مريض حسب مرجعيته، اذ أننا أخذنا كل المرجعيات ووضعناها في كتيب ونقدمه للمريض ليعود الى مرجعيته ليرى ما اذا كان يقدر ان يصوم ام لا في حال كان وضعه الصحي لا يسمح بذلك.

الخطوات العملية

ــ وما هي الخطوات العملية التي قمتم بها كونك رئيس <الجمعية اللبنانية للسكري> الممثلة لـ<الاتحاد الدولي للسكري> في لبنان؟

– لكي نساعد المرضى لمعرفة المزيد عن داء السكري وتمكينهم لاتخاذ القرارات السليمة في شهر رمضان ليكون صيامهم صحياً وأكثر أماناً، نقوم بدورات تدريبية في المراكز الدينية والمساجد، اذ نجمع مرضى السكري ونعرفّهم بداء السكري بشكل عام وبمخاطر الصيام على مرضى السكري، والتغيرات العلاجية خلال رمضان، والرأي الديني، والتوافق العلمي، والارشادات العامة، وضرورة التحضر للصيام، كما ونعطيهم نصائح غذائية وأمثلة عن الوجبات اذ نقوم بحلقات تثقيفية تركز على أسس علاج مرضى السكري من ناحية الطعام، وممارسة التمارين، والالتزام بالعلاجات، والامتناع عن التدخين، وكيفية التحكم بالسكري قبل الافطار اذ يجب ان يكون قبل الافطار بين 80 و130 وبعد الافطار يجب ان يكون ما بين 180 و200، أما تخزين السكر بعد ثلاثة أشهر بعد الافطار فيجب ان يكون ما دون 7 لكي لا يُصاب المريض بالمضاعفات المزمنة، كذلك نعرّف المرضى بعوارض هبوط السكر ليكون المريض طبيب نفسه.

وزاد قائلاً:

– أهم شيء ندعو المريض لزيارة الطبيب قبل شهر او 15 يوماً من بدء شهر رمضان لاجراء تقييم شامل لمستوى السكر في الدم، وتخزين السكر، وضغط الدم، ونسبة الدهون، ووظيفة الكلى، ونقيّم وضع الجسم الصحي العام لتحديد امكانية الصيام حسب حالة كل مريض، واذا سمحنا للمريض بالصيام فيجب ان نناقش كل التغيرات المحتملة في النظام الغذائي والعلاج للحفاظ على سلامته، ونزوده بالكتيبات والارشادات التي تضم الأحكام الشرعية لكل الفئات، ونقوم بورش عمل خلال رمضان على مستوى المرضى ومستوى الجسم الطبي والأطباء لتنظيم الأدوية من ناحية الجرعات لتفادي الاخطار المحتملة، ونؤكد على ضرورة إجراء فحص الدم المتكرر خلال رمضان، وممارسة الرياضة، وتنظيم الوجبات والسحور، والاكثار من السوائل الخالية من السكر، فكل هذه الأمور نقولها لمرضى السكري من أجل صيام آمن.

ــ وما هي النصائح للمرضى الذين يمكنهم الصيام وخصوصاً من الناحية الغذائية؟

– يجب ان تحتوي الوجبات على الأطعمة الغنية بالألياف وبالتالي تمّد الجسم بالطاقة، ويجب ان يعجّل المريض بالافطار وأن يقوم بالصلاة بعد الافطار لتجنب هبوط السكر، وتأخير السحور لتجنب حدوث هبوط السكر، ويجب ان يتجنب المشروبات السكرية، وان يشرب مشروبات خالية من السكر مثل الماء والعصير الطبيعي. وننصح المرضى قبل الافطار ان يقيسوا السكر في الدم لتقييم وضعهم، والتقليل من الكربوهيدرات والأطعمة السكرية الدهنية، وان يتجنبوا تناول الأطعمة المكررة والخبز المصنوع من الدقيق الابيض وعصير الفاكهة المعلب، وعلى المريض ان ينوّع في تناول الأطعمة، وان يقلل من استخدام الزبدة والسمنة، والاكثار من تناول الخضار والسلطة لانه عندما يتناول السلطة يساعده ذلك، اذ لا يرتفع السكر لديه ويشبع أكثر، وعليه ان يؤخر وجبة السحور وان تحتوي على الكربوهيدرات المركبة التي تمد الجسم بالطاقة ببطء والتي تحتوي على القليل من القمح والأرز والعدس والفول، ويجب الا يتناول التوابل المملحة لكي لا يشعر بالعطش، وان يقلل من شرب السوائل السكرية او ان يمتنع عنها، وطبعاً عليه شرب ليتر ونصف الليتر من المياه.

ــ مع كل الخطوات التي قمتم بها واللقاء ما بين الأطباء ورجال الدين، فهل تعتقد انكم ستتوصلون الى النتيجة المرجوة ام تحتاجون سنوات لذلك؟

– المطلوب من الأطباء الاطلاع على أحدث الدراسات العلمية المتعلقة بالسكري والصيام، والاحاطة بقدر مقبول من الأحكام الشرعية، واصدار مواد تثقيفية وتنظيم ندوات دورية وتدريب كوادر طبية. اما المطلوب من رجال الدين فهو الاحاطة بقدر مقبول من المعايير العلمية لمرضى السكري وان يعرفوا التصنيفات، وحث المرضى الذين يتوجهون اليهم طالبين منهم الرأي الشرعي على ضرورة استشارتهم لأطبائهم المعالجين الذين يتفهمون الصيام بأبعاده الطبية والدينية. كما انه مطلوب من المرضى التقيد بالتعليمات الطبية وزيادة المعرفة من خلال حضور ندوات تثقيفية والتزود بالمواد. ولا ننسى دور الاعلام اذ المطلوب منه نقل هذه المعلومات للمرضى، ونشكر <الأفكار> للاضاءة على هذا الموضوع بنقل هذه المعلومات للمرضى التي ستزيد لديهم الثقافة الصحية، وبالتالي يساعد ذلك في التخفيف من المضاعفات، واننا نتمنى لجميع الصائمين رمضاناً كريماً.