15 November,2018

الـسـقـــــــوط الـكـبـيـــــــــــــــــر

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

في مؤتمر <يالطا> الشهير الذي انعقد في شباط/ فبراير من العام 1945 بين القادة الثلاثة الكبار: <روزفلت> و<ستالين> و<تشرشل>، كان الرئيس الأميركي عازماً رغم احتضاره على مخطط جديد لعالم حر وأفضل، وكان ومرافقوه يرون أن الأطماع الإمبريالية البريطانية تشكّل خطراً على أي سلام عادل. وقد نبّه رئيس الوزراء البريطاني <ونستون تشرشل> الرئيس <فرانكلين روزفلت> الى <مزالق> السياسة الأميركية حين قال:

<سيدي الرئيس، أعتقد أنك تحاول القضاء على الامبراطورية البريطانية، فأنا لم أصبح رئيساً للوزارة لأقوم بتصفية هذه الامبراطورية>.

وردّ عليه <روزفلت> قائلاً:

<إن في دمك يا <ونستون> أربعمئة عام من الفتوحات، ولا يمكنك أن تقبل بأمة لا تستولي على أرض إذا استطاعت أن تفعل، ولكن صفحة جديدة من تاريخ العالم قد فُتحت وبات لزاماً عليك أن تجاريها>.

وكان <تشرشل> يتذرّع في مناقشات المؤتمر بالبرلمان البريطاني الذي لا يوافق على كثير من أعمال المؤتمر ويعوّل على استفتاء الناس، فداعبه الزعيم السوفياتي <جوزف ستالين> على العشاء قائلاً:

<انك تبدو مذعوراً من برلمانك ومن انتخاباتك المقبلة>، فأجاب <تشرشل>: <أنا الوحيد بيننا نحن الثلاثة الذي يستطيع شعبه أن يطيح به في كل لحظة، وإني لفخور بذلك>.

كانت بريطانيا منذ سقوط <نابليون> أغنى الدول بالمستعمرات وأكثرها معاناة للمتاعب الناشئة عن نضال الشعوب من أجل التحرر والاستقلال، وقد زادت هذه المتاعب بعد الحرب العالمية الأولى بسبب انتشار الوعي السياسي والشعور القومي والافكار التحررية بين الشعوب المستعبدة.

واليوم، وفي الذكرى المئوية على اتفاقية <سايكس – بيكو>، ها هي لعنة الشرق الأوسط ترتد على مهندسي كياناته.

بريطانيا العظمى تهتز تحت وطأة الخروج والانفصال، وفرنسا مرتبكة مع صعود اليمين المتطرف، وسائر أوروبا قلقة على المصير..

ولا مبالغة في القول إن مأزق الشرق الأوسط كان في سلم هموم البريطانيين الذين اقترعوا للخروج وهم في معظمهم من فئات الأعمار التي تجاوزت الستين.

إنه همّ اللاجئين والإرهاب والضغط التركي في اتجاه أوروبا ترحيلاً عبر بوابتها، وترغيباً عبر <سلطنتها الجديدة> لدخول جنة الاتحاد.

إذاً، قرار الخروج سياسي وليس اقتصادياً ويلقى دعماً من اليمين الإسرائيلي المتطرف خصوصاً أن أوروبا لا تزال تنادي بالدولة الفلسطينية، ما يعني أن أوروبا موحدة تزعج اسرائيل وتقلقها، تماماً كما كانت الدول العربية الموحدة تزعجها وتقلقها.

والأسئلة تضاعفت بعد هذا الحدث الكبير:

هل يمكن أن تنهار أوروبا الموحدة بعدما فقدت دراجتها الثلاثية العجلات عجلة واحدة هي بريطانيا؟ وتالياً هل يمكن أن تصمد أوروبا العجوز بعجلتي المانيا وفرنسا أم يسقط هيكلها عند أول منعطف خطير؟

هل تصمد المملكة المتحدة وتجتاز قطوع انفصال اسكتلندا وإيرلندا الشمالية؟

ما هو أكيد في ضوء الزلزال البريطاني أن اليمين في دول أوروبا فُتحت شهيته نحو مزيد من التطرف.

وما هو أكيد أيضاً أن المزاج الأميركي سيتأثر بتاريخه وتراثه ولغته الإنكليزية، قبل بضعة أشهر على انتخابات رئاسية، تتراكم خلالها الهدايا على <دونالد ترامب> وليس آخرها مجزرة <أورلاندو>.

بعد مئة عام على اتفاقية <ساكيس – بيكو> وواحد وسبعين عاماً على مؤتمر <يالطا>، ها هو العالم الذي صنعه الكبار يتفكك على يد الكبار أنفسهم مع تبدّل الأسماء، ويتبين في قراءة أولى وثانية أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الاوروبي هو بداية الفيدراليات في الشرق الأوسط، وأن هذه النسخة من أوروبا يمكن أن تُعتمد من قبل معظم دول العالم، وليست التقلبات الحاصلة سوى مؤشر الى مرحلة انتقال من الحكومات المركزية الى حاكميات لامركزية ومنظومات اقتصادية تعمل ضمن حدودها الجغرافية الحالية.

إنه زمن الانهيارات الكبرى، إنه عالم ملعون ومجنون وبائس أصبح مشبعاً بالتطرف ولا حواجز تقف أمام انتشاره، ويجب التنبّه جداً لما شهدته بلدة القاع اللبنانية أوائل الأسبوع الجاري، ومما قد يحمله قابل الأيام لبلدنا التعيس لبنان.

المهم ألا تندم شعوب الشرق الأوسط على <سايكس – بيكو> الذي يحمل رغم كل شيء شيئاً من الرحمة، لأن البديل استعمار من نوع آخر ستكون اسرائيل مدعومة من الولايات المتحدة عرابته… كلام واضح قاله <روزفلت> لـ<تشرشل> قبل واحد وسبعين عاماً.