21 September,2018

الـذاكــــرة أقـســــى مـــن الــذكــــرى

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

عندما يغيب زمن الحكمة يقوم زمن الثرثرة، والثرثرة طريق الخراب.

لقد غابت الحكمة عن الحالة اللبنانية منذ زمن، منذ أربعة عقود تقريباً، ليحل محلها كل أنواع الخراب، من تفكيك أوصال الدولة، الى تغيير معالم اليابسة والبحر، من الأمراض التقليدية الى الامراض المستعصية ولاسيما الذهنية والعصبية.

قبل أربعة عقود، كانت الحياة السياسية في لبنان يغلب عليها طابع المنافسة الديموقراطية الحادّة لا الإلغائية القاتلة.

كبرنا ونحن نلهج بأسماء كبيرة علّمتنا حب الوطن والتعلق بأحرف الوطن ولبنان، وأن تكون سياسة لبنان اللبنانية والعربية والدولية بحجم سياسة دولة كبرى.

أسماء كانت غالباً ما تجيب قبل أن تُسأل وإذ بها تعرف السؤال مثل الجواب وتصيب في السؤال والجواب.

اليوم، ترانا نبحث عن <فانوس سعيد عقل> الذي استعان به ذات يوم ليجد كبيراً، وإذا وُفّقنا وعثرنا عليه، فلن نجد لا كبيراً ولا من يشعل النار فيه.

لقد انطفأ <الفانوس> لأنه لم يرَ جديراً بنقل نوره وتوزيعه على مساحة الوطن، بعدما استعرض كل الرؤوس ولم يجد رأساً يعادل رؤوس كبار حاولوا ترجمة الفكرة الى واقع والدولة الى وطن.

صحيح أن الزعامات التاريخية احدى قصص هذا الوطن، ولكن الصحيح أيضاً أن الزعامات الجديدة هي قصص تَحَلُّل هذا الوطن وربما زواله عن الخريطة السياسية والجغرافية.

صحيح أن الرجالات التاريخيين كانوا رجال الأزمات الحكومية والازمات السياسية، ورجال الأزمات الثورية، إلا أن أولئك الرجال لم يسمحوا يوماً لهذه الأزمات بأن تمسّ الكيان اللبناني ولا الجمهورية اللبنانية ولا السيادة اللبنانية.

كان معظمهم رجال الوفاق في ذروة الخلاف، ورجال الحوار في ذروة المقاطعة، ورجال دولة في ذروة الاعتكافات والاستقالات الشفهية.

كانوا يعرفون حدود لبنان وحدودهم ويقفون عندهـــــا، ولم يسمحــــوا مرة بأن تقضي السياسة علــــى الدولــــــة.

أولئك حافظوا على الكيان وعلى الجمهورية وعلى السيادة، وهؤلاء فرّطوا بالكيان والجمهورية والسيادة.

هؤلاء، دقوا المسمار الأول في نعش الدولة في يوم ثقيل من شهر أيلول/ سبتمبر عام 1988.

في تلك اللحظة السوداء وجدنا أن الكثيرين من الكبار، من أهل النظام، غابوا كالشيخ بيار الجميل، والرئيس رشيد كرامي، والزعيم كمال جنبلاط.

أو أنهم <أبعدوا> أو ابتعدوا، كالرؤساء صائب سلام وتقي الدين الصلح وشفيق الوزان، والعميد ريمون اده، أو اختفوا كالإمام موسى الصدر، أو أنهم وصلوا الى العام 1988 بلا تأثير كبير كالرؤساء كميل شمعون وشارل حلو وسليمان فرنجية.

هؤلاء لا أولئك تركوا لبنان في الفراغ الذي يحدث عادة عندما يحل رجل غير استثنائي في موقع رجل استثنائي. لقد انعدمت الشراكة في الوطن عندما كثر شركاء الدولة.

هؤلاء الشركاء ملّعوا موقع الرئاسة الأولى في الجمهورية اللبنانية منذ ثمانية وعشرين عاماً، وكبُر منذ ذلك الحين حجم فلاسفة الجهل وجهل الفلاسفة، وانتشر تجار البؤس وجلاّدو الأحلام والهدوء….

منذ ذلك الحين، صغرت الأحلام وكبر مكب برج حمود وسائر المكبات، وطارت الكهرباء وغطَّت في الجيوب، تفجرت الصخور وشارفت عملية جعل قبرص شبه جزيرة على نهايتها بفضل الردميات، اقتُلعت الأشجار لإقامة سدود وهمية غير قابلة للحياة ومميتة للحياة البيئية والجمالية.

منذ ذلك الحين، انتقلت عدوى السعي للفساد الى عامة الناس بعدما أجبرها الكبار على بلعها.

منذ ذلك الحين، والقادة الموارنة يتطاحنون على الجمهورية الثانية بعدما خسروا الجمهورية الأولى ويرفضون الالتقاء حتى في الجنازات.

بعد ثمانية وعشرين عاماً، نعوّل على شباب لبنان الذين أدركوا أن الذاكرة، ذاكرة الأهل، تصبح أحياناً أقسى واشد مرارة من الذكرى والذكريات…