23 September,2018

الـديـكتـاتـــــــور الـعــــــــادل  

بقلم سعيد غريب

 

SAM_5208الديموقراطية تعبير حضاري جوهري كبير، يعكس الممارسة الحقة للحياة الحرة بعيداً من مزاجية الشخص الحاكم بأمره، ولكن هذا التعبير حمل معه على مدى عقود من الزمن الكثير من الالتباس، وخلق جدلية كانت ولا تزال مدار تساؤلات لدى كبار المفكرين الداعمين بالمطلق لهذا التطور الكبير في الإنسانية، وهؤلاء أنفسهم شككوا ولا يزال بعض من بقي على قيد الحياة يشكك بمدى قدرة الناس على ممارسة هذه القيمة الكبيرة التي طرأت على حياتهم، هذه القيمة التي اسمها الديموقراطية…

فالناس في أكثر الدول حضارة ورُقياً، لم تتمكن من ممارسة الديموقراطية لأنها ليست مطلعة كفاية على مجريات الحياة السياسية ودهاليزها ومطابخها، وحياة السياسيين وطالبي الوصول الى مراكز عليا او متقدمة في هذه الدول، بمعنى آخر، هي ليست واعية وغير مهتمة بتفاصيل السياسة العامة ولاسيما الخارجية منها، وتقع في خطأ الاختيار لممثليها في المجالس التشريعية وأحياناً كثيرة لرؤسائها، إلا ان هذا الخطأ لا يدوم طويلاً، فتلجأ عندما تقع فيه الى معالجته بمزيد من الديموقراطية أي بالمحاسبة وعدم تكرار خطأ الاختيار مرة ثانية كما فعلت مثلاً مع الرئيس الفرنسي السابق <نيكولا ساركوزي>، وتكون مشكلة التقدير أكثر إيلاماً إذا تكرر الخطأ مرتين، كما فعلت ربما مع الرئيس الأميركي <جورج دبليو بوش>.

صحيح أن من سوابق التاريخ أن علاج الديموقراطية لا يكون إلا بالمزيد من الديموقراطية، إلا أن الصحيح ايضاً أن الناس عندما تعاقب المسؤول او الرئيس وترسله الى منزله، يمكن وفي أحيانٍ كثيرة أن تأتي بشخص تعتقد بأنه أفضل، فيتبين لها بعد حين أنها اختارت أسوأ من سلفه…

إنها ببساطة الديموقراطية الخالية في كثير من الاحيان من وعي الناس غير المطلعة وغير المتابعة وغير المثقفة سياسياً..

والسؤال الذي يطرح نفسه ويقلق المجتمعات ولاسيما في المراحل الصعبة من حياتها: هل الإرادة الشعبية كافية للديموقراطية؟ وما العمل إذا كانت هذه الإرادة مبنية على حسابات خاطئة فتأتي بالشخص الخطأ كما فعل الألمان مع <أدولف هتلر> الذي جاء الى الحكم بأصواتهم وإرادتهم، وتحوّل الى ديكتاتور غير عادل؟

أسئلة أخرى: هل أخطأت الأنظمة التي قدمت التحرّر من الفقر والعوز على حرية القول والفكر، أم أصابت؟ وهل صحيح أن الدول الديموقراطية التي التزمت حرية القول والفكر لشعوبها تطبّق هذا الالتزام بحذافيره؟

الواقع التاريخي لا لبس فيه ومفاده أن الناس لا تقبل حكم الاستخبارات أو الاجهزة الأمنية، ولكن هذه الأخيرة تراقب أمن الناس وتوجّه الإعلام بصورة مقنّعة، ولاسيما عندما يتعرض الأمن القومي للخطر. أليس هذا ما فعله الإعلام الأميركي عندما تعرّضت نيويورك لهجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001؟

هل من كائن على وجه الأرض استطاع أن يرى جثة واحدة من أصل ثلاثة آلاف ضحية سقطت على الأرض؟

إن المحافظة على الأمن والأمان تتغلّب أحياناً على حرية القول والرأي وهي سر من أسرار استمرار الاستقرار والأمان في المجتمعات.

وللعبرة، فإن لبنان حين استغنى عن عمل ما كان يُعرف بـ<المكتب الثاني>، رغم اتهامه بتقييد الحريات، انكشف وتعرّى قبل أن ينفجر…

والحق يُقال إن الخطر الأساسي الذي يهدّد الأوطان والدول هو ضياع مضمون الديموقراطية وهدفها، أي الإنسان ومثله ومستواه الحضاري.

الى أين يقود هذا الكلام؟

كان الشيخ بيار الجميل مؤسس حزب الكتائب اللبنانية يردد باستمرار إننا في لبنان في حاجة الى ديكتاتور عادل!

هذا الخيار قد يكون ملائماً جداً في الظرف الراهن، ولكن من أين نأتي به؟ وكيف؟ وهل باتت البشرية جمعاء في حاجة هي الأخرى للعودة الى الوراء للتقدّم من جديد؟

كُثر هم الملوك الذين حكموا بالعدل وكانوا عادلين، على عكس رؤساء جاءوا بالتصويت الديموقراطي وكانوا ظالمين مستبدين.

والمفارقة ان الناس عندما تذهب الى أوروبا للسياحة، تنظر الى ما صنعه الملوك وليس الى ما صنعته الديموقراطية، والى ما خلّفه <نابوليون بونابارت> من عمران وحضارة لا الى ما عاد وهدمه بعد حين.

والمفارقة أن مشكلة الحرية أو الحريات في عالم اليوم، لا تزال موضع أخذ ورد مثلها مثل التحرر الاقتصادي والاجتماعي، وستبقى كذلك، طالما أن التطور التكنولوجي سيبقى متغلباً على العلوم الإنسانية والفكر.

وستبقى الحرية والحريات موضع شك طالما هي خارج قاموس الاختيار وحسن الخيار.

ستبقى موضع شك طالما أن هناك دولاً ترفض المعارضة وتحاول الحكم بلا معارضة، أو تسعى الى الخلاص بشكل أو بآخر من المعارضة.

وستبقى موضع شك طالما أن هناك إعلاماً متخلياً عن رسالته وإنسانيته.

وستطالب هي نفسها بديكتاتور عادل يعيد تصويب البوصلة، ويريح الشعب من كل تشويه ديموقراطي وإعلامي وانتخابي…