17 November,2018

الـحـلــــم أصـبــــح حـقـيـقـــــة وجـبـــــل الـنـفـــــايـات فـــي صـيــــدا تـحــــول الــى حـديـقـــــة!  

بقلم طوني بشارة

DSC_9518_632 لطالما ارتبط الحديث عن صيدا بجبل النفايات الذي اعتبر احد اخطر مصادر التلوث البيئي على شاطئ البحر الابيض المتوسط، جبل بلغ ارتفاعه 58 متراً بمساحة 6 هكتارات حاوياً 1,5 مليون متر مكعب من النفايات ومخلفا العديد من المشاكل البيئية وعلى رأسها تلويث البحر والهواء وانتشار الامراض والاندلاع المتكرر للحرائق، فضلاً عن كونه يشكل منظراً مشيناً تنبعث منه الروائح الكريهة.

 جبل كان طيلة عقود محور تركيز اعلامي محلي وخارجي ومنصة تصويب سياسي كلما هبت عاصفة او وقع انهيار او اندلع حريق على متنه.

 جبل أزهر حديقة وتحول متنفساً بيئياً وطبيعياً خالياً من الملوثات ومرتكزاً لقفزة نوعية في التنمية التي يفترض ان يكون هدفها الاول والاخير الانسان.

للإطلاع على كيفية ازالة هذا الجبل وعلى الطرق المتبعة لمعالجة النفايات في صيدا التقت <الافكار> رئيس بلدية صيدا محمد السعودي، ومدير عام شركة <I B C> المالكة والمشغلة لمعمل معالجة النفايات الصلبة في صيدا نبيل زنتوت.

المجلس البلدي والاهتمام بالملف البيئي

السعودي اعتبر انه منذ بداية عام 2010 والمجلس البلدي في صيدا يهتم بالملف البيئي اضافة الى ملفات حيوية اخرى، فنجح المجلس باستعادة نحو 40 بالمئة من مساحة صيدا التي كانت مجمدة ضمن مرسوم تخطيط سابق ضمن مشروع الضم والفرز في منطقة شرق الوسطاني، ناهيك عن الاهتمام بالمستشفى التركي ومتحف صيدا والمدرسة العمانية وتأهيل البنى التحتية للوسط التجاري للمدينة، فضلاً عن المشاريع التي تندرج ضمن الحفاظ على الارث الثقافي والتنمية السياحية والاجتماعية في المدينة.

وتابع السعودي قائلاً:

– وفي السياق ذاته لا يمكننا ان نتجاهل المشكلة الاساسية التي كانت تعاني منها صيدا ألا وهي مشكلة جبل النفايات، وقد بدأت هذه المشكلة بتجميع النفايات قبالة الشاطئ الصيداوي كحل مؤقت لمشكلة جمع النفايات المنزلية، وتراكمت عبر عشرات السنين حتى تحول مكب النفايات الى جبل، وصلت سلبياته البيئية الى دول الجوار جراء الانهيارات المتكررة للمكب خلال فصل الشتاء بفعل الامواج العاتية، فيما الشاطئ الصيداوي ومعه اللبناني كانا الاكثر تضررا ان لجهة الثروة السمكية او لجهة الحركة السياحية ومعهما رزق الصيادين.

واستطرد السعودي قائلاً:

– اما في فصل الصيف فقد شكل المكب مصدر قلق دائم لابناء المدينة بفعل انبعاث الروائح الكريهة والسموم براً وبحراً وجواً اضافة الى الحرائق المستمرة جراء اشتعال <غاز الميثان>، فكانت سحب الدخان الكثيفة تتصاعد لتغطي سماء المدينة، وتدفعها الرياح الى وسط المدينة وشرقها حاجبة الرؤية عن طرقها الرئيسية والداخلية فتنتشر رائحة الحرائق في صيدا والجوار، بالاضافة الى الضرر الصحي لأهل المدينة وجوارها.

نبيل-زنتوتوعن الحل والتمويل يوضح السعودي قائلاً:

– لكي تتخلص المدينة من مشكلة النفايات كان لا بد من تضافر الجهود بين فاعليات المدينة والدولة اللبنانية بوزاراتها المختصة، وجاء تحركنا بدعم من نائبي صيدا (الرئيس فؤاد السنيورة والسيدة بهية الحريري) وكل الفعاليات وبالتعاون مع وزارة البيئة والرئيس الحريري، فتم تأمين هبة سعودية بقيمة 20 مليون دولار لاقامة كاسر للموج بمحاذاة مكب صيدا، ما اتاح مساحة جديدة لصيدا قدرها 550 ألف متر مربع، فضلاً عن المبلغ المقرر من الحكومة في الموازنة وقدره ايضاً 20 مليون دولار لمعالجة المكب.

مسار عمل معالجة المكب

ــ ماذا عن مسارات العمل؟

– تمّ العمل سريعاً على ثلاثة مسارات تمثلت بمعالجة مشاكل النفايات الصلبة، والصرف الصحي، والمكبات العشوائية المنتشرة في المنطقة بالاضافة الى مكب صيدا، وتمّ استكمال محطة تكرير الصرف الصحي في سينيق والتي تصب فيها المياه المبتذلة من 60 بلدة وقرية في مناطق صيدا والزهراني واقليم التفاح، وأقيم كاسر للموج بمحاذاة مكب النفايات، وتمّ تشغيل معمل فرز ومعالجة النفايات فضلاً عن اطلاق العمل بمرفأ صيدا التجاري، وهكذا تمكنت صيدا من حل مشكلة جبل النفايات وتنفيذ الوعد الذي قطعه المجلس البلدي بتحرير صيدا والشاطئ الصيداوي من البؤر الملوثة ومن جبل النفايات الجاثم على صدر المدينة.

وتابع السعودي قائلاً:

– ترافقت خطوة اقفال المكب مع انشاء وتجهيز معمل متطور لمعالجة النفايات المنزلية الصلبة في صيدا، والذي انشئ خلال عهد البلديتين السابقتين فتم تأمين انتظام العمل فيه لاستقبال نفايات مدينة صيدا وبعض بلدات المنطقة بعد ازالة العقبات التي اعاقت عملية تشغيله، وهنا لا بد من الاشارة الى ان تشغيل المعمل مكن القائمين على البلدية من اعلان اقفال المكب والاستفادة في معالجة النفايات الصلبة بطريقة التخمير الحراري داخل المعمل وتحويل النفايات الى طاقة كهربائية.

زنتوت: جبل النفايات

بلغ صيته قبرص

وللاطلاع على آلية العمل داخل معمل معالجة النفايات التقت <الافكار> نبيل زنتوت الذي افادنا بأن صيدا كانت تعاني من جبل النفايات الشهير، واتخذت بلديتها وعلى رأسها الاستاذ محمد السعودي قراراً بالتخلص من هذا الجبل الذي بلغ صيته ومشاكله قبرص، وكان تشغيل المعمل ضرورياً للتخلص من هذه المشكلة.

ويستعرض زنتوت المراحل التي مر بها انشاء وتشغيل المعمل فيقول: المعمل بالاساس يستغرق انجازه سنتين لا أكثر ليكون جاهزاً للتشغيل، ولكن لاسباب تتعلق بدراسة الجدوى ثم بسبب ادخال تعديل على العقد وايضاً بسبب بعض العراقيل تأخر تشغيل المعمل ثلاث سنوات من 2010 حتى 2012، وبدأ المعمل باستقبال نفايات صيدا والجوار في 17/11/2012، وهي نفايات اتحاد بلديات صيدا والزهراني الذي يضم 16 بلدية بما فيها عين الحلوة، ونحن نستقبل يومياً من النفايات بين 240 و250 طناً يومياً بينما الطاقة الاستيعابية للمعمل حالياً هي تقريباً 500 طن.

مراحل الفرز…

محمد-السعوديعن آلية ومراحل الفرز يقول زنتوت:

– في اول مرحلة تصل النفايات مضغوطة الى قبان، وبعد ان توزن تدخل الى مبنى الفرز الميكانيكي وهناك تبدأ عملية الفرز بفرز اولي يدوي، فيتم سحب بعض القطع الكبيرة (تلفزيون، اثاث، كرتون وأقمشة…) ونسبة هذه المواد بين 2 و3 بالمئة.

ويضيف زنتوت:

– مبنى الفرز الميكانيكي مجهز بـ<بيوفلترز> لتنقية الهواء وهناك ضغط للهواء فنسحب الهواء ويتم تغييره 3 مرات بالساعة، ثم تدخل النفايات على الخط الاوتوماتيكي وتبدأ عملية الفرز، 85 بالمئة من فرزنا اوتوماتيكي ميكانيكي، ومن ثم نستخدم طريقة الفرم.

ويستطرد زنتوت قائلاً:

– معمل صيدا هو الوحيد الذي يعالج النفايات العضوية بعد فرزها عن كل ما هو غير عضوي وتنقيتها من الشوائب، وبعد ذلك يصار إلى خلطها بمياه المعالجة من اجل تكاثر البكتيريا. وبالنسبة للمواد غير العضوية، فقد تمكنا خلال الفرز من ان نسحب ونفرز اكياس النايلون والمواد البلاستيكية التي يتم تحويلها الى معمل تدوير البلاستيك ضمن شراكة مع شركة <روكي بلاست> حيث تعالج وتنتج عنها مواد خام تباع في الاسواق المحلية كما يصدر قسم منها الى الخارج، اما بالنسبة للكرتون فلدينا نوعان: أحدهما نظيف ومعدله لا يتجاوز الـ3 بالمئة نسحبه ويأخذه منا معمل <سوليكار>.

وعن آلية المعالجة اللاهوائية يقول زنتوت:

– تدخل النفايات العضوية الى خزانات خاصة ونبدأ بخلطها بالمياه ثم تدخل الى خزانات بيولوجية او ما يعرف بخزانات الهضم اللاهوائي، وخلال المرحلة ما بين الخلط والخزانات هناك محطة جديدة اضفناها وهي سحب الشوائب الثقيلة من رمل وبحص وزجاج. … اي الفرز الثالث، لأنه من المهم تنقية النفايات العضوية لتدخل الى خزانات المعالجة البيولوجية نظيفة وتبقى فيها نحو 15 يوماً على مستوى حرارة ما بين 55 و60 درجة. واذا قلنا 240 طن نفايات فهذه تنتج بين 55 و60 بالمئة من المواد العضوية، و50 بالمئة منها تدخل الى الخزانات اي 120 طنا تقريباً.

إنتاج المعمل للطاقة

ــ ما هي طبيعة الطاقة التي ينتجها المعمل؟

– عندما تبدأ المعالجة عن طريق التفكك الحراري نسترد الطاقة وهي <غاز الميثان> الذي يخرج ونسحبه مباشرة عن طريق <كومبرسورات> غاز خاصة ويذهب للمعالجة، ونسحب منه الـ<H2s> وننظف الغاز من عدة شوائب ومن ثم ندخله الى مولدات توليد الطاقة، مما يعني انه من اصل 240 طن نفايات نولد بين 1800 و2000 (كيلو وات) اي حوالى 4000 امبير، وهذه الطاقة تستعمل لتشغيل المعمل، كما نشغل عن طريقها معمل اعادة تدوير البلاستيك الذي انشأناه بالشراكة مع شركة <روكي بلاست> في بلاط جبيل، وهناك ايضاً 150 (كيلو وات) نعطيها مجاناً لبلدية صيدا من اجل انارة الشوارع ليلاً.

ــ علمنا انه وعن طريق المعالجة تنتج مواد كالسماد والعوادم، فما مصير كل منهما؟

– ان نسبة السماد لا تتعدى الـ15 بالمئة يتم تنظيفها وتجفيفها وتنقيتها فيبقى منها حوالى 10 بالمئة، وهي سماد عضوي محسن للتربة يستعمل للزراعة وما يميزه عن باقي السماد بأنه من دون رائحة ومتجانس.

ويتابع زنتوت:

– اما بالنسبة للعوادم والمكونة من بقايا البلاستيك والخشب والحفاضات والاقمشة والاحذية… سابقاً كان يتمّ طمرها، اما هذه السنة فقد ألغينا الطمر وتمكنا من تحويلها الى مادة <R.D.F> وهي بمنزلة وقود بديل يستعمل في المحارق ونورده الى شركة <سيكومو> في البقاع وهي معمل لإعادة تدوير الكرتون، وحالياً نجري تجارب لإيجاد حلول للـ<R.D.F> من اجل إدخالها في منتجات اسمنتية.

DSC_9635_747وعن نفايات المسالخ والزجاج يقول زنتوت:

– نأخذ تقريباً بين 3.5 الى 4 اطنان يومياً نعالجها بالهضم الهوائي، اما العظام فتُسحب جانباً وتُفرم وقد تستخدم في وقت قريب في صناعة الحجر ومواد البناء، اما بالنسبة للزجاج فلا مشكلة لدينا في حال كان متكسراً لأنه يدخل في صناعة الحجر بل اكثر من ذلك هو يعطي الحجر لوناً مميزاً وهو (اللون الاخضر).

مردود المعمل وحجم الاستثمار

وعن مردود المعمل ماليا يقول زنتوت:

– يبلغ حجم الاستثمار نحو 45 مليون دولار من ضمنها ثمن العقار حيث ردمنا ارض العقار حتى سمحت لنا وزارة البيئة بالحصول على الرخصة، والوقت اللازم لاسترداد المال لا يفترض ان يتجاوز الـ6 سنوات لكن يختلف الوضع بالنسبة لمعمل صيدا لانه منذ البداية والعراقيل ترافقنا، بدون شك نحن الآن نغطي مصاريفنا، ولكي نخرج بمردود افضل يجب اضافة الكمية المعالجة، ونحن نستطيع استقبال نفايات من خارج صيدا، علماً أن مجلس الوزراء اخذ قراراً بتاريخ 17/3/2016 بتوريد 250 طناً من مدينة بيروت الادارية الى معمل صيدا للمعالجة..

ــ ماذا عن الرائحة التي يُقال انها منتشرة بمحيط المعمل؟ وهل سببها المياه المستعملة لغسل النفايات؟

– داخل المعمل يوجد فلاتر بيولوجية كما ذكرت لتنقية الهواء داخل الابنية المعدة للفرز، اما بالنسبة للمواد العضوية التي تخرج من الخزانات فنأخذها الى خزان تثبيت وهناك تمكث يومين على شكل وحول فيتمّ تهوئتها، وبعد ذلك نسحب المواد العضوية منها ونرسلها الى مبنى ثالث هو مبنى العصارة فتعصرها، ونعيد ادخال 90 بالمئة من المياه الناجمة عن العصر الى اول مرحلة فرز للمواد العضوية اذ ان هذه المياه تحتوي على نسبة بكتيريا تسرع عملية المعالجة، اما الـ10 بالمئة التي تبقى فترسل الى محطة تكرير في المعمل، والباقي نرسله الى محطة معالجة المياه المبتذلة بجانب المعمل.