19 November,2018

الـحـريـــــــــــري -  عــــــــــــــــــون الـحـريـــــــــــري -  فـرنـجـيـــــــــــة

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208يروي الأستاذ كريم بقرادوني في كتابه <لعنة وطن> ان الاجتماع الذي ضمّه والرئيس أمين الجميل والدكتور سمير جعجع في القطارة يوم التاسع من تموز/ يوليو 1988 انتهى الى تعثر الاتفاق على الأسماء المطروحة أو المفترضة التي <نراها جديرة بتسلّم رئاسة الجمهورية، وراحت الأسماء تتساقط الواحد تلو الآخر: الشخص الذي لا يعترض عليه أمين كان يلقى معارضة سمير، والاثنان يعترضان على معظم المرشحين، وقد خُيّل اليّ في لحظة أنه قد انتفت المؤهلات عند كل الموارنة لتبوء الرئاسة، فقلت ممازحاً: <إذا كنتم لا تجدون مارونياً واحداً لترشيحه فلنتخلّ عن رئاسة الجمهورية للمسلمين، وأنا كفيل بحل الأزمة اللبنانية فوراً…>.

وفي اليوم الأخير من عهد الرئيس أمين الجميل، عُقد اجتمــــاع مسيحي موسّــع في بكــركي تميّز بموقف تحذيري ومؤثر شرحه النائب المرحوم خاتشيك بابكيان على التوالي أمام الجميل وجعجع وقال: <إذا لم تتمّ انتخابات رئاسة الجمهورية فكل الطرق ستؤدي الى التقسيم، وإذا ضاعت رئاسة الجمهورية ضاع لبنان، ألم تتساءلوا يوماً لماذا تدعم الطائفـــــة الأرمنيـــة رئيس الجمهورية أنّى كان؟>.

بالطبع، ليس هذا الموقف من قبيل المصادفة بل انه نتيجة قرار أساسي ينبع من قناعة ثابتة وهي أنه في حال سقوط رئيس الجمهورية، <يهجر الشعب الأرمني لبنان، واليوم في حال عدم انتخاب رئيس جمهورية، فإن الهجرة ستبدأ، العالم تعب منا…>.

واليوم، وبعد مرور سبعة وعشرين عاماً على هذه الرواية بل الواقعة، وقد اهتزت الرئاسة ومعها الجمهورية، لا يزال البحث جارياً عن رئيس <قوي> لجمهورية متحلّلة في زمن متهالك!

طبعاً، من السهل تصوّر كل شيء، إلا أن تطوّر الأحداث وحده، ولاسيما في الشرق الأوسط هو الذي سيتحكم بالأمور ويعطيها أحجامها المعقولة والطبيعية، وتطوّر الأحداث هو في أيدي <جبارين> اثنين ولا يمكن بعد الآن القول إن الأمور كبرت أو صغُرت من تلقائها أو عفوياً.

إذاً، هل الاجتماع الذي جمع الرئيس سعد الحريري والنائب سليمان فرنجية في باريس هو شبيه باللقاء الذي جمع الحريري بالعماد ميشال عون قبل فترة؟ أم هو نتيجة قرار كبير بتظهير صورة الرئيس العتيد في الوقت الضائع أو الطارئ أو الخطير؟

مراقبون بل متابعون بدقة للمشهد الكبير يرون في اللقاء مجرّد جس نبض في المشهد الصغير، فحسابات <الأقوياء> في لبنان مختلفة تماماً عن حسابات <الضعفاء>… هذه الحسابات تفيد بأن الواقع في المنطقة أهم بكثير من الواقع المحلي ولا مجال اليوم لانتخاب رئيس للبنان.

فيما مراقبون من ضفة أخرى بدأوا يتحدثون عن إشارة جدية لالتقاط الفرصة، فرصة لن تتكرّر في المدى المنظور على غرار الفرصة اللحظة التي أتت بتمام سلام على رأس الحكومة الحالية.

أياً تكن التحليلات والتفسيرات والالتباسات التي رافقت وأحاطت بلقاء الحريري –  فرنجية، فإن التداول المتصاعد بالتسوية الشاملة التي أعقبت المبادرة التي أطلقها السيد حسن نصر الله، يبشر بشيء ما يمكن أن يحصل أو يفاجئ اللبنانيين في وقت قريب، ولكن الاسئلة الكبيرة ستبقى هي هي:

أولاً: من يضمن سير الموارنة <الكبار> بالتسوية المفترضة؟

ثانياً: لماذا يبدو العماد عون، وفق زائرين، مرتاحاً جداً وهو الذي خاض مع الحريري تجربة لم يُكتب لها النجاح؟ وسيكون أول المهنئين لفرنجية في حال فوزه.

ثالثاً: كيف سيكون ردّ جعجع عملياً على لقاء باريس؟ هل يسير به؟ أم يسير بالعماد عون الى النهاية بإعلان استعداده لانتخابه رئيساً للجمهورية، ولاسيما إذا اعتبر <الحكيم> أن انفتاح الحريري على فرنجية إنما يشكّل رسالة سلبية له؟

رابعاً: والسؤال لبعض الخبثاء، هل يشكّل التطور الأخير مخرجاً لائقاً للرئاسة المارونية أم تبريراّ ذكيّاً لفكفكة التحالفات وخلطاً للأوراق ونهاية لمقولة الأقوياء؟

في السياسة اللبنانية كل شيء معقول، والمنطق يكبر وتعود له أهميته عندما يتجاوز اللامعقول كل الحدود.

ومن خلال ما نشهده، تبدو كل التطورات المحلية طبعاً، وربما الخارجية أيضاً، كأنها خاضعة للتنبؤات أو للحدس أو للرهان، فلا المنطق ولا حتى الخيال قادران على تفسيرها أو على معالجتها بترتيب الحساب أو الحسابات، لأن المنطق العام يحاول أن يثبت وجوده وسط اللامعقول.

إن الأكيد، حتى الآن، وهكذا المنطق يقول إن الموارنة، وهم ملح لبنان، فقدوا دورهم الطليعي وباتوا منذ العام 1988 في قاعة الاتنظار ولم يعد أمامهم سوى العمل الدؤوب والجبار لاستعادة هذا الدور الذي أرسى لبنان الرسالة التي ربما ستشكّل حلاً لعالم يهتز، ولا مبالغة في القول إن بعض هذا العالم قد يتلبنن في النهاية.

يبقـــى، وفي نظــــرة شاملــــة الى واقـــــع التاريــــخ الحديث نجد أن حرب الخليج أدخلت العالم العربي في العصر الأميركي، وان حرب سوريا أضعفت دولاً وأفقرت أخرى، وأدخلت المنطقة في العصر <الداعشي> الذي سيبقى يتصاعــــد ليـــــؤدي إمــا الى العصر  الروسي وإما الى حرب كبيرة وطويلة تخلّف وراءها خراباً يصعب تقديره.

نرجو، كلبنانيين أن يكون لقاء باريس باكورة تسوية تجنّبنا خسائر لن تعوّض.