16 November,2018

الـحـريـــــــري بـــــــــاقٍ ولـــــــن يــــــدق بـــــــاب الاسـتـقـالــــــة!

 

بقلم وليد عوض

كلهم يطلبون القوة وينشرون بنودها فوق تنظيماتهم. الرئيس ميشال عون أسدل الستارة على عنوان كتلة <التغيير والاصلاح> وأصبحت كتلة <لبنان القوي>، والدكتور سمير جعجع لم يكن راضياً عن اسم كتلة <القوات اللبنانية> وأبدلها بعبارة <الجمهورية القوية>. أما الرئيس سعد الحريري وفي الذكرى الجديدة لولادة أبيه الرئيس الشهيد رفيق الحريري فلم يغير ولم يبدل تماماً كما كان حال رئيس وزراء انكلترا الراحل <ونستون تشرشل> حين سئل: <لماذا يجلس في مكان قصي من البرلمان>؟ فكان جوابه: <حيث أجلس أنا يكون المكان الأول>.

وقد استعار الدكتور سمير جعجع هذه الحكاية ليدل على أن للقوات اللبنانية المكان الأول، فسماه بعض نواب الكتلة النيابية السنية: <تشرشل لبنان>!

وقد زاد من قوة الرئيس ميشال عون اعلان تضامنه مع الرئيس سعد الحريري في موقفه من النواب السنة المستقلين. وحين يتضامن رئيس الجمهورية مع رئيس الوزراء يكون الوطن في ألف خير.

كل ذلك عال العال.. ولكن أين حال الحكومة التي لم تأتِ؟!

لقد تضامن الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط مع الرئيس ميشال عون في الوقوف الى جانب الرئيس سعد الحريري المعارض لتوزير أي من النواب السنة فيصل كرامي والوليد سكرية وعبد الرحيم مراد وجهاد الصمد وقاسم هاشم وعدنان طرابلسي، وقد أخذت حملة جنبلاط زخماً وشراسة، عندما قال عن النواب السنة ان دخول شارع المتنبي والبحث عن كتاب يجسّد نشاطهم.

وقد تساءل اعلاميون عرب عن معنى الجنوح الى شارع المتنبي، فوجب الأمر الموقف شيئاً من الشرح. فشارع المتنبي هو السوق السابقة لتعاطي الجنس برقابة الحكومة. وقد انتفض النائب فيصل كرامي لهذا الزج بالنواب السنة الستة.

وما كان ينبغي أن يصل الصراع الى هذا المستوى في موضوع يتعاطاه السياسيون بهدوء. فشارع المتنبي اشتهر في الخمسينات باسم <ماريكا سبيريدون> عميدة بيوت ذلك الشارع حنيئذ. ولذلك فاستخدام هذا السوق في الصراع السياسي لم يكن مستحباً، وليس هو المطلوب من زعيم سياسي مثل وليد جنبلاط يعتبر ركناً أساسياً في التوازن الوطني.

ونأتي بعد ذلك الى الرئيس سعد الدين الحريري. فمن حق هذا الرجل وهو يمسك بمقاليد السلطة الاجرائية أن يختار أسلوب التخاطب، ولكن بعيداً عن شارع المتنبي.. فقد كان المأخذ على رئيس الوزارة أنه بلا مفعول سياسي، وأنه مجرد <باشكاتب> كما كان التعبير لرئيس وزراء زمانه سامي الصلح، فأتى سعد الحريري وشمر عن ساعديه وأطلق للسانه العنان المسؤول قائلاً: <تريدون رئيس وزراء قوياً؟ أنا هو هذا الرجل>!

وكلمة الانسان القوي صفة منحها للرئيس الحريري رئيس الجمهورية العماد ميشال عون!

 

لو كنت مكان الحريري!

 

إلا ان المطلوب من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء القوي أن يكشفا عضلاتهما في القضايا المعيشية التي تلفح وجوه المواطنين أصحاب الدخل المحدود، فلا يشكون من خبز الأفران، ولا من بضائع <السوبرماركت> ولا من الضرائب التي سيتم جنيها مرتين في فواتير الكهرباء: مرة لخزينة الدولة، ومرة لأصحاب <الموتورات>!

وماذا عساك كنت تفعل لو أنت مكان الرئيس الحريري؟! فريق من اللبنانيين تحدث عن الاستقالة بعدما سدت أمامه كل الطرق، بعدما شاعت على لسان الرئيس الحريري في لحظة انفعال عبارة: <ليأتوا بغيري>. ولكن أكثر المتصلين به، وهم على تعاطف معه يقولون إن الفرصة مؤاتية أمام ظهور رئيس الوزراء القوي، كما هي الصفة التي أسبغها عليه رئيس الجمهورية ميشال عون في خطابه ليل الذكرى الثانية لانتخابه رئيساً على نحو ما تميز به الرئيس الياس سركيس والرئيس سليم الحص.

فهل المواطن اللبناني هو الرابح في المعركة الآن؟

كانت المعركة بين المفردات السياسية فصارت بين المفردات الإعلامية وجرى تبادل الكلمات اللغوية بين عدة وسائل اعلامية، وكان ذلك مدعاة لانشراح صدر أهل السياسة الذين نأوا بالنفس عن المشادات السياسية وكان نائب طرابلس فيصل كرامي هدفاً للحملة الجنبلاطية، مع عدم مراعاة الموقع. فهو ابن أخ الرئيس رشيد كرامي، وابن الرئيس عمر كرامي، ورئيس جامعة <المنار>، وليس آتياً من فراغ. ومن حق كل نائب أن يعبر عن آرائه ضمن الأخلاق الوطنية، مثلما هي الحال في ألمانيا مثلاً. فالوزراء المعارضون يفتحون نارهم السياسية على المستشارة <أنجيلا ميركل>، ووقودهم لهذه الحملة هم المهاجرون من الشمال الآسيوي الى العمق الأوروبي واعتبار تفاقم هجرتهم مصدر أذى للوسط الاقتصادي الأوروبي، ولكن الحملات، مهما كانت ضرورتها لم تصل الى هذا المستوى الذي وصل إليه التقاذف السياسي في لبنان، وكان مكسب المعارضة سياسياً مئة بالمئة إذ أعلنت <أنجيلا ميركل> انسحابها من الدورة الجديدة لانتخابات المستشارية، وترشح مكانها نائبة في البرلمان، وهي <انغريد كرامب كارينابور>، ذات نزعة سياسية متطرفة، ولكن السياسة هي السياسة والحقوق محفوظة!

متى سيفتح الباب؟

 

والسؤال الآن: متى سيفتح الباب السياسي، ومن هو صاحب المفتاح؟!

لقد أدى التراجع السياسي عند المعمرين عام 1992 الى ظهور ابن صيدا رفيق الحريري رئيس شركة <أوجيه> في المملكة السعودية، وقد ساعد تفاهمه مع رئيس الجمهورية الياس الهراوي على إنشاء مجموعة من المشاريع، وعلى التهدئة السياسية واضطرار نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام الى التدخل عند ظهور تنازع بين الوزراء، ومنهم الوزيران نقولا فتوش ومحمد بسام مرتضى عضو المجلس الدستوري الآن، ودخوله على خط المصالحة، ويا دار ما دخلك شر!

وبالفعل ظلت رئاسة الوزارة في قبضة رفيق الحريري حتى وصوله الى الاستقالة، وأنيط المنصب بالرئيس عمر كرامي، حتى استشهاد الرئيس الحريري يوم 14 شباط (فبراير) 2005!

ورؤساء الحكومة منذ الاستقلال عام 1943 كانوا بداية في ظل رئيس الجمهورية، وحين كانت الظروف تناقض أحدهم كان يلجأ الى الاستقالة مثلما فعل الرئيس سامي الصلح، وهو في سدة البرلمان، وقال: <معي كتابان: واحد للاستمرار في السلطة بشروط، وآخر للاستقالة وعفا الله عما مضى>!

كل هذه الملابسات يدركها الرئيس سعد الدين الحريري، بعدما نظمها اتفاق الطائف عام 1989، ولذلك استطاع أن يقيم علاقة متميزة مع الرئيس ميشال عون الذي شبهه ليلة الذكرى الثانية لاعتلائه منصب الرئاسة بالرجل القوي، وبهذه العلاقة المميزة ضرب قدمه بالأرض ورفض توزير أي واحد من النواب السنة المستقلين، و<إذا لم يعجبكم هذا الكلام فتشوا عن غيري>!

وهل هناك الآن غيره؟!

مجلس المفتين اجتمع في دار الفتوى وبايع الرئيس الحريري. والرئيس نبيه بري طلب الصلاة للخروج من مأزق رئيس الوزراء، وهذا يعني التأييد الخفي للرئيس الحريري، والنواب المسلمون جميعاً، باستثناء النواب السنة المستقلين، اعتبروا ان الساحة الآن لا تصلح إلا للحريري!

ولئن كان عبد الله اليافي، وسامي الصلح، ورشيد كرامي، وسليم الحص، هم المخزون المطلوب لرئاسة مجلس الوزراء، فإن أي نائب أو زعيم لم يتقدم الى الساحة كمرشح لرئاسة الحكومة، ومعنى ذلك ان عقارب الساعة متوقفة عند اسم سعد الحريري الآتي من إجازة في باريس، بعدما زار أرملة والده السيدة نازك لمناسبة ذكرى مولد الوالد العزيز، إشارة الى تماسك العائلة.

فمن أين ستأتي المعجزة؟!

وأين ستمتد خشبة الخلاص؟!

تظل الأسئلة بلا جواب حتى إشعار آخر!