20 September,2018

الـجـمـيــــــــــع مـــــــــرضـى

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208 

يسقط كل شيء، ولو مبدئياً وضميرياً أمام عيون البشرية جمعاء، ويظهر كل أمر مقبول لا على أنه مرفوض فحسب بل وكأنه مفروض بالقوة ايضاً وأنه لن يستمر القبول به إلا بالقوة.

والصغار يتفرجون مسحوقين وهم يكادون لا يصدقون أن الكبار مرضى الى هذا الحد، وان النماذج لم تعد نماذج صالحة، وان عليهم هم ان يكونوا نماذج لأنفسهم وأطباء لمشاكلهم.

ويبدو وكأن العالم يدخل في مرحلة لا عهد له بها: مرحلة الكبار العاجزين والصغار العاجزين.

ويبدو من خلال التطورات التي تشهدها البشرية أن نهاية القرن العشرين وبداية الالفية الثالثة هي نسخة طبق الأصل عن نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر وامتدادات عصر الانحطاط وما حمل معه من تدهور في العلوم والآداب والفنون وسائر المعطيات الفكرية التي تعيش مأساة مريرة.

فلو جبنا العالم بأسره من أقصاه الى أقصاه، لما وجدنا عالِماً واحداً ذا وزن، ولما وجدنا الجو الذي يمكن أن ينشأ فيه مثل هذا العالِم.

فالجهل يخيم على الآفاق والخمول آخذ بجمهور الناس، والفكر بدائي قاصر ضيّق الأفق لأنه في حاجة الى مناخ ينمو فيه، والعلم يدور حول التكنولوجيا وتطويرها ووضعها بين أيادي مئات الملايين من البشر لإلهائهم بها دونما الحاجة الى أي تطور فكري أو الى نوع من أنواع العلوم الإنسانية.

هذا في العالم الواسع، فكم بالحري إذا عدنا الى ضيق العيش والحياة وتكبيل الفكر في بلد أسس في يوم من الأيام لعصر نهضة غرف منه آباؤنا والأجداد، ولا يزال جيلنا يعيش في ذكراه ويحاول منهوكاً أن يحتفظ بذاكرته.

في لبنان، كانت الإقطاعية العلنية هي النظام السائد، تمدّ سلطتها على جميع مرافق العيش، من سياسية واجتماعية الى دينية واقتصادية، وقد تحوّلت هذه الاقطاعية مع تطور الحياة وبداية وعي نسبي الى إقطاعية مقنّعة استمر معها التسلّط بصورة مقنّعة، فالقوي لا يزال يستبد حضارياً بالضعيف والغني بالفقير، والاثنان، أعني القوي والغني يغلب على خطبهما وباء التنميق اللفظي والتقليد والركة وسخف المعاني.

إن أمراض الكبار في العالم كبيرة، وهي تنفجر الآن بشكل لا يعرف لا الحكام ولا المعارضون كيف يعالجونها بغير المسكنات، والخبراء أيضاً لا يعرفون.

أما أمراض الصغار، ونحن من هذا العالم، فهي على قدْرهم ولم تبلغ يوماً عتبة الأمراض المزمنة الصغيرة لكي تعيش الأمراض الجديدة الكبيرة التي يعيشها الكبار وشعوبهم.

أمراض لبنان هي هي، فساد وسرقة وقهر وعتمة وظلم وظلام وكذب، وتمثيل ووجهان وتعلق بالزعيم حتى الرمق الاخير!

يبحثون عن قانون انتخاب عادل يؤمن التمثيل الصحيح!

نعم، لقد تحولوا الى باحثين وعارفين وعادلين لـ<مصلحة المواطن> فقط…

ثم ماذا يقصدون بالتمثيل الصحيح؟ وما معنى التمثيل الصحيح؟

هل بقانون نسبي مقنّع بالأرثوذكسي و<مخلوط> بالأكثري يؤمّنون التمثيل الصحيح؟ وماذا يوفر هكذا قانون للمواطن غير المزيد من الإحباط؟

وما دامت المصارحة باتت أكثر من مطلوبة وأكثر من ملحة، يسأل المواطن المراقب: ما الضير في اختيار مواطن مسلم لمرشح مسيحي والعكس بالعكس؟

أين المشكلة إذا اختار المسلم مسيحياً؟ وهل نعلم نحن المواطنين، إذا أجرينا جردة سريعة للانتخابات الأخيرة وحتى ما قبل الأخيرة أن كثيرين من النواب المسيحيين الذين اختارهم ناخبون مسلمون كانوا أفضل من نواب مسيحيين اختارهم مسيحيون؟! وما يسري على نواب مسيحيين يسري على نواب مسلمين؟

هل نعلم، نحن المواطنين ان اختيار مسلم لمسيحي ومسيحي لمسلم يعزز المواطنة ويؤسس لدولة حديثة نطمح إليها منذ عشرات السنين؟!

ويبقى سؤال برسم <الباحثين> عن التمثيل الصحيح: هل النائب المسيحي الذي اختاره مسلم تخلّى عن مسيحيته أو النائب المسلم الذي اختاره مسيحي تخلّى عن إسلامه..؟

المشكلة أيها السيدات والسادة أن <الباحثين> يعملون كما عملوا سابقاً على قانون لنتائج مسبقة للانتخابات، لا لقانون غير مضمون النتائج.. وما عجز عنه <الباحثون> على مدى ثمانية أعوام وأكثر، لن يحققوه خلال ثمانية أيام وأكثر…

ولــــــــذا، فسنبقى نحـــن وهـــــم والكبار مـــــرضى مـــــدى الحياة…