16 October,2019

الغموض يكتنف من جديد موعد صدور حكم المحكمة الدولية بحق قتلة الحريري!

 

مرة جديدة يعود الضوء، ولو على نحو خافت، على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تنظر في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في 14 شباط (فبراير) 2005، وذلك من زاويتين: الأولى تتعلق بآلية صرف حصة لبنان في موازنة المحكمة الدولية البالغة 51 بالمئة من هذه الموازنة، والثانية تتناول موعد صدور حكم غرفة الدرجة الأولى في المحكمة بعدما تضاربت المواعيد وبرزت تفسيرات مختلفة حول تغيير الموعد الذي كان تبلغه لبنان رسمياً على أساس ان تبدأ فيه جلسات لفظ الحكم.

وإذا كانت مسألة تمويل المحكمة سوف تحلّ كما في كل مرة، سواء مباشرة من موازنة وزارة العدل، أو من خلال <بدعة> مماثلة لتلك البدع التي استُعملت في سنوات سابقة، فإن لا معارضة جدية للمساهمة في تمويل موازنة المحكمة لاعتبارات عدة منها ان وزراء حزب الله الذين لا تعترف قيادة حزبهم بوجود المحكمة أو بدورها، سيكتفون لدى طرح موضوع التمويل بالتحفظ وربما الاعتراض من دون أي موقف آخر، علماً ان ثمة من يقول ان الحزب لن يعلق لا سلباً ولا ايجاباً على بند التمويل ليمر من دون <وجع راس>. وعليه فإن الأطراف الآخرين لن تكون لهم أي اعتراضات لاسيما وان من يرأس هذه الحكومة هو ابن الشهيد رفيق الحريري وواجب مراعاة هذا الواقع أمر بديهي.

أما الوجه الآخر للحديث عن المحكمة الخاصة، فهو يتناول موعد اصدار الحكم الذي كان حدد في أوائل شهر تشرين الأول (نوفمبر) المقبل، ثم جاء من يقول أن لا تاريخ محدداً بعد، مع الإشارة الى انه مع حلول 21 أيلول (سبتمبر) الجاري يكون قد مضى عام كامل على ختم غرفة الدرجة الأولى في المحكمة المحاكمة في ملف الاغتيال. ففي ذلك التاريخ من العام الماضي قال رئيس الغرفة القاضي <دايفيد راي> ان الجلسات انتهت وان الغرفة سوف تتفرغ للتذاكر من أجل اصدار الحكم. ثم حلت العطلة القضائية التي امتدت من 29 تموز (يوليو) حتى 16 آب (أغسطس) الماضيين لتطرح مسألة <تبرير> الحديث عن تأجيل موعد اصدار الحكم لأن القضاة، كما موظفي المحكمة كانوا في إجازة الصيف. وتحرص مصادر المحكمة على عدم إعطاء تاريخ محدد لصدور الحكم، علماً ان رئيسة المحكمة القاضية <ايفانا هردليشكوفا> كانت قالت خلال زيارتها الأخيرة لبيروت في شهر نيسان (ابريل) الماضي ان الحكم سوف يصدر قبل نهاية السنة إلا ان كل المعطيات التي تحاول مصادر في المحكمة الدولية تداولها في الأوساط القضائية والإعلامية، تشير بأن لا موعد نهائياً لاعلان الحكم وان كل ما قيل في هذا الاتجاه، لا يعدو كونه <تسريبات> لا طائل منها لاسيما وان المحاكمة التي استمرت أربع سنوات ونصف السنة، والمستندات والأدلة الموجودة يستهلك قراءتها وقتاً غير قصير، فكيف إذا كان المطلوب التدقيق بها وعدم حصول تناقضات فيها تسقط حجج الادعاء العام الدولي.

 

لا موعد قريباً!

 

من هنا، تابعت الأوساط السياسية <تراجع> الحديث عن <موعد قريب> لاصدار الحكم، مع وجود معلومات عن ان غرفة الدرجة الأولى في المحكمة لا تزال تحلل بعناية الأدلة الشفهية التي أدلى بها عدد من الشهود، ومقارنتها مع الأدلة المكتوبة حول المواضيع نفسها، ناهيك بمرافعات الادعاء والممثلين القانونيين للمتضررين، ويضيف المطلعون على مسار عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ان الحكم لن يصدر ما لم يكن قضاة غرفة الدرجة الأولى مقتنعين بدقة الحكم الذي سيصدر، إضافة الى ضرورة <تبكيله> حتى لا تكون عملية الاستئناف سهلة لأنها حاصلة حتماً، ومن بعدها عملية التمييز، إضافة الى ضرورة توفير الأدلة الحسية على كل الاتهامات التي ستساق ضدها مواقف وتعليقات و… استئناف حتمي. ويقول المطلعون على الأحكام التي سوف تصدر إنه ينبغي أن تراعي القانون الدولي واتفاقية حقوق الانسان وسهر المنظمات الأهلية التي تنتظر طوال السنة حتى تستطيع الانتقاد أو التشكيك.

وفي آلية اصدار الحكم ووفق المصادر نفسها، ان الحكم يصدر عن القضاة في كل تهمة من التهم الواردة في قرار الاتهام، فتعلن إما براءة المتهم أو يدان، وفي كل الحالات لا بد للادعاء أن يقدم الأدلة الحسية والملزمة التي تجعل حكمه <مبكلاً>. ويستفيد القضاة من تأخرهم في اصدار الحكم من ان لا وجود لمهل قانونية لإنهاء المذاكرة، لا بل هي مفتوحة، الأمر الذي يسقط الحديث عن <موعد الزامي> لإصدار الحكم، وإن كان جميع المعنيين يتمنون أن يكون هذا الحكم في أسرع وقت ممكن، وخصوصاً أن 14 عاماً مرت على وقوع الجريمة وباب الاجتهادات مفتوح ولا رغبة في الدخول في مهاترات مع أحد، علماً ان هيئة المحكمة تريد أن تسبق جلسة اصدار الحكم، جلسة أو أكثر من أجل تمكين القضاة من دراسة الحكم من كل جوانبه، ثم عقد جلسة علنية لتنطق المحكمة الحكم.. وما يزيد الوضع حراجة كثرة عدد الأدلة إذ ان ثمة 3 آلاف مواد جرمية وأدلة 307 شهود تلقتها أمام المحكمة، وكذلك محاضر 514 جلسة وقد بلغ مجموع صفحاتها 37 ألف صفحة باللغة الانكليزية.

هل من رابط؟

 

ولم تؤكد المصادر المطلعة على مسار المحكمة، ما إذا كانت النيابة العامة الدولية ستقيم ربطاً مباشراً بين جريمة 14 شباط (فبراير) 2005 والملفات الثلاثة التي قيل إنها مرتبطة بها، وهي محاولة اغتيال الوزير السابق النائب مروان حمادة والوزير السابق الياس المر، وجريمة اغتيال المرحوم جورج حاوي. فالمعلومات المتوافرة، على ندرتها بسبب الطوق الذي فرضته النيابة العامة الدولية عليها، تشير الى ان هذه القضايا لا تزال حالياً في مرحلة التحقيق وقد تمت إحالتها عليها في 19 آب (أغسطس) 2011. إلا ان انشاء الاختصاص القضائي في القضايا الثلاث المرتبطة لا يعني بالضرورة انه سيؤدي الى قرارات اتهام جديدة ستبقى سرية الى حين عرضها والتصديق عليها تمهيداً لإذاعتها.

مرة جديدة يعود الغموض ليكتنف عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وهذا ما يزيد الأمور تعقيداً من جهة، ويطلق العنان لاجتهادات وتفسيرات قد يكون من الصعب وضع حد لها… وحدها الأحكام متى صدرت، هي التي تضع الحدود!