4 July,2020

الغرب يتحمل المسؤولية الأخلاقية في ما حصل في «مضايا» و «دير الزور»  

بقلم خالد عوض

unnamed

كم رخيصة أصبحت الحياة في العالم العربي… من <مضايا> الجوع إلى <دير الزور> الإجرام في سوريا، مروراً بمعاناة أهل <الموصل> في العراق على كل المستويات، وصولاً إلى مشروع كارثة إنسانية في <تعز> اليمنية، لا قيمة للأرواح التي تزهق باسم الباطل. الأمم المتحدة تتفرج منذ سنوات على أكبر مذبحة منذ أكثر من عشرين سنة وبالتحديد منذ مذابح <رواندا> بين قبائل <الهوتو> و<التوتسي> عام ١٩٩٤ عندما سقط أكثر من ثمانمئة ألف شخص خلال عشرة أيام. بين سوريا والعراق واليمن وليبيا سقط منذ ٢٠١١ وحتى اليوم أكثر من نصف مليون عربي ضحايا لحروب باسم الدين والديموقراطية والتغيير، وتشرد أكثر من عشرة أضعاف هؤلاء بحثاً عن سقف… والعالم إما يتفرج بصمت وعجز وإما يتدخل بمساعدات خجولة لا تغير الواقع المرير على الأرض. الصور الآتية من <مضايا> لا توحي بأننا في القرن الواحد والعشرين. شباب في شكل هياكل عظمية كفروا بكل قيم الإنسانية بعدما حرموا من الطعام. والمشهد في دير الزور يبدو وكأنه من القرون الوسطى أو زمن إنسان ما قبل التاريخ. وعجز العالم أمام هذا الجحيم من الموت والتشريد يوحي وكأننا لم نوثق حتى اليوم شرعة حقوق الإنسان الصادرة عام ١٩٤٨ التي كان للعرب بالذات الدور الرئيس فيها عبر وزير خارجية لبنان آنذاك الدكتور شارل مالك.

 

التجويع والتشريد بدل السلاح

الكيميائي أو النووي..

عندما يكابر الرئيس الأميركي <باراك اوباما> في آخر خطاب لحال الإتحاد أمام الكونغرس بإنجازات عهده الإقتصادية والطبية وبالإتفاق النووي مع إيران ولا يتطرق إلى حجم الموت الذي لحق خلال ولايته الثانية بعدة دول عربية وأولها سوريا فهذا يعني أن ما سماها <أقوى دولة في العالم> انسحبت، قبل كل شيء، من واجبها الأخلاقي عندما قبلت أن تتعايش مع الفظائع التي تقع كل يوم في العالم العربي. فلا يكفي أن يتصدى الرئيس الأميركي لإستخدام الأسلحة الكيميائية أو يمنع تطوير أسلحة نووية كما يزعم، عندما يصبح الذبح والتشريد والتجويع هو السلاح البديل، المتغاضى عنه أميركياً ودولياً. ومع كل الإحترام لمواقف بعض زعماء الغرب، مثل المستشارة الألمانية <أنجيلا ميركل> التي فتحت أبواب بلدها لأكثر من مليون لاجئ سوري ولرئيس الوزراء الكندي الشاب <جاستين ترودو> الذي دعا شعبه إلى إستقبال اللاجئين السوريين بحفاوة، لا بد أن يسجل التاريخ تقصير الدول الغربية إنسانياً وسياسياً في وقف شلال الموت العربي.

 

<طريق الحرير>…

الملك-سلمان-و-شي-جين هل تأتي بالسلام؟

من هنا تبدو زيارة رئيس الوزراء الباكستاني <نواز شريف> إلى المملكة العربية السعودية وبعدها إلى <طهران> منذ عدة أيام لبحث امكانية تخفيف التوتر بين الدولتين، أول مبادرة جدية في إتجاه سلم مستدام في المنطقة. فـ<باكستان> عضو في منظمة الدول الإسلامية التي تضم السعودية وإيران وتربطها بالخليج العربي علاقات عسكرية إقتصادية وتجارية تتخطى ١١ مليار دولار سنوياً. كما أنها تحاول جاهدة إستكمال خط الغاز من إيران إلى الصين والإستفادة من رفع العقوبات على إيران لتعزيز العلاقات الإقتصادية معها. ولكن أهمية المبادرة الباكستانية هي في أنها مهدت لزيارة الرئيس الصيني <شي جين بينغ> وهو الصديق الشخصي لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز منذ أن التقاه لأول مرة عام ٢٠١٤ في <بيجينغ>. الرئيس الصيني قرر أن يبدأ زيارته الأولى للمنطقة من الرياض من خلال ما يسميه الصينيون دبلوماسية <طريق الحرير> أي ربط الدول والحضارات برياً وبحرياً عبر العلاقات التجارية والتبادل الثقافي. وطريق الحرير التي كانت تربط الصين بكل أنحاء آسيا اعتمدت على التواصل البحري والبري لتجارة الحرير الصيني عبر آسيا وصولاً إلى سواحل الشرق الأوسط.

والنفط الخليجي الذي هو شريان النمو الإقتصادي للصين لا يقل أهمية عن الغاز الإيراني الذي سيأتي إلى الصين عبر <باكستان>. ولذلك هناك تفاؤل أن زيارة <بينغ> إلى المنطقة ستتبعها انفراجات على كل المستويات من اليمن إلى سوريا…. وصولاً إلى لبنان.

 

<جعجع> والإنقلاب

 على…الأعراف

في لحظة غياب العالم عن المنطقة إختار الدكتور سمير جعجع اللحظة المناسبة ليؤسس للبننة القرار الرئاسي عبر ترشيحه غريمه العماد ميشال عون. المهم في مبادرة رئيس القوات اللبنانية أنها اسقطت عدة أعراف. فلأول مرة منذ فترة طويلة أصبح على الخارج أن يوافق، أو يرفض، خيار اللبنانيين بدل أن يختار هو ويضطر اللبنانيون إلى الموافقة أو الإختلاف. كما سقطت مقولة إن <على المسيحيين أن يتفقوا أولاً> التي كان يعلل بها الكثيرون الفراغ الرئاسي. وأخيراً أكد ترشيح <جعجع> لعون أن المزاوجة بين الرئيس القوي والرئيس التوافقي لم تعد مستحيلة. الكرة الرئاسية أصبحت خارج ملعب المسيحيين والكل أصبح أمام الإختبار الحقيقي لجوهر المناصفة التي بني عليها دستور <الطائف> خاصة أن الدكتور <جعجع> أكد خلال ترشيحه العماد عون على التمسك بالطائف مما يعني أنه جاء بالجنرال إلى <الطائف> وليس العكس.

 

عون نقطة إلتقاء المحاور؟

عون-الحريري 

وتبدو الفرصة مؤاتية للجنرال أن يصبح نقطة إنطلاق أول توافق سعودي إيراني بل صيني أميركي على أمور المنطقة إن كان هناك فعلاً نية دولية للشروع في الحلول. ولكن العبور إلى قصر بعبدا لا بد أن يكون أولاً من خلال المبادرة إلى إعادة بناء جسور الثقة بينه وبين الأطراف الأخرى في ١٤ آذار، المسيحيين والمسلمين. وعليه أيضاً تطمين حليف حليفه الرئيس نبيه بري أن رئاسته لن تصبح إنقلاباً عليه. هكذا فقط يمكن أن يقتنع الخارج أن اللبنانيين حزموا أمرهم فيمشي الجميع وراءهم. حتى ذلك الوقت أمام العماد عون العمل الداخلي الشاق ليعيد تظهير الصورة التوافقية التي خرج بها من بيت الوسط يوم عيد ميلاده الثمانين في ١٨ شباط (فبراير) ٢٠١٥. وإذا نجح في ذلك يمكن أن يؤسس لتفاهم إقليمي حول لبنان وربما أبعد منه.

 

فرنجية وعون

 

مهما كانت نتائج ما يدور حالياً في كواليس الرئاسة فإن الوزير سليمان فرنجية كرس نفسه كمرشح رئاسي أول لهذه الإنتخابات أو لأي إنتخابات مقبلة. والسؤال المسموح في إستقراء المستقبل القريب والبعيد:

هل يسلم فرنجية لعون في ٢٠١٦ فيسلمه الأخير الرئاسة عام ٢٠٢٢؟ ربما يتبين الجواب على هذا السؤال وغيره من نتائج زيارة الرئيس الصيني الأخيرة إلى المنطقة وتجاوب الأطراف الإقليمية معه. ولكن الأكيد أن كل الفرقاء اللبنانيين اصبحــــوا يتمتعون بهامش مناورة ومساحة قــــرار أكبر بكثير مما كان لديهم قبل ترشيح الحكيم للجنرال.

من معراب قرب الحليفان العتيدان العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع القرار الرئاسي إلى ساحة النجمة أكثر من أي وقت مضى. وإذا نجحا سيكونان قد أسسا لدور مسيحي في لبنان والمنطقة العربية كلها عملاً بالقول المأثور لـ<مارتن لوثر كينغ>: <الأقليات الخلاقة يمكنها عبر تفانيها أن تجعل العالم أفضل>. وكم أحوجنا في هذه الأيام السوداء لعالم أفضل