14 November,2018

العودة الى ”الموافقة الاستثنائية“ مخالفة دستورية والنصوص تلزم الحكومة مجتمعة بتصريف الأعمال!  

  

مرة جديدة يعود تدبير <الموافقة الاستثنائية> الى الحياة خلال فترة تصريف الحكومة للأعمال بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة، كما هو الحال راهناً بعد بدء ولاية مجلس النواب الجديد. وهذه <البدعة> غير الدستورية كان اعتمدها الأمين العام السابق لمجلس الوزراء المرحوم سهيل بوجي عندما كانت تطول فترة تصريف الأعمال ويتعذر خلالها انعقاد مجلس الوزراء كون الحكومة مستقيلة. وعلمت <الأفكار> ان العودة الى هذا التدبير غير الدستوري من شأنه أن يرتب أعباء على الدولة اللبنانية بموافقة رئيسي الجمهورية والحكومة، في حين ان لا نص دستورياً يجوز للرئيسين اختصار صلاحيات مجلس الوزراء التي باتت واسعة، بشخصيهما. فالأول، أي رئيس الجمهورية لا تبعة لما يقوم به من أعمال خلال رئاسته إلا في حال الخيانة العظمى أو ارتكاب جناية ما ــ لا سمح الله. في حين ان الثاني ــ أي رئيس الحكومة ــ مسؤول أمام مجلس النواب الذي كان منح حكومته مجتمعة الثقة، ولم يمنحه إياها فردياً. إضافة الى ان امكانية محاسبته أمام المجلس تبدو مستحيلة نتيجة تعذر انعقاد المجلس من دون حضور الحكومة الجلسة.

وتقول مصادر ادارية ان تدبير <الموافقة الاستثنائية> الذي يقترن بعبارة <على ان يعرض الموضوع أمام مجلس الوزراء في أول جلسة يعقدها>، يشكل في حد ذاته تجاوزاً لحد السلطة التي منحها الدستور لرئيسي الجمهورية والحكومة، وبالتالي يجب التوقف عن اعتماده ولو كانت أسبابه ــ أحياناً ــ مبررة بظروف طارئة أو حالات استثنائية تمر بها البلاد. وتضيف المصادر نفسها ان استخدام هذا <التدبير ــ البدعة> للموافقة على سفر وفد الى الخارج أو لصرف مبالغ مالية أو لاتخاذ قرارات لا تنطبق عليها صفة <العجلة> أو الضرورة، لا يقع في موقعه القانوني وفيه استنسابية في التقدير تعود الى رئيسين لا يمكن محاسبتهما راهناً، فكيف إذا كان التدبير المتخذ تحت عنوان <الموافقة الاستثنائية> رتّب نفقات على الدولة أو التزمات قد لا توافق عليها الحكومة الجديدة، فمن يتحمل إذ ذاك مسؤولية ارتكاب هذه الأخطاء الدستورية، خصوصاً إذا كانت مصنفة بالمهمة أو الأساسية التي يلزم الدستور عرضها على مجلس الوزراء مجتمعاً.

 

المرسوم الجوّال

 

وأعادت المصادر الى الأذهان تدبير <المرسوم الجوّال> الذي اعتمد أول مرة في عهد الرئيس أمين الجميّل بعد مقاطعة الرئيس الشهيد رشيد كرامي له والامتناع عن زيارة القصر أو دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد، وكانت الفكرة يومها للأمين العام لوزارة الخارجية السفير الراحل فؤاد الترك الذي كان يتولى حمل المراسيم الجوالة و<يطوف> بها بين بعبدا ومنزل الرئيس الشهيد كرامي لتسهيل تسيير أمور الدولة ومعاملات الناس ورواتب الموظفين… إلا ان المشهد ــ تضيف المصادر ــ يختلف حالياً عن الواقع الذي ساد في نهاية عهد الرئيس الجميّل،

ولا يجوز بالتالي المضي في ارتكاب المخالفات الدستورية في دولة يقول رئيسها انها <دولة القانون والمؤسسات>، و<التغيير والاصلاح>.

وتروي مصادر وزارية آلية عمل <الموافقة الاستثنائية> فتشير الى ان التعميم الذي صدر عن الرئيس سعد الحريري في هذا الصدد اندرج في إطار تصريف الأعمال في النطاق الضيق كما نص عليه الدستور، ويتم الحصول على <الموافقة الاستثنائية> بالتواصل الهاتفي بين أمين عام مجلس الوزراء فؤاد فليفل والمدير العام لرئاسة الجمهورية انطوان شقير وتكون <الموافقة> شفهية لا أثر خطياً لها يمكن الرجوع إليه أو اثباته حيث لا تواقيع تلزم أصحابها بالتدبير المتخذ وما يمكن أن يترتب عليه من التزامات، الأمر الذي يفرض استبدال الموافقة الشفهية بإسناد خطي يحدد المسؤوليات ويشكل مرجعاً قانونياً يمكن العودة إليه عند الضرورة، وذلك منعاً لأي <شطط> يمكن أن يحصل، أو مبالغة في استخدام التدبير غير القانوني.

 

الحكومة مجتمعة تصرف الأعمال

 

وتزامن اللجوء الى تدبير <الموافقة الاستثنائية>، مع إثارة قانونيين لمسألة تصريف الأعمال من قبل الوزراء، إذ رأى هؤلاء القانونيون ان الممارسة الافرادية للوزراء لتصريف الأعمال تخالف نص المادة 64 من الدستور التي تتحدث عن <حكومة تصريف الأعمال> وليس <وزير تصريف الأعمال>، لاسيما وان الدستور حدد في المادتين 17 و65 منه ان السلطة الاجرائية يتولاها مجلس الوزراء بعدما كانت وفق دستور ما قبل الطائف منوطة برئيس الجمهورية. ويرى هؤلاء القانونيون انه لم يعد من الجائز أن تتخلى الحكومة مجتمعة ممارسة هذه السلطة أو أن تعتكف بحجة اعتبارها مستقيلة عن الاجتماع متنازلة ضمنياً عن صلاحياتها للوزراء ليتولوا افرادياً تسيير شؤون السلطة التنفيذية عبر تسيير أعمال وزاراتهم بالرغم من ان هذا التنازل ليس له أساس دستوري، واستطراداً لا يستطيع أن يحل أحد محل الحكومة في ممارسة شؤون السلطة التنفيذية التي باتت في عهدتها لاتخاذ القرارات اللازمة لتأمين سير المرفق العام وتسيير شؤون المواطنين. ويعتبر هؤلاء القانونيون ان الدستور تحدث عن تصريف الأعمال من قبل الحكومة كهيئة جماعية ولم يتحدث عن تصريف الأعمال من قبل الوزراء، وبالتالي فمن الخطأ حصر تصريف الأعمال بالوزراء بصورة افرادية، ولا بد من تأدية مجلس الوزراء واجبه الدستوري كاملاً.