21 September,2018

العمـاد عون مستعـد للتنازل إذا كان الرئـــيس الآتـــي هــو ســـليمان فرنجيــــــة

بقلم وليد عوض

5-(15) الدنيا مقلوبة. ففي جمارك بيروت اكتشف وزير المال علي حسن خليل آلاف السكاكين والشوك والملاعق مبللة بالإشعاع النووي، وبذلك دخل لبنان الوكالة الدولية للذرة في فيينا من باب الملاعق والسكاكين. واستناداً الى أهل الخبرة أعلن وزير المال ان هذا الإشعاع في الأدوات المطبخية يمكن أن يستمر ثمانين عاماً، وهذا يتطلب التخلص من هذه الأدوات المشعة بأقصر وقت ممكن، لأن أشعة <الكوبالت> تسبب السرطان والهلاك.

   ومع ذلك فالوزير خليل لم يكشف أسماء أصحاب هذه الأدوات المطبخية المستوردة، ولم يدل بأصبع الاتهام على من ارتكب هذه الجريمة النووية.

   الدنيا مقلوبة.

   فإضافة الى مخابئ الفساد التي اكتشفها في مستودع مطار بيروت، ومزارع الدواجن والأبقار في البقاع، والتلاعب في سوق الدواء، أعلن وزير الصحة وائل أبو فاعور من مرفأ طرابلس ظهر الاثنين الماضي، ان مخزن السكر في المرفأ غير مستوف للشروط الصحية، وان كميات من السكر تقدر بألف و83 طناً منتهية الصلاحية، وتساءل: ماذا كانت الجرذان تفعل هناك بين أكياس السكر؟

   وكذلك لم يوجه الوزير الشاب اصبع الاتهام الى أي جهة تقف وراء هذا المخزون من السكر المنتهي الصلاحية.

   والدنيا مقلوبة أيضاً، ولاسيما في أوساط حزب الكتائب الذي يتمثل في الحكومة بوزير الاقتصاد آلان حكيم، ووزير العمل سجعان القزي، بعدما شن الوزير حكيم على وزير الصحة أبو فاعور حملة متهماً إياه بممارسة الارهاب الغذائي في <سيرك> دعائي، وتعال يا رئيس الوزراء تمام سلام وأصلح الحال بين الوزيرين في مجلس الوزراء، قبل أن ينفجر الموقف.. بالحكومة!

   والدنيا مقلوبة في المراكز الحدودية مع سوريا بعدما أصبح على الزائر السوري للبنان أن يملأ استمارة توضح الغاية من الزيارة، وهل هي للسياحة والعبور الجوي الى بلد آخر، أو للدراسة أو للعلاج أو لزيارة عمل. ولا يمكن اطلاق اسم <تأشيرة> أو <فيزا> على هذه الاجراءات، لعدم إثارة احتجاج مفوضية اللاجئين. ولكن الموضوع ساخن وينذر بصدامات مع المعارضة السورية التي تنتمي إليها أكثرية النازحين والنازحات. وهذا ما فسر تأييد السفير السوري علي عبد الكريم العلي للاجراءات الحدودية، وإن كان طالب بالتنسيق مع الدوائر السورية ضمن المعاهدة اللبنانية ــ السورية.

   الى أي منزلق يمكن أن تقود كل هذه المشاهد الحكومية في لبنان؟

   أهم ما هو مطلوب الآن هو الحفاظ على وحدة هذه الحكومة، وعدم وصولها الى حافة الاستقالة، لأن ذلك سيجر ويلاً على البلاد في ظل الشغور الرئاسي، فيصبح لبنان بلا رئيس وبلا حكومة، إلا إذا اعتبرنا حكومة تصريف الأعمال بعد ذلك حكومة، بمعنى انها تملك ولا تحكم.

الغطاء الدولي لا يكفي

خالد-خوجة

   وعدم تفجير الحكومة من الداخل يبقى بفعل كل هذه الاعتبارات الملاذ الآمن للوصول الى ما ينتظر المنطقة من تحولات، والفرصة اللبنانية سانحة للاستفادة من هذا الغطاء الدولي للبنان، وإبقائه واحة سلام في منطقة تعصف فيها الاضطرابات الأمنية، من سوريا الى العراق، ومن العراق الى ليبيا، واليمن، بمعنى أن لبنان يبقى أنبوب الأوكسيجين لمريض الشرق الأوسط على السرير السوري والسرير العراقي، والسرير الليبي، والسرير اليمني. وحركة المبعوثين الدوليين الى لبنان، تعزز وجود هذا الغطاء، بدءاً من غطاء قداسة البابا <فرانسيس>.

   إلا ان وجود هذا الغطاء لا يعني أن نبقى عاطلين عن العمل الانقاذي في الداخل. وأول ما ينبغي في هذا السبيل حسن تعامل لبنان مع التحولات في المنطقة. فقد هبت ريح جديدة على الائتلاف السوري المعارض بانتخاب خالد خوجة رئيساً لهذا الائتلاف، وهو الموصوف بالموالاة للرئيس التركي <رجب طيب أردوغان>، وحامل الجنسية التركية، وخريج جامعاتها، وكان ذلك واضحاً من خلال تصريحه الأول بعد انتخابه بعدد 56 صوتاً مقابل منافسه نصر الحريري بخمسين صوتاً، حيث قال: <إن الأمور في سوريا لن تستقيم ببقاء الرئيس بشار الأسد، وان المؤتمر الذي دعت إليه موسكو لجمع النظام والمعارضة غير وارد بالنسبة إليها، ولا يمكن الجلوس مع النظام الى طاولة واحدة إلا في إطار عملية تفاوضية تحقق انتقالاً سلمياً للسلطة وتشكيلاً لهيئة انتقالية بصلاحيات كاملة>.

   والميل الى السياسة التركية عند خالد الخوجة سيضعه في وجه الدولة المصرية باعتباره محسوباً على الاخوان المسلمين، وفي خط لا يلتقي مع المملكة العربية السعودية، ولا حتى مع لبنان الذي يستضيف مليوناً ونصف المليون نازح سوري أكثرهم محسوب على المعارضة السورية، أي ان علاقته مع لبنان ستختلف عما كان عليه الأمر مع هادي البحرة ومعاذ الخطيب وعبد الباسط سيدا، ولا بد أن تقوم بينه وبين السلطة اللبنانية أسلاك شائكة.

   ولا بد أن يدخل موضوع النازحين السوريين والائتلاف السوري المعارض في صلب الحوار الجاري بين حزب الله وتيار <المستقبل>. فحزب الله غير متحمس لرئيس الائتلاف الجديد خالد خوجة، لأنه وجه المعارضة السورية التي تخوض المعارك مع حزب الله في سوريا، في حين ان تيار <المستقبل> ميال الى المعارضة السورية ورحيل الرئيس بشار الأسد عن سدة الرئاسة. وإذا لم يكن هذا الموضوع قد دخل في الحوار حتى الآن فلا يمكن للحوار أن يصل الى نتيجة بدون بت هذا الموضوع. وكذلك موضوع حصار عرسال، وهو حصار لا بد من أن يجد نهاية.

فرصة لحزب الله

   ومن فوائد الحوار الجاري حتى الآن بين <المستقبل> وحزب الله انه يسحب الفتيل من القنبلة المذهبية التي تعم تفجيراتها العراق واليمن والبحرين، ويتيح للرئيس اللبناني الجديد أن يعمل خارج حقل الألغام. وقد واجه زعيم <المستقبل> الرئيس سعد الحريري غضباً مكبوتاً في بعض الأوساط السنية من الجلوس الى طاولة حوار واحدة مع حزب الله، ولكنه استطاع أن يسيطر على الموقف، ويحوّل الغضب الى قبول بالأمر الواقع.

   كذلك من مصلحة حزب الله أن يدخل مثل هذا الحوار، ويطفئ جذوة كل احتقان مذهبي بين السنة والشيعة، خصوصاً وأنه يتوقع أن يقوم <نتانياهو> بأية مغامرة عسكرية في جنوب لبنان، لدعم معركته الانتخابية في آذار (مارس) المقبل، ومحاولة فك الحصار الذي فرضه عليه الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالانضمام الى محكمة الجنايات الدولية، ويعني ذلك سوق الضباط الاسرائيليين الى هذه المحكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب على غرار ما حصل لـ<ميلوسيفيتش> في يوغسلافيا السابقة.

   وحين يواجه الشيعة والسنة في لبنان أي اعتداء اسرائيلي يكون الصف الوطني في أحسن حال، ويضرب حزب الله في جبهة الجنوب ضد اسرائيل باسم كل المسلمين.

   كذلك فإن الحوار بين فريق الرئيس سعد الحريري وفريق السيد حسن نصر الله لا بد أن يؤدي الى الاتفاق على رئيس جمهورية مشترك، بعدما تعذر تسويق حزب الله للعماد ميشال عون، برغم بقائه على الوفاء له حتى النهاية، ولكن لن يكون حزب الله معترضاً إذا سحب العماد عون ترشيحه من المعركة، وساهم في فتح الطريق لمرشح ثالث تغلب عليه الصفة الوفاقية، ولا يكون خصماً لاتفاق الطائف مثل العماد ميشال عون.

   وإذا أعلن ميشال عون انسحابه من معركة الرئاسة، فلا يعني ذلك ان النائب سليمان فرنجية الذي يليه في الترشيح للرئاسة باسم فريق 8 آذار، سيتجنب المعركة، بل سيقول: <أنا لها>. فهل يتم الاتفاق على اسم سليمان طوني فرنجية بين حزب الله و<المستقبل>؟!

   بذلك يكون الاتفاق قد جرى على أن يكون رئيس الجمهورية من فريق 8 آذار، ورئيس الحكومة من فريق 14 آذار. وهذه الحفاوة التي قوبل بها سليمان فرنجية في معرض رشيد كرامي الدولي، أثناء تقبل التعازي بالرئيس الراحل عمر كرامي، مؤشر الى دور لسليمان فرنجية إذا استنكف ميشال عون عن ترشيح نفسه، وقال لسليمان فرنجية: أنت الرئيس الآتي!

بانتظار الدخان

ميشال-عون-فرنجية

 

   وثمة أخبار خليجية مباركة لترشيح سليمان فرنجية، وإن لم يأت ذلك بشكل رسمي.

   متروك إذن للحوار الدائر بين <المستقبل> وحزب الله تكوين ملامح الرئيس الآتي، والوقوف عند السؤال: هل الآتي هو سليمان فرنجية؟

   يتطلب الأمر خطوة مماثلة من جانب اللقاء المنتظر بين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع في الرابية هذين اليومين، فكل منهما سيقول للآخر: >لا أنا صاحب حظ رئاسي ولا أنت.. فتعال نتفق على مرشح رئاسي لا يصل الى قصر بعبدا إلا برضائنا وموافقتنا>.

   وقد يعترض سمير جعجع على اسم سليمان فرنجية في البداية، ولكن إشارة خليجية واحدة تكفي لإقناعه بالقبول. وإذا تعذر تفاهم العماد عون والدكتور جعجع على اسم سليمان فرنجية، فمن عساه يكون المرشح الرئاسي البديل؟! هل هو جان عبيد وزير الخارجية السابق؟! أم هو رياض سلامة حاكم مصرف لبنان؟! أم هو العماد جان قهوجي، وإن كان ترشيحه يتطلب تعديل الدستور؟!

   الدخان الأبيض الذي سيصدر من مدخنة قصر عين التينة، حيث حوار <المستقبل> وحزب الله من جهة، والدخان الأبيض الموعود في الرابية بين عون وجعجع، كفيلان إذا تلاقيا بانتاج الرئيس الموعود. وفي آذار (مارس) يمكن لهذين الدخانين أن يرسلا شهبهما الى السماء..

   وقبل ذلك يبقى الانتظار سيد الموقف، تماماً كما قال الرئيس الفرنسي الراحل <فرانسوا ميتيران>: <ينبغي ترك الزمن.. للزمن>!