20 September,2018

العلامــــة هــــاني فــحص فــي ذمـــة الله بعـــد معــــاناة مـــع مــــرض عضــــال فـــي الرئـــــة!

11  ترجل السيد العلامة هاني فحص باكراً ورحل الى دنيا الخلود إثر معاناته من مشاكل في الرئة عن عمر 68 عاماً، وشيّع يوم الجمعة الماضي في بلدته جبشيت في مأتم رسمي وشعبي مهيب بعدما لفّ جثمانه بالعلمين اللبناني والفلسطيني. وبرحيله يفقد لبنان والعالم العربي والاسلامي علماً من اعلام الفكر والحوار والانفتاح والحداثة..

رحل السيد هاني في لحظة عاد الفكر الظلامي ليعيدنا الى الجاهلية والقرون الوسطى من خلال بروز ظاهرة التطرف والتكفير وتحولها الى ارهاب مسلح لا يوفر احداً ويعيث في الارض ظلماً وفساداً.. رحل السيد المعمم المتصل بصلة النسب مع آل بيت النبوة ونحن أحوج ما نكون الى أمثاله لتصحيح بوصلة العمل الاسلامي في زمن فتاوى الجهل نحو الحوار والانفتاح والتسامح والرحمة والاعتراف بالاخر (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.. ولا إكراه في الدين).

فالسيد هاني كان من الشخصيات التنويرية على خطى الامام المغيب موسى الصدر والامام الراحل محمد مهدي شمس الدين ومن رموز التحديث والتحرر في الاسلام كما الحال في عصر النهضة من أمثال المشايخ جمال الدين الافغاني، محمد عبده، رشيد رضا، عبد الرحمن الكواكبي وغيرهم من أهل الدين المفكرين المصلحين والتنويريين.

آمن السيد هاني بالحوار الاسلامي المسيحي وإنحاز الى خيارالمقاومة وحركات التحرر وجسد ذلك عبر انتسابه الى حركة <فتح> زمن انطلاقتها كطليعة لحركة التحرر العربية، ووقف الى جانب الفقراء والمحرومين لاسيما مزارعي التبغ في الجنوب.

وفور الاعلان عن وفاته نعاه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الى المسلمين عموماً واللبنانيين خصوصاً خاصة وانه عضو الهيئة الشرعية في المجلس، وقال إنه <قضى معظم حياته في خدمة الدين الحنيف، فكان مثال العالم الفاضل والاديب المتقد والباحث العميق في قضايا الدين والوطن والحوار، حيث ترك الاثر الكبير في خدمة قضايا الامة اذ لعب دوراً مميزاً في خدمة القضايا الاسلامية والعربية التي سكنت في قلبه وعقله>.

وأوضح المجلس ان الراحل الكبير مع اخوانه مدرسة في الحوار بين الاديان، نسج من خلالها اطيب العلاقات مع أقطاب الطوائف المسيحية في لبنان والعالم العربي وخارجهما، اذ تفتقد برحيله منتديات الحوار الاسلامي – المسيحي وأركانه مدماكاً اساسياً أسهم في وضع أسس الحوار وتجسيده فعل ممارسة وعيشاً مشتركاً بين المسلمين والمسيحيين. فقد أغنى الراحل المكتبة العربية والاسلامية بمؤلفات وأبحاث ودراسات ومقالات، وأسهم في عقد مؤتمرات وطنية اسلامية وعربية من أجل خدمة الانسان المظلوم والقضايا المحقة.

 كما نعاه كل من <لقاء سيدة الجبل> الذي كان أحد أبرز مؤسسيه، واللجنة الوطنية المسيحية – الاسلامية للحوار العالمي والفريق العربي للحوار المسيحي – الاسلامي، وجمعية <إعلاميون ضد العنف>.

فتى جبل عامل

وأثار غياب الراحل الكبير موجة حزن عارمة في كل الاوساط، فقال رئيس مجلس الوزراء تمام سلام، <إن لبنان فقد رجلاً كان في إيمانه عابراً للطوائف والمذاهب وكان في إسلامه منفتحاً على كل لبنان بإنسانية طبعت كل مواقفه. فقد لبنان العلامة السيد هاني فحص الذي أمضى حياته في نهج تواصلي جعله منارة مضيئة في الفكر والثقافة والحوار>. وأكد أن «هذا الرجل استطاع أن يصلي بين مجموعات من المؤمنين من كل الأديان، فحمل في محبته كل هؤلاء إلى ما أطلقه أصدقاؤه ومحبوه عليه وهو منطقة العمل المدني الناجح. لقد استطاع العلامة هاني فحص أن يقدم الحوار الهادئ بديلاً عن الجدل الصاخب، فعرض مساحات لحرية الرأي لا تنمو بالصراعات العقائدية بل بغزارة الفكر وبشهود الباحثين عن الجوامع المشتركة بين الناس>.

22

كلمة الرئيسين ميقاتي والحريري

وصدر عن الرئيس نجيب ميقاتي بيان قال فيه ان <لبنان خسر شخصية مميزة طبعت الحياة اللبنانية بفكر نير ورؤية ثاقبة معتدلة نسجت على الدوام أواصر الحوار بين الجميع وكانت نموذجاً للاعتدال والوسطية وخير تعبير عن غنى النسيج اللبناني. وكم كنت في الفترة الاخيرة استمتع بالاصغاء الى مداخلاته المتنوعة التي تحاكي مختلف الشؤون الوطنية والانسانية بعمق ايماني لافت. ستفتقده المنابر لكنه سيبقى علامة مضيئة في تاريخ لبنان>.

وأعلن الرئيس سعد الحريري ان العلامة فحص ترك في وجدان وطنه وأمته، أثراً غنياً من التجارب والمواقف التي ستبقى راسخة وعلامة مميزة في ذاكرتنا الوطنية، معتبراً ان غيابه يشكل خسارة جسيمة لقيم الاعتدال والحوار التي أفنى عمره في الدعوة إليها والدفاع عنها، وسطر في سبيل جعلها ثقافة وطنية جامعة آلاف الدراسات والمقالات، وأعطاها من بصره وبصيرته ما يجعلها منارة لا تخبو في ضمير لبنان.

واعتبر وزير الاعلام رمزي جريج <ان الموت غيب باكراً العلامة الشيخ هاني فحص الذي كان طليعة في بلورة صيغة العيش المشترك فأعطاها بعداً فلسفياً وحضارياً، وجسدها واقعاً من خلال مواقفه الجامعة والموحدة، مغلباً فكرة العلاقة مع الآخر على الخطاب الطائفي والفئوي>، مؤكداًَ ان العلامة فحص كان <رمزاً للاعتدال والشجاعة والرأي الحر، في زمن تندر فيه صفات كتلك التي طبعت مسيرته، وفي وقت لا يزال لبنان في حاجة الى مثل هذه القامات التي تبني جسور التلاقي بين جميع اللبنانيين، الى أي طائفة او مذهب انتموا، من خلال حوار عقلاني ومنفتح، ومن خلال ما نسجه من علاقات وصداقات على مساحة الوطن كله>.

وأشار رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط الى انه <برحيل العلامة السيد هاني فحص فقد لبنان وجهاً بارزاً من وجوه الفكر والعلم والثقافة، وعلماً من أعلام الحوار والاعتدال والانفتاح في زمن يغلب عليه السيف مكان الكلمة التي لطالما كانت موضع اهتمام السيد الراحل، فهو كان يطوع الكلمات ليؤكد على الثوابت الوطنية والاسلامية الحقة>، كاشفاً أنه كان <صديقاً لكمال جنبلاط، وخاض نضالات سياسية كبيرة وخاض معه الانتخابات النيابية سنة 1972 قبل أن يعود وينسحب منها، وكان متحمساً للقضية المركزية أي قضية فلسطين التي احتلت مكانة خاصة في قلبه ووجدانه وعقله وخصها بالكثير من المقالات والكتابات>، مشيراً الى انه كان من رجال الدين القلائل الذين انتسبوا علانية إلى حزب سياسي، حيث اعتبر ذلك وسيلة مشروعة لتحقيق الغايات والمبادئ التي آمن بها وعمل في سبيلها. إستطاع بخلفيته الفكرية والعقائدية والدينية أن ينطلق نحو رحاب أوسع من الفكر والثقافة وأن يؤكد على الانفتاح الديني بعيداً عن الموروثات القديمة التي تقول بالانغلاق الثقافي.

وقال رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ان لبنان خسر عالماً ومفكراً كبيراً ورمزاً من رموز الاعتدال والمحبة بين الطوائف في لبنان، لقد كان رجل حوار وتواصل بامتياز وسوف يفتقد الوطن لرجال أمثاله.

 ويذكر ان السيد هاني اصدر والسيد محمد حسن الامين في آب /اغسطس من العام 2012 بياناً لمناسبة الاحداث في سوريا جاء فيه <من دون تفريق بين ظالم وظالم ومستبد ومستبد وشعب وشعب.. ندعو أهلنا الى الانسجام مع أنفسهم في تأييد الانتفاضات العربية والإطمئنان اليها والخوف العقلاني الأخوي عليها.. وخاصة الانتفاضة السورية المحقة والمنتصرة بإذن الله والمطالبة بالاستمرار وعدم الالتفات الى الدعوات المشبوهة بالتنازل من أجل تسوية جائرة في حق الشعب السوري ومناضليه وشهدائه مع ما يجب ويلزم ويحسن ويليق بنا وبالشعب السوري الشاهد الشهيد من الغضب والحزن والوجع والدعم والرجاء والدعاء، أن يتوقف هذا الفتك الذريع بالوطن السوري والمواطن السوري.. وبنا في المحصلة قطعاً.. لأن من أهم ضمانات سلام مستقبلنا في لبنان أن تكون سوريا مستقرة وحرة تحكمها دولة ديموقراطية تعددية وجامعة وعصرية>.

33

كما كتب في آب/ اغسطس الماضي رسالة طويلة إلى حزب الله ذكر فيها كل مخاوفه وهواجسه، وقال في جزء منها: <هكذا ذهبتم من مقام الشعوب الى مقام الأنظمة، ومن مشروع التحرير الذي إن لم يمر بالقدس فلن يمر، الى عرسال الورد والمليحة والشيخ مسكين ونواعير حمص.. لتقفوا حيارى أمام صواريخ حماس، التي كان إنشاء مديحكم القديم لها قاصراً عن تبرير الإنشائيات المدببة واليومية في شتيمتها وتخوينها، عقوبة على ارتكابها الفضيلة الممانعة في دعم النظام السوري ضد شعبه!>.

وتابع الراحل: <انهم (الفريق الآخر) ينتظرون عودتكم الى لبنان، الى جبل عامل الموصول بالجليل ذاكرة وأشواقاً الى الحرية، للمشاركة في بناء دولة الجميع، التي إن لم تصبّ المقاومة في مستوعباتها وخزاناتها وأنبارها وإهراءاتها، فسوف تذهب مياهها ودماؤها هدراً، أو بأرباح أقلّ كماً ونوعاً من الفعل المقاوم>، مشدداً على انه <لا يجوز أن يتحول التحرير الى مخلوق يتيم من خلال قتل أو صلب أبيه الشرعي في النبك.. لا يجوز أن يشمت بكم المتطرفون والإرهابيون الرسميون والموسميون.. مرحباً بكم موازين مكملين لغزة لا ملتحقين بها كلاماً في لحظة حرجة>.