16 November,2018

العــــرب فــي وجــه مـجـلـــس الأمـــن ومـعـــه... فـرنـســــا!

 

بقلم وليد عوض

عون-اردوغان

يوم أرادوا دفن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بعد وفاته في المستشفى الفرنسي، أجمع رفاقه، وأولهم محمود عباس ومحمد دحلان على أن تكون وجهة القبر في اتجاه مدينة القدس من رام الله علامة على أن أبا عمار عاش في سبيل القدس ومات شهيداً لها!

ووفاة أبي عمار عام 2004 مفصل مهم في حياة العرب والفلسطينيين بصورة خاصة. وإذا كان الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> قد قرر نقل السفارة الأميركية من تل أبيب الى القدس، وهو ما عز الإقدام عليه لأي رئيس أميركي سابق، فقد أراد الرجل أن يشعل انتفاضة في السياسة الأميركية، وهو يدرك ان الفلسطينيين والعرب عموماً سيردون عليها بانتفاضة أخرى تأكل الأخضر واليابس، وتسجل لحظة تاريخية كالتي اشتعلت فيها المنطقة العربية عام 1917 عند اطلاق <وعد بلفور> لوزير خارجية بريطانيا في ذلك الحين، ويقضي بإقامة دولة اسرائيل كحظيرة خلفية للصهاينة، وزعيمهم <دايفيد بن غوريون>!

وحين يعلن <ترامب> نقل السفارة الأميركية من تل أبيب الى القدس، فإنه يكون قد ناقض نفسه كمؤيد للدولتين الفلسطينية والاسرائيلية. وحين يطلق مثل هذا القرار فهو يلغي ظلال البابوات السابقين مثل <يوحنا بولس الثاني>، ويخلق مسافة سياسية وانسانية بين الفاتيكان وبين الدول الاسلامية، وأولها لبنان حيث يستضيف أهل القضية الفلسطينية الممثلة في المخيمات بأكثر من 150 ألف نسمة، نشيدهم المشترك أغنية فيروز <يا قدس يا مدينة السلام لأجلك أصلي>.

وهذا يعني ان الجموع الفلسطينية هي البعد الثاني للشعب اللبناني، وكل التنظيمات السياسية اللبنانية، ومنها حركة <أمل> وحزب الله، والقضية الفلسطينية هي المرمى القومي لكل الأحزاب اللبنانية، ونشيد سعيد عقل <اليوم اليوم وليس غداً أجراس العودة فلتقرع>. والقدس، بالمسجد الأقصى الذي هو ثالث الحرمين الشريفين، ستظل قبلة المناضلين من اجل قضية فلسطين. كما انها أصيلة في دساتير الأحزاب اللبنانية مثل الحزب التقدمي الاشتراكي كما أراده المعلم كمال جنبلاط. كما ان القدس اسم يزلزل في هيئة الأمم بعدما أقدمت الميليشيات الصهيونية عام 1948 على اغتيال اللورد <فولك برنادوت> مندوب الأمم المتحدة ابن السويد، وهذا الحادث يبقى عاراً في جبين اسرائيل وصفعة لوجه الأمم المتحدة منذ أمينها العام الأول <تريغفي لي>. وقد تميز موكب تشييع اللورد <برنادوت> بظهور كوفية عربية تبين انها عائدة للسياسي اللبناني اميل بستاني مؤسس شركة <كات>، وكان ذلك تعويضاً عن التقصير العربي في المشاركة بتلك الجنازة.

 

صدام المنطقة

وكانت حرب 1948 أول تصادم بين العرب والمنظمات الصهيونية قبل أن تعلن هيئة الأمم ولادة دولة اسرائيل خريف 1948.

وحده الرئيس المصري أنور السادات صحح التقصير العربي في حرب العبور خريف 1973، ومع ذلك لم يسلم من تهمة خيانة العرب، والانفراد بالصلح المصري ــ الاسرائيلي، ومنذ ذلك الحين، ومنذ انتقال مقر الجامعة العربية الى تونس واختيار الشاذلي القليبي أميناً عاماً لها، لأكثر من سنتين، كان هناك انفصال مصري ــ إيراني، وأعطي خالد اسلامبولي قاتل الرئيس السادات شارعاً باسمه في قلب طهران وكان اسم الشارع <خيابان اسلامبولي>، وكلمة <خيابان> بالفارسية تعني الشارع.

وعام 1982 كان المليك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز، طيب الله ثراه، منفتحاً في خطابه على إيران، وسماها <الجارة العزيزة>، وبدلاً من أن تتأثر إيران بهذا الموقف السعودي مضت في قلب ظهر المجن وكان لها مداخلات في دولة البحرين واليمن والعراق وفي لبنان عبر حزب الله. وظلت العلاقات معكرة بين الرياض وطهران.

والمحللون السياسيون يشبهون التجاذب الحاصل بين طهران والرياض، بما كانت عليه العلاقات بين كوبا وأميركا في السبعينات قبل أن يأتي الرئيس <ريتشارد نيكسون> ووزير خارجيته <هنري كيسنجر> ويفتحا طريق السلام مع <هافانا>. وكان الصبر الديبلوماسي يقتضي مجيء الرئيس <باراك أوباما> ووزيرة خارجيته <هيلاري كلينتون> حتى يتحول السلام بين البلدين الى حقيقة ويقرر اللاجئون الكوبيون في شواطئ فلوريدا العودة الى بلد السيجار.

والآن ما هو المراد بين طهران والرياض؟

خيال القنبلة النووية التي توصلت طهران الى جمع مقوماتها ومكوناتها، يلف رأس الرئيس <حسن روحاني> ومعه الشعار المتداول بالانكليزية: <من يملك المال يملك الجبروت>. وبهذا المنطق تحاول إيران الاستيلاء على قرار منطقة الشرق الأوسط.

باسيل-2 

طائرة بدون طيار

 

والآن تقوم حرب باردة بين طهران والرياض، وكل منهما يطمع بالسيطرة على مقاليد الشرق الأوسط، الى جانب تركيا التي أعاد إليها الرئيس <رجب طيب أردوغان> عنفوان الماضي الذي سبق الحرب قبل الدخول في سنة 1916. ولا يمكن الحسم في أي مسألة داخل هذه المنطقة إذا كانت هناك قوة تركية معادية.

وسط كل هذه الظروف أين تتجه المنطقة بعد قرار <دونالد ترامب> بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب الى القدس، والتعامل مع مدينة القدس كعاصمة لاسرائيل؟

القدس وجه جديد للحرب بين العرب واسرائيل. فالقدس هي التي تمسكت بها الآية الكريمة التي تقول: <سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى> إشارة الى تلك الرحلة التاريخية الرسولية بدون طيار الى القدس. وهي المدينة التي كانت عصمة الفاتح الكبير صلاح الدين الأيوبي وهو يواجه القائد الصليبي <ريكاردوس قلب الأسد>، وهي المدينة التي رفض الخليفة عمر بن الخطاب، كرمه الله، أن يقيم فيها الصلاة داخل كنيسة القيامة وقال: <والله لا أصلي فيها، إن صليت فيها أخاف أن يأتي الناس من بعدي ويقولوا هنا صلى عمر ويقيموا مكانها مسجداً بل أصلي على أبوابها>، وبذلك جعل عمر بن الخطاب كنيسة القيامة في معزل عن أي تغيير أو تبديل.

والآن.. السلاح تغير والقيادات تبدلت والبلدان: اسرائيل وإيران تهددان بامتلاك السلاح النووي كوسيلة تهويل، وضغط على الجوار والتأثير على القرار الدولي. أي ان طهران تملك الآن مبادرة التصدي لقرار نقل السفارة الأميركية من تل أبيب الى القدس، وسلاحها هي أيضاً التهديد بشبح القنبلة النووية، دون أن تتأثر بالعقوبات التي تهددها بها الولايات المتحدة، كما ان للمملكة السعودية حامية الشرق الاسلامي فرصة التصدي لقرار الرئيس <ترامب> باتخاذ اجراءات ضد المصالح الأميركية وما أكثر الفرص لهذا التدخل أو المبادرة.

وقد جاء بيان مجلس الوزراء اللبناني الذي تلاه الرئيس سعد الحريري ليمنح طهران فرصة آنية لتصحيح مسارها في المنطقة، ورفع يدها عن كل مداخلة في اليمن ومملكة البحرين والعراق ولبنان عبر ارجاع حزب الله الى لبنان من سوريا والعراق!

والرسالة اللبنانية نفسها حملها الرئيس ميشال عون الى اسطنبول ليعرضها على المؤتمر الاسلامي، وقد جند لها كل المعطيات، وصولاً الى القدس.

وأول وجوه المعركة هو.. القدس!