20 October,2018

العرب أكثر شعوب العالم تأثراً بالتواصل الاجتماعي!

 

بقلم خالد عوض

 

شهد لبنان خلال الأسبوع الماضي حفلة تلفيقات وشائعات أصبحت معروفة عالميا بالأخبار المزورة <Fake News> وصلت إلى كل شيء. منها ما تكلم عن ثروة لرئيس الجمهورية اللبناني تفوق المليار دولار، ثم عن إنزال الحرس الجمهوري ركاب طائرة <الميدل إيست> المتجهة إلى القاهرة لكي يستخدمها الرئيس عون في رحلته إلى الولايات المتحدة. أخبار أخرى كاذبة تحدثت عن تراجع صحة حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة وتأثير ذلك على الليرة اللبنانية. حتى أن الفبركة طالت الشركات اللبنانية فانتشر كلام على مواقع التواصل الاجتماعي عن إفلاس شركتين لبنانيتين بسبب الأحوال الاقتصادية في البلد… كيف يمكن مواجهة هذا الكم من التلفيق الذي يؤذي صورة البلد واقتصاده وماليته خاصة أنه يلقى رواجا كبيرا بين الناس؟ الخطوة الأولى في التصدي لموجات الأخبار الكاذبة هي في التعامل معها على أنها جزء من الطبيعة الإعلامية الجديدة في العالم والمنطقة ولبنان أي على أنها الجديد العادي <The New Normal>.

 

استغلال كم الأفواه!

 

الحل ليس في معاقبة وملاحقة الذين يخترعون هذه الأخبار، فهم سيجدون طرقا كثيرة للاختباء في العالم الإفتراضي من دون أن تُعرف أسماؤهم. صحيح أن شركات التواصل تحاول تصعيب تسجيل مواقع من دون معرفة هوية اصحابها إلا أن الحفاظ على الحرية الشخصية وعلى حق إخفاء الاسم يمنع التشدد في ذلك. أما الملاحقة القضائية التي نشهدها في لبنان وعدة دول عربية فهي يمكن أن تخيف مروجي الأخبار الملفقة بعض الشيء وربما تردع بعضهم أو يمكن أن تجعلهم أكثر حذرا وتحايلا في إخفاء هويتهم. هناك أيضا معضلة التعقيد في توصيف الجرم، خاصة إذا كان التلفيق هو في الأصل تحريف لخبر معين، وهنا من الصعب إثبات إذا كان التحريف مقصودا وعن سوء نية أو مجرد عدم فهم وتسرع في نقل الخبر لكسب المتابعين. يضاف إلى كل ذلك أن السلطات السياسية تستغل محاربة أصحاب الأخبار الملفقة لتمنع النقد وتحاصر المعارضين لها، ولذلك تصبح الملاحقة القضائية في ما يخص الأخبار المزورة جزءا من القمع السياسي.

 

الأخبار الكاذبة تؤذي الاقتصادات الهشة!

عندما انتشرت حملات الأخبار المزورة في الولايات المتحدة وأوروبا منذ سنتين تقريبا تخطت المشكلة مسألة الفوضى الإعلامية وأصبحت جزءا من الدعايات السياسية التحريضية وتصدت لها السلطات السياسية والتشريعية من دون نتائج ملموسة، ولكن في اقتصادات كبيرة لا مفاعيل سلبية حقيقية أو طويلة الأمد، مثلا تأثرت البورصات مباشرة منذ حوالى السنتين وهبطت بسرعة عندما انتشر خبر كاذب مفاده أن <مايك فلين> مستشار الأمن القومي السابق للرئيس الأميركي <دونالد ترامب> سيعترف بضلوعه في الحملة الروسية لتزوير الانتخابات الرئاسية الأميركية، ولكن الأمر استغرق ساعات معدودة. ومنذ ذلك الوقت اعتادت الأسواق المالية على التلفيقات وأصبحت أكثر قدرة على استيعاب الأخبار المزورة. أما في اقتصادات صغيرة وهشة مثل لبنان ومعظم الدول العربية فإن الأخبار الكاذبة يمكن أن تؤذي جديا. هذا ما حصل مؤخرا مع الريال الإيراني وحتى مع الليرة التركية ولو بنسبة أقل. وحتى في لبنان حصلت بلبلة حقيقية عندما زاد طلب التحويل من الليرة إلى الدولار لدى بعض المصارف اثر إنتشار إشاعة مغرضة عن مرض حاكم مصرف لبنان.

 

الرد ليس بالانتقام بل بالأرقام!

لم يتعرض رئيس أميركي في السابق لما يتعرض له اليوم <دونالد ترامب> من حملات إعلامية وانتقادات لاذعة من معظم المؤسسات الإعلامية في الولايات المتحدة، ولا يمكن تخيل أي رئيس عربي يصمد عدة أيام أمام هذا الكم من الهجوم الإعلامي، هذا إذا سمح أصلا به، ولكن <ترامب> العاجز عن التعرض لحرية الرأي والتعبير المقدسة في الولايات المتحدة اختار أن يرد بالأرقام، فكلما يتعرض لحملة معينة، شخصية أو سياسية، يجاوب هو بسلسلة تغريدات عن النجاحات الاقتصادية والأرقام التي تدعمها. مرة يتحدث عن عدد الوظائف الجديدة الشهرية ومرة عن ارتفاع الأجور الأميركية لأول مرة منذ حوالى عشر سنوات وأخرى عن النمو الاقتصادي الأميركي الذي سيتخطى ٣ بالمئة عام ٢٠١٨. ولكن في الحالة اللبنانية يأتي رد رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة على الأخبار السلبية عن الاقتصاد اللبناني على شاكلة <البلد غير مفلس والاقتصاد ليس منهارا>… لن تكفي هذه التطمينات لتدحض الأخبار السيئة طالما هي غير مدعومة بالأرقام. أما ملاحقة مروجي <النعوات المالية> فهي لن تغير شيئا من واقع الناس ومشاكلهم.

تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في الشرق الأوسط هو في تزايد مضطرد. وفي دراسة اجراها مؤخرا معهد < بيو Pew Research Center> يتبين أن ٨٦ بالمئة من مستخدمي الإنترنت في الشرق الأوسط يعتمدون في أخبارهم ومصادر معلوماتهم وحتى قراراتهم على شبكات التواصل الاجتماعي، وهذه أعلى نسبة في العالم، تأتي خلفها أميركا اللاتينية بـ٨٢ بالمئة ثم أفريقيا ٧٦ بالمئة مقابل ٧١ بالمئة في الولايات المتحدة و٦٦ بالمئة في آسيا و٦٥ بالمئة في أوروبا.

هذا يعني أن على الحكام العرب أن يعتادوا على الأخبار الملفقة وتأثيراتها المباشرة على الناس، وحل مسألة تهديد الأخبار المزورة للاستقرار المالي والاقتصادي لن يكون عبر محاولات القمع بل بالنتائج على أرض الواقع حتى ترقى ثقافة الناس ومستخدمي شبكات التواصل إلى القدرة على التمييز وتنقية الأخبار والمعلومات.

عسى أن تكون الأخبار الكاذبة الحافز للإصلاح والتنمية بدل أن تساهم في مزيد من الخراب.