10 December,2018

العالم يغرق في الديون وأميركا تحكمه بالدولار!

 

بقلم خالد عوض

نحن نعيش في عالم يملك فيه واحد بالمئة من الناس أكثر ما يملكه الـ٩٩ بالمئة الباقون، بل أن أكثر من ٧٠ بالمئة من مجموع القوى العاملة يملك أقل من ٣ بالمئة من كل الثروة العالمية. هذا الفرق الشاسع في توزيع الثروات لا بد إلا أن يؤدي إلى تركيز السلطات في أيدي اناس معينين يرضى عنهم أصحاب الثروات، الذين يملكون أيضا كل أنواع وسائل التأثير الإعلامي على الناس، وبالتالي إلى اندثار الديمقراطية الحقيقية وطاعتهم والخلل الاجتماعي وتنامي الفساد، ولم يعد ينفع إدعاء الأنظمة الغربية أن الديمقراطية لا زالت بخير، فالوقائع والحقائق من واشنطن إلى باريس وصولا إلى إسطنبول تؤكد العكس.

 

الحلف الحديدي!

 

ليست حديثة العلاقة الوطيدة بين المال والسلطة، ولكن البعد الجديد الذي نشهده في هذه الأيام هو حجم التأثير المتنامي للواحدة على الأخرى. هناك بعض الأرقام التي ربما تفسر ذلك. حجم المال الذي تملكه الشركات العالمية في البنوك وصل إلى ٢١ ألف مليار دولار. هذا الرقم تخطى لأول مرة مجموع الناتج المحلي للولايات المتحدة. إذا كانت أميركا أكبر قوة اقتصادية في العالم تتمتع بنفوذ دولي خيالي بسبب حجم اقتصادها وكبر سوقها الإستهلاكي بالإضافة إلى قوتها العسكرية، فيعني أن هذه الشركات لديها نفوذ مشابه، بل انها ربما أكثر تأثيرا على مسار الاقتصاد العالمي طالما أنها تمتلك نقدا أكثر من كل إحتياطات العالم (يقدر مجموع كل الإحتياطات الحكومية حسب إحصاءات صندوق النقد الدولي بحوالى ١٣ ألف مليار دولار). صحيح أن هذه الشركات تمتلك اجندات اقتصادية وإنمائية مختلفة تماما عن بعضها البعض ولكن مجموع قدرتها المالية على التأثير أصبح يفوق قدرة الولايات المتحدة الأميركية… والحبل على الجرار.

في ظل نفوذ مالي بهذا الحجم لا بد من أن تفرض الشركات بطريقة أو بأخرى اجندتها السياسية التي تفضي إلى تأمين مصالحها الاقتصادية. ويضاف إلى القوة النقدية للشركات تركز التأثير الإعلامي في العالم في أيدي عدد قليل من أصحاب المليارات، إن كان من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو الوسائل الإعلامية التقليدية مثل الصحف والتلفزيون. هؤلاء يتحكمون في حركة المعلومات والأخبار في العالم كله.

هذا من جانب قوى المال. أما أصحاب السلطة فهم بمعظمهم اليوم يريدون الإمساك بالحكم لأطول فترة ممكنة. الرئيس الصيني والرئيس الروسي وغيرهما من رؤساء العالم يغيرون القوانين حتى يتسنى لهم البقاء في السلطة، حتى أن الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> علق بسخرية على نية الرئيس الصيني البقاء في الرئاسة مدى الحياة قائلا: <ربما يجب أن نطبق ذلك عندنا في الولايات المتحدة>! وفي وجه نفوذ الشركات أمام أصحاب السلطات خياران: إما الضغط عليها بكامل الوسائل القمعية أو التحالف معها لكسب دعمها ونفوذها المالي. السيناريو الذي نشهده في معظم المرات هو البداية بالقمع (في دول العالم الثالث) أو فرض الغرامات (في العالم الأول) وصولا إلى الهدنة والحلف القوي في المرحلة اللاحقة. النتيجة هي مزيد من الفساد ولو بأساليب مختلفة، بدائية عندما يتعلق الأمر بالعالم العربي وأكثر <ترتيبا> في دول العالم الأول.

 

الديون الحكومية وديون الشركات وديون الناس!

 

ما سيزيد من تأثير الشركات العالمية الكبيرة في مستقبل الناس هو حجم الديون في دول العالم ونسبتها من الناتج المحلي. مجموع الديون الحكومية تجاوز ٦٥ ألف مليار دولار عام ٢٠١٨ وهذا أعلى رقم في التاريخ، في المقابل وصلت ديون الشركات غير المالية إلى ٧٠ ألف مليار دولار وديون المؤسسات المالية الى ٦٠ ألف مليار دولار، وتجاوزت ديون الأفراد ٥٠ ألف مليار دولار، أي أن مجموع الديون في العالم وصل إلى حوالى ٢٤٥ ألف مليار دولار أو ما يزيد عن ثلاثة أضعاف كل اقتصاد العالم. المشكلة أن هذا الدين ينمو اليوم بوتيرة أسرع بكثير من نمو الاقتصاد وأصبح من شبه المستحيل أن يقدر معظم أصحاب هذا الدين على تسديده. كل هذه الأرقام، مدعومة بالحروب التجارية التي تقودها الولايات المتحدة، تؤكد أن العالم أصبح بحاجة إلى إتفاق دولي حول نظام مالي جديد.

الدولار هو السلطان!

٦٤ بالمئة من أصل كل إحتياطات العالم هي بالدولار الأميركي وحوالى ٤٠ بالمئة من ديون العالم كله هي بالدولار أيضا. أكثر من ٦٥ بالمئة من دولارات العالم أو ما يناهز ٦٠٠ مليار دولار موجود خارج الولايات المتحدة. بإختصار الدولار يحكم كل اقتصادات العالم حتى أن دولا كبيرة مثل ألمانيا وفرنسا مدينة بالدولار أكثر من دينها باليورو. هذا ما يعطي الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> اليوم القدرة على فرض أجندة الولايات المتحدة على العالم وهذا ما يمكّن الولايات المتحدة من التأثير السياسي والنفوذ المباشر في دول العالم من خلال العقوبات المالية. وحتى اليوم فشلت كل محاولات الدول الكبيرة الأخرى في طرح بديل للدولار لأن الكتلة النقدية العالمية مدولرة. في عالم محكوم بالديون تصبح الولايات المتحدة في موقع سلطوي عالمي استثنائي وعندها ما يكفي من الوسائل المالية للتأثير في أي دولة في العالم، حتى الصين بدأت تعاني من تأثير الرسوم الجمركية <الترامبية> على اقتصادها وهذا بدأ يظهر جليا في إنخفاض بيانات النمو الاقتصادي لأول مرة منذ وصول الرئيس الصيني <شي جين بينغ> إلى السلطة عام ٢٠١٣، حتى أن العملة الصينية <اليوان> تتعرض اليوم لضغط غير مسبوق بسبب الإجراءات الأميركية.

كل الأرقام تؤكد أن حجم الدين العالمي وصل إلى نقطة اللارجوع وأنه أصبح مثل القنبلة المالية التي يمكن أن تنفجر بأي لحظة. فتيل هذه القنبلة موجود في الولايات المتحدة و… عملتها.