24 September,2018

العالم مُصاب بحال غير مسبوقة من الهلع، وحدود بعض الدول باتت مستباحة!

بقلم جورج  بشير

Beirut_Airport تأخّر الرئيس الأميركي كثيراً بالإعلان <ان الولايات المتحدة لم تعد تشترط إبعاد الرئيس السوري بشار الأسد عن منصبه قبل البت بأي حلّ سياسي – ديبلوماسي للحرب في سوريا والبحث في تشكيل حكومة انتقالية ووقف النار>…

إن اشتراط الولايات المتحدة وبعض الدول الاوروبية بدفع عربي قوي نحو <عدم إشراك الرئيس الأسد بالبحث في أي حلّ للوضع السوري طوال سنوات>، هذا الشرط أدى الى إطالة الحرب السورية خمس سنوات وتدمير معظم مدن وقرى سوريا وهجرة الملايين من السوريين واستيراد المقاتلين المشاركين في هذه الحرب من مختلف أنحاء العالم، ومن ثم الى توسّع لهيب هذه الحرب وتحوّلها الى حرب إرهابية بربرية في دول مجاورة لسوريا وبعيدة عنها، فيما العالم كلّه منشغل بتداعيات مجازر باريس ولندن، وعواصم أخرى مرتجفة من تهديدات الإرهابيين.

اختلف الذين تشاوروا في فيينا من وزراء الخارجية حول موضوع إشراك نظام الأسد وحكومته في موضوع الحلّ، مع أن مجازر الشعب الفلسطيني المتواصلة على أيدي الإسرائيليين، وقبلها مجازر الأرمن، واللبنانيين، والعراقيين لم تقابل بما تستحقّه دولهم وشعوبهم من اهتمام إقليمي ودولي، وكانت تُعتبر أحداثاً عابرة لدى شعوب ودول هذه المنطقة المصابة بجروح مصيرية بالغة لم تندمل، واكتفى العالم، وخاصة أميركا وأوروبا وحتى الدول الكبرى بإصدار القرارات في مجلس الأمن التي لا تنفّذ، ولم تقابل بما تستحقه بمثل ما قوبلت به مجزرة باريس وفرنسا وبريطانيا ولندن اليوم من ردود فعل وصلت الى حدّ الهلع ومنع الطيران في أجواء بعض الدول ومنها لبنان وإن لأيام، ووقف تسيير القطارات ومنع التجمّعات وارتياد الأماكن السياحية، وإعلان حال طوارئ غير مسبوقة إلا في الحرب العالمية والاستنجاد بمجلس الأمن الدولي لاتخاذ القرارات الصعبة لمواجهة الحال التي وصل إليها العالم بفعل أعمال الإرهاب التي تقودها تنظيمات هي أشبه بدول، كونها مدعومة من دول كبيرة وصغيرة وغنيّة بالموارد الطبيعية في آن.

إنه العالم الجديد، عالم بزيت كعالم الشرق الأوسط وفلسطين، وعالم آخر بسمنة كالعالم الأميركي والأوروبي.

اللبنانيون هم المثل

لم يعرف اللبنانيون ما إذا كان الطلب الروسي الذي وافقت الحكومة اللبنانية على تلبيته إكراماً للعلاقة الوطيدة التي تربط بيروت بموسكو وإسهاماً من لبنان في الحرب العالمية على الإرهاب، يشمل خطر تحليق الطيران الحربي الاسرائيلي أيضاً في الأجواء اللبنانية أسوة بالطيران المدني، كون لبنان لا يمتلك طيراناً حربياً ولا مظلة جوية تحمي الأجواء اللبنانية من خروقات الطيران الحربي الإسرائيلي التي درجت على انتهاك السيادة اللبنانية جواً منذ عدة سنوات.

في أي حال، جاء ردّ فعل الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني الفوري بالموافقة على طلب الحكومة الروسية في محلّه ولم تصغِ حكومة لبنان ولا قيادة جيشه الى الأصوات <النشاز> التي انطلقت في وجه الحكومة وقيادة الجيش اللبناني حتى في وجه شركة طيران الشرق الأوسط ورئيسها محمد الحوت محاولة الدفاع <عن غير قصد> عن <داعش> التي اتخذت معظم دول العالم القرار الحازم بتصفيتها بالقوة العسكرية النارية بعد أن أصبح مسلّحوها مع مسلّحي التنظيمات الإرهابية الشقيقة العاملة على الأراضي السورية والعراقية وحتى في لبنان وباءً قاتلاً انتقل من الشرق الأوسط وسوريا والعراق بالتحديد لينشر جرائمه وإرهابه ودماره للبشر والحجر، ناهيك عن كل معالم الحضارة في عدد من الدول الغربية والأفريقية بعد أن نشر الإرهابيون هؤلاء وباءهم هذا في دول الشرق الأوسط.

طبعاً، الدول الغربية ومنها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة حيث انتشر الإرهابيون مع <حضارتهم> ونفذوا جرائمهم في باريس ولندن، وباتوا يهدّدون روما وبروكسيل وغيرهما من العواصم الأوروبية والاميركية، تتحمّل مسؤولية كبرى في هذا المجال، لأنها أغمضت عيون مخابراتها والأجهزة الأمنية الرقابية عن مئات الإرهابيين الذين عادوا أدراجهم إليها من سوريا والعراق، وهؤلاء يحملون منها جوازات سفر كونهم حصلوا على جنسياتها بعد أن قتلوا وفجروا ودمّروا وارتكبوا الجرائم المنكرة في سوريا والعراق عبر تركيا التي قدّمت بين مَن قدّموا للإرهابيين التسهيلات اللوجستية وخاصة المال والسلاح والدعم الديبلوماسي والسياسي من دون أن تقول لواحد منهم <ما أحلى الكحل بعيونك>! وهذا التغاضي رسم أكثر من علامة استفهام بعد الذي حصل وبشكل غير مسبوق من عمل إرهابي في منتديات باريس وحصد من حصدهم من الأبرياء بشكل لم تعتاد عليه العاصمة الفرنسية ولا العاصمة البريطانية قبل ذلك، ولا العواصم الغربية الأخرى المهدّدة من الإرهاب.

 

وفي لبنان انتخابات

في لبنان حيث أصاب التعطيل والشلل مجلس النواب بعد الحكومة والإدارات العامة بدأ العدّ العكسي لموعد نهاية ولاية المجالس البلدية بعد ثلاثة أشهر حيث يبدو للمراقبين أن الحكومة تفكّر جدياً بإجراء انتخابات بلدية قبيل فصل الصيف المقبل في جميع المناطق اللبنانية بعدما لمست النقمة العارمة في صفوف الرأي العام اللبناني لتجاوز الطاقم السياسي الدستور والقوانين وتمديد ولاية مجلس النواب مرتين متتاليتين دون الرجوع الى الشعب صاحب الوكالة الأصلية الممنوحة للنواب.

صحيح أن الأوضاع السياسية والأمنية الداخلية يمكن أن تشكّل عائقاً أمام إجراء الانتخابات البلدية في موعدها، لكن دون اللجوء الى قرار جديد بتمديد ولاية المجالس البلدية لكي لا تتضاعف نقمة الشعب اللبناني على مثل هذا الإجراء كون الشعب ناقماً اساساً على الحكم بكامله وعلى الطاقم السياسي بسبب عجزهما عن سنّ قانون جديد للانتخابات النيابية من جهة والعجز عن إجراء انتخابات نيابية دورتين متتاليتين، ناهيك عن العجز الفاضح في إيجاد الحلول للمشاكل والأزمات الاجتماعية والاقتصادية ومشكلة الفساد المستشري في الإدارات والدوائر السياسية وعن صدّ موجات النزوح السوري – العراقي الهائل الى البلد، وعن حماية اللبنانيين من المنافسة غير المشروعة. لكن تمكّن الجيش اللبناني وقوى الأمن وأجهزة المخابرات والأمن العام من الإمساك بالخلايا الإرهابية، خصوصاً تلك المسؤولة عن التفجيرات الانتحارية الأخيرة في ضاحية بيروت الجنوبية يبشّر بوضع أمني مستقرّ يتيح إجراء انتخابات بلدية في موعدها لتشكل التنفيسة المطلوبة لنقمة الرأي العام. فالانتخابات البلدية باتت ضرورة ملحّة كون بعض البلديات استشرت في داخلها حال من الإهمال والفساد والسمسرة وإهمال المصالح العامة والمحسوبية، وبات من الضروري استئصال هذه الآفة وإحداث تغيير في بُنى هذه المجالس وتطعيمها بعناصر كفوءة وشابة تتميّز بالشفافية وتخضع فعلاً للمساءلة المشنوقوالمحاسبة، خصوصاً وأن البلديات مطلوب منها المباشرة بتطبيق اللامركزية في مجال جمع ومعالجة نفايات المدن والقرى، وهي، أي البلديات مرشحة لتسلّم مستحقاتها المالية المتأخرة في ذمّة الدولة المترتبة لها من جراء تقاضي الدولة للرسوم والضرائب خصوصاً العائدة منها الى صندوق المحروقات. وننتظر في هذا المجال في حال اتخاذ وزير الداخلية نهاد المشنوق القرار، وقد اتخذه على ما يبدو، وبقي التنفيذ، أن يشهد لبنان نشاطاً سياسياً ستحكم فيه وله أو عليه تطورات الأحداث المحلية والإقليمية والدولية في المستقبل القريب.

عالم اليوم والأمس

العالم كلّه بات يعيش في ظل وضع بالغ الخطورة وكأنه يواجه بالفعل ظروف حرب عالمية جديدة من دون إعلان، أي من خلف الكواليس حيث تختلط مصالح الدول وصراعاتها على مراكز النفوذ، وانعدام العدالة مع أهداف عالم يتطلع الى مستقبل أفضل، وعالم آخر يحاول قيادة العالم بالعنف والإرهاب للرجوع الى أيام عالم العصور الغابرة. وبين هذا وذاك، دول مقتدرة جداً ومن دون حدود تستخدم أساليب ووسائل منحطة في تشجيع الإرهابيين عن طريق مدّهم بمختلف وسائل الدعم المالي واللوجستي والسياسي ومنحهم التسهيلات في المرور والإقامة والرعاية الاجتماعية، وكأن هذه الدول تريد الشيء وعكسه في آن. تحارب الإرهاب، لا بل تشارك في الخطط الموضوعة لضربه وفي الدعوة العلنية الى حلّ المشاكل الناجمة عنه بالطرق السلمية والسياسية…

إنها الحرب العالمية على الإرهاب، وفي الوقت ذاته استخدام الإرهابيين سلّماً لتحقيق مراكز أفضل للنفوذ السياسي والاقتصادي والتوسّع على حساب أمن الشعوب واستقرارها وحقوقها المشروعة في الحياة الأفضل.