9 April,2020

العالم كله على أبواب نظام إقتصادي جديد، غريب وعجيب!

 

بقلم خالد عوض

إذا كان هناك من إستنتاج وحيد من الزلزال الإقتصادي الذي يضرب العالم والحلول التي تفكر بها الدول الكبيرة للتصدي للإنكماش الحاد الذي تتوقعه، فهو أن العالم سيخرج من <الكورونا> بمنظومة إقتصادية ومالية مختلفة عن تلك التي كانت قبل تفشي الفيروس. ليس المقصود بذلك نهاية كاملة لكل الأفكار الرأسمالية التي يمكن للكثير منها أن يستمر، ولكن الحكومات لن تتعامل مع الأسواق المالية ومع شعوبها بالتحديد بالطريقة نفسها التي كانت تعتمدها في السابق.

شلل <الكورونا> وحرب النفط… وأزمة مالية تدق أبواب العالم!

في خضم أزمة <الكورونا> قررت روسيا <الدلع> على منظمة الدول المصدرة للنفط <اوبيك> وعدم مجاراتها بتخفيض الإنتاج للمحافظة على أسعار النفط. بالنسبة للرئيس الروسي <فلاديمير بوتين>  هذه هي اللحظة المناسبة للإنقضاض على منتجي النفط الأميركيين، فهؤلاء يتكلفون لإستخراج النفط الصخري بين ٣٥ و٤٠ دولاراً للبرميل أي أن أي سعر نفط أقل من ٤٠ دولاراً سيقضي عليهم خاصة إذا كانوا أساسا غارقين في الديون. <بوتين> تأثر مؤخراً بفكرة رئيس شركة <روسنفت> <ايغور سيتشين> بضرورة منع مصدري النفط الأميركيين من الإستحواذ على حصة روسيا النفطية وضرب عرض الحائط بالتفاهم الذي عقده مع السعودية. رد السعودية لم يتأخر، فقد أعلنت شركة <أرامكو> عن نيتها زيادة إنتاجها إلى مستوى ١٢ مليون وثلاثمئة ألف برميل مع نهاية نيسان (ابريل) المقبل أي أكثر من خمس وعشرين بالمئة من انتاجها الحالي. في هذا الجو انهارت أسعار النفط وهبطت البورصات بشكل لم يحدث منذ أزمة ٢٠٠٨ المالية ودخل العالم في مشكلة إقتصادية جديدة تضاف إلى الشلل الذي أحدثه الخوف من تفشي فيروس <كورونا>… ولكن الأزمة المالية الآتية هذه المرة ربما تتطلب معالجة مختلفة جذريا عن خفض الفوائد أو ضخ السيولة أو التخفيف الكمي، رغم حتمية اللجوء إلى كل ذلك على الأقل في المراحل الأولى.

 

الأزمة مختلفة هذه المرة!

في بداية شهر آذار (مارس) ٢٠٢٠ أي منذ أسبوعين حصل أمر لم يحدث في السابق. انخفض العائد على سندات الخزينة الأميركية لأجل عشر سنوات لمستوى أقل من ١ بالمئة. العالم كان معتادا أن تكون العوائد في أوروبا واليابان أقل من الصفر أي سالبة ولكن أن تتجه سندات الخزينة الأميركية إلى ذلك فهذا أمر لم يحصل في التاريخ. ماذا يعني ذلك؟ بإختصار هذا يدل أن المستثمرين تهافتوا إلى شراء سندات الخزينة الأميركية بشكل غير مسبوق، مما يفسر تراجع مستوى العوائد عليها، لأنهم يعتقدون أن هناك إنكماشا طويل الأمد سيصيب الإقتصاد العالمي والأميركي بالتحديد ولن تنفع معه جرعات ضخ السيولة التقليدية التي ما انفك الإحتياطي الفيدرالي الأميركي باللجوء إليها.

الحلول الغريبة العجيبة.. آتية؟

 

الكلام اليوم لم يعد فقط عن تراجع الفائدة على الدولار إلى الصفر خلال الشهور بل ربما الاسابيع المقبلة وعن ضرورة تحفيز الإقتصاد بضخ سيولة في الأسواق تماما كما حصل عام ٢٠٠٨. كل هذا لن يكفي. هناك من يتحدث اليوم عن ضرورة إرسال مبلغ نقدي لكل مواطن شهريا حتى يستمر في الإنفاق، وعن ضرورة أن يقوم البنك المركزي الأميركي بشراء أسهم في الشركات أي الإستثمار في البورصات بشكل مباشر، وهذا ما يتطلب إطاراً تشريعيا غير موجود. الحلول التي يتحدث عنها الخبراء الاقتصاديون أشبه بالمغامرات المالية والتجارب الإجتماعية التي لم يعهدها العالم في أي يوم قبل ذلك، وهي لن تتوقف عند حدود الولايات المتحدة ولا حتى أوروبا ولو بدأت من هناك. تلك الإجراءات ستكون في طريقها إلينا ولو بعد حين.  نحن أمام مرحلة إقتصادية جديدة بالكامل سيصبح فيها المستهلك، من أي فئة إجتماعية أتى، هو الحل الوحيد وليس فقط المتلقي. ومن أجل أن يستمر في الإنفاق ويساعد في دورة الإقتصاد يجب دعمه مباشرة… بالمال!

شكل المرحلة المقبلة مليء بالتقلب وعدم الوضوح، فهناك اسئلة تحير العالم. هل حرب النفط الحالية هي مرحلة من مراحل حروب الأسعار التقليدية أم أنها هذه المرة إشارة إلى بداية نهاية عصر النفط؟ هل يمكن لجرثومة أن تكون سبب أزمة إقتصادية خطيرة تهدد أكبر دول العالم أم أن ما نشهده نتيجة تراكم ديون الدول والأفراد والمؤسسات والتي أصبح حجمها ٢٥٧ ألف مليار دولار أي أكثر من ثلاثة أضعاف حجم الإقتصاد العالمي؟ هل أصبح الحل الوحيد أمام البنوك المركزية لإنقاذ اقتصادات العالم هو إرسال شيك مصرفي شهريا لكل مواطن حتى يستمر في الإنفاق؟

قيل عن سنة ٢٠٢٠ الكثير، وما حصل في الربع الأول منها أكثر من زلزال… ويبدو أن الآتي أعظم.