14 November,2018

العالم دخل في عصر  ”الإقتصاد الترامبي“..الإنتحاري؟

 

بقلم خالد عوض

donald-trump 

لا بد من التوقف ملياً أمام ما يحصل في الولايات المتحدة لأنه يؤثر في مفهوم الديمقراطية ككل. الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> ينفذ ما وعد به في حملته الإنتخابية أي ما انتخبه من أجله حوالى ٦٣ مليون أميركي. ما نشهده اليوم في قرارات <ترامب> هو تعبير عن رأي ٦٢ مليون أميركي. لأول مرة في التاريخ الحديث تكون الديمقراطية بهذا الزخم التنفيذي. المرشح الفائز يطبق وعوده لناخبيه بإجراءات كان الجميع يسخر منها ويقول أنها مجرد <بالونات إنتخابية>. كم مرة نرى ذلك في ممارسة الديمقراطية حتى في أرقى دول العالم؟ هل لكان <ترامب> رئيساً أفضل للعالم لو انه نكس بكل وعوده؟ معيار الديمقراطية ليس القرب من القيم الإنسانية بل هو التعبير الإجرائي عن طموح الناس. هذا ما يقوم به <دونالد ترامب> ولذلك من الواجب احترامه بغض النظر عن خطأ أو صواب ما يقوم به. وإذا كان لدى أحد مشكلة مع <ترامب> فليبحث عن حلها مع ٦٣ مليون أميركي وليس معه أو مع إدارته. وبكل صراحة، الحملة الإعلامية والشعبية ضد <ترامب> هي محاولة إنقلاب على الديمقراطية التي أفرزت الرئيس الأميركي.

البحث عن سبب المشكلة مع <ترامب> إذاً يجب أن يقود إلى البحث عن قلق عشرات الملايين الذين انتخبوه. وهؤلاء، حسب كل الدراسات التي حللت نتائج الإنتخابات الرئاسية الأميركية، يريدون التغيير في أمور ثلاثة:

الأمر الأول هو عدم <استباحة> الإقتصاد الأميركي، يعني عدم استغلال أموال دافعي الضرائب في برامج إجتماعية أو إعانات للاجئين يشوبها الكثير من الثغرات، وهذا ما يفسر رغبتهم في الجدار لمنع تسلل المهاجرين غير الشرعيين من المكسيك، ويفسر عدم رضاهم عن <Obamacare>.

المسألة الثانية هي في التعامل مع الإرهاب وإجتثاثه، اذ هناك عشرات الملايين من الأميركيين الذي يعتقدون أن إدارة <اوباما> لم تكن حاسمة في التعامل مع التطرف الإسلامي في الدول العربية. هذا ما يفسر المانع الذي قرره <ترامب> على سبع دول إسلامية، إما فيها وجود واضح للقاعدة أو <داعش> (سوريا، اليمن، ليبيا، العراق، الصومال، السودان) أو أنها متهمة برعاية مجموعات تعتبرها الولايات المتحدة ارهابية مثل حماس أو حزب الله، والمقصود هنا إيران.

 الموضوع الثالث والأهم بالنسبة لناخبي <ترامب> هو إقتصادي. صحيح أن الولايات المتحدة في عهد <اوباما> خرجت من أزمة مالية عميقة وتراجعت البطالة فيها إلى مستويات تاريخية وبقي التضخم قريباً من الصفر، إلا أن الفرق الطبقي ازداد كثيراً في هذه الفترة، إذ أصبحت الطبقة المتوسطة أبعد كثيراً عن الطبقة الفقيرة وعن الطبقة الغنية، أي أن الفقير أصبح أكثر فقراً وخفت قوته الشرائية فيما الغني زادت ثروته أكثر بكثير من النمو الإقتصادي. وهذا ما يفسر <النزعة الحمائية> للرئيس الأميركي وإلغاءه المعاهدة التجارية العابرة للمحيط الهادئ.

ملامح <الإقتصاد الترامبي> القائم على إقفال الحدود التجارية من خلال فرض ضرائب مباشرة أو غير مباشرة على الواردات وتحفيز الصناعات والصادرات الأميركية تعني إعادة عقارب الإقتصاد العالمي عشرين سنة إلى الوراء. ومع ظهور بيانات الفصل الرابع عن الناتج المحلي الأميركي الذي نما بأقل من 2 بالمئة خلال الثلاثة أشهر الأخيرة من العام الماضي ليحقق نمواً سنوياً يساوي 1.6 بالمئة، يبدو أن هذا المعدل هو منخفض جداً بكل المعايير. حتى لو قام الرئيس الأميركي بإنفاق المليارات على البنية التحتية فلن يتمكن من مضاعفة النمو. لذلك، فإن رقم العشرين ألف مليار دولار ديناً عاماً، والخطر على الدولار كعملة العالم الأولى، والشك الكبير الذي يحمله المستقبل الإقتصادي للولايات المتحدة، كلها عوامل ستحدد ما إذا كان <الإقتصاد الترامبي> يسير باتجاه إنتحاري مثله مثل الإنتحاريين الذين يحاربهم في أقاصي الأرض.