24 August,2019

العالم العربي على شفير استعمار جديد!

 

بقلم خالد عوض

أرقام إعادة الأعمار في العالم العربي مرعبة. العراق بحاجة إلى ١٠٠ مليار دولار على الأقل حتى يصبح لديه الحد الأدنى من البنية التحتية ولاعادة بناء المناطق التي دمرتها <داعش> وحروبها. اليمن بحاجة إلى ٤٠ مليار دولار من الإعمار حتى يعود إلى الصفر. ليبيا محتاجة إلى ٢٠ مليار دولار على الأقل حتى تصبح الدولة المركزية قادرة على الإمساك بالبلد حياتيا ومعيشيا. أما سوريا فالحديث يطول لأن التقديرات خيالية ولا تقل بأي حال من الأحوال عن ٢٥٠ مليار دولار. هذه الأرقام صادرة عن مراكز أبحاث في بريطانيا والولايات المتحدة بناء على تقارير من بعثات الأمم المتحدة في هذه الدول وهي تقديرات متحفظة جدا. وبناء عليها يعني أن الدول الأربع تلك، التي عانت وبعضها لا يزال يعاني من الحروب والدمار، بحاجة إلى ما مجموعه ٤٠٠ مليار دولار في أقل تقدير حتى تتمكن من إعادة البنية التحتية بالحد الأدنى وإلى أكثر من ١٠ سنوات لذلك. هذا من دون احتساب كلفة إعادة النازحين التي لا يبدو المجتمع الدولي متحمسا نهائيا لتحقيقها لأسباب كثيرة، منها الخوف من أن يهاجر هؤلاء من جديد إلى الغرب إما عندما لا يجدون مستقبلهم في مناطقهم المدمرة أو عندما يشعرون بالإضطهاد فيها. من سيمول إعادة الأعمار تلك وكيف؟

الإعمار… أو الطوفان في الإرهاب!

 

وحدها إعادة الإعمار تحمي العرب من مظاهر داعشية جديدة. عشرات ملايين العرب وبخاصة اليمنيون والسوريون والعراقيون والليبيون عاطلون عن العمل. الخيارات أمامهم جد محدودة. أبواب الهجرة شبه مغلقة لأن دول الغرب تريد منهم فقط العدد البسيط الذي يكفي للتعويض عن النقص العددي في سكانها، كما أنها تفضل أصحاب الشهادات والخبرات، أي أنها في منتهى الإنتقائية. من جهة ثانية دول الخليج تسعى لتوطين الوظائف وتتشدد في منح تأشيرات العمل للشباب الآتي من دول مرت بها <داعش> وأخواتها. أين يذهب إذاً ملايين الشباب في هذه الدول وكيف يبني مستقبله؟ إذا كان العالم قد تمكن من السيطرة على الموجة الأولى من الإرهاب الداعشي فهذا لا يعني أن <تسونامي> الغضب العربي إنتهى. الحل هو في مشروع متكامل لاعادة تأهيل شاملة في الحجر والبشر لا تقل كلفته عن ٤٠٠ مليار دولار.

 

من سيتكفل بالإعمار؟!

لا الصين ولا روسيا ولا إيران قادرة على إعادة الإعمار في الدول الأربع المفجوعة. صحيح أن الصين رصدت ٢٠ مليار دولار في تموز (يوليو) من السنة الماضية للاستثمار في الدول العربية وأعلن رئيسها عن إنشاء حلف مع الجامعة العربية من أجل تحقيق الاستقرار والنمو في الشرق الأوسط إلا أن وضع الصين حاليا لم يعد يسمح لها بالتوسع على الطريقة الأفريقية. لا شك أن الحرب التجارية التي شنها <ترامب> عليها قيدت حركتها الاستثمارية في العالم خاصة أن بوادر تراجع النمو الإقتصادي الصيني تتظهر كل شهر، وتليها استثماراتها الضخمة في أميركا الجنوبية التي أصبحت في مهب الريح بعد أحداث <فينزويلا> والتغيير الكبير في البرازيل مع تولي <جاير بولسونارو> الرئاسة هناك، وتليها الأموال الكبيرة التي رصدتها لأفريقيا والتي يجب أن تستمر في الاستثمار فيها حتى تحصل على المواد الأولية الضرورية لنموها الداخلي، كما أن <حزام الحرير> الذي يتضمن استثمارات ضخمة في آسيا وأوروبا لا مجال للرجوع عنه لأنه جزء من استراتيجية الصين لتصبح أول قوة إقتصادية عالمية، لذلك لا مصلحة مباشرة لها في الإنخراط في إعادة الإعمار بالمستوى المطلوب. إقتصاد روسيا من جهة ثانية لا يتحمل أي استثمارات في الإعمار في سوريا أو العراق، بالعكس تتطلع روسيا إلى التعويض عن خسائرها من التدخل في سوريا وإلى استعادة الديون الكبيرة التي أقرضتها للحكومة السورية من خلال النفط والغاز السوري، ولكن حتى القطاع النفطي يحتاج تأهيله إلى أكثر من أربعين مليار دولار وروسيا غير قادرة وحدها على هكذا مبلغ خاصة في ظل العقوبات المالية المفروضة على شركاتها والتي تمنعها من الاستعانة بمؤسسات الإقراض الدولية. أما إيران فهي غارقة في أزمة إقتصادية عميقة تجعلها بالكاد قادرة على تحمل تكاليف وجودها في سوريا وأعجز من دعم أي مجهود لإعادة الاعمار. أوروبا والولايات المتحدة لم تقررا الدخول بعد في ترسيخ السلم في سوريا وحتى لو قررتا فلن تتمكنا من تأمين مئات مليارات الدولارات لإعادة الإعمار بسبب حجم الدين العام والضغوط الإجتماعية التي تتعرضان لها.

تبقى دول الخليج. هي لن تتكفل بالتمويل المباشر كما يعتقد الكثيرون ولكنها وحدها قادرة على تأمين الزخم التمويلي الأولي الذي يمكن أن يجذب القطاع الخاص العالمي. وفقط عن طريق شراكة واضحة مع القطاع الخاص يمكن لسوريا وغيرها من الدول المدمرة أن تنهض من جديد.

كل المؤشرات تدل أن إعادة الإعمار ستكون بوابة دخول القطاع الخاص العالمي إلى ملكية القطاعات الإنتاجية العربية… يبدو أن العالم العربي على موعد مع إنتداب جديد، من دون جيوش أو إحتلال عسكري هذه المرة، بل بالعباءة الإقتصادية البراقة.