19 October,2018

العازف والمؤلف الموسيقي جوني هاشم صاحب مشروع ”البيانو العربي“ في تجربة فريدة...

بقلم عبير انطون

1-A

من بلد الى آخر يتنقل حاملاً مقطوعاته التي يريد لها ان تنتشر في اصقاع العالم كله، ولمشروع <البيانو العربي> العزيز على قلبه ان يبصر النور. جال في اكثر من 15  بلداً في عزف منفرد على البيانو والّف اكثر من اربعين مقطوعة موسيقية، وصلت بعضها لتترافق مع معزوفات المؤلفين الكلاسيكيين الكبار في حفلة واحدة. جوني هاشم، المعروف في الخارج اكثر من بلده، له امل بالجيل الجديد لناحية الموسيقى الكلاسيكية، وهو عاش تجربة فريدة يرويها لنا عبر <الافكار>، فما علاقة جبل <سانتيس> السويسري العالي بالتأليف الموسيقي؟ ولماذا طُلب منه ان يقضي 24 ساعة على قمة جبل بالغ ارتفاعه 2,502 مترا، والى اين ستقوده هذه التجربة؟

مع جوني كانت التفاصيل وسألناه بداية:

ــ لنتعرف بك اولاً، وكنت ولداً شقياً في صغرك. ما الذي اخذك الى عالم الموسيقى علما انك تخصصت في الجغرافيا؟

– انا من مواليد العام 1981 من عين الحور في قضاء الشوف. صحيح انني كنت ولداً شقياً الا انني لطالما احببت الموسيقى وكنت اعيد عزف ما اسمعه من اختي التي كانت تتعلم العزف على البيانو بناء على رغبة والديّ. عزفت اولا على السمع ومن ثم دخلت المعهد الوطني للموسيقى حيث تعلمت البيانو والتأليف وحصلت على درجة الماجيستير بامتياز في <البيانو المعاصر والارتجال>، في حين درست الجغرافيا في الجامعة.

ــ تخللت مسيرتك محطات وجوائز مهمة، كيف طورت نفسك؟

– عملت كثيراً وشاركت في <ماستر كلاس> في سويسرا وفرنسا وغيرهما من البلدان.

 ــ كيف يمكنك شرح مشروع <البيانو العربي> الذي عرفت به وتعمل عليه؟

– ولدت فكرة البيانو العربي من اختصاصي ومن ايماني بانه على المؤلف ان يتمكن من كتابته للآلات ومن دراسته حتى يبرز، فأنا كمؤلف موسيقي لا اجد مرجعاً عربياً لآلة البيانو مكتوباً بشكل محترف وهذا يغيب عن المعاهد اللبنانية والعربية.

ــ حتى في مصر؟

– حتى في مصر، وإلا لكانت وصلت الينا.

ــ متى انطلقت بالمشروع؟

– في العام 2011 بدأت بأداء نوع من التقاسيم على البيانو بناء على موشحات واغان من الفولكلور العربي واللبناني. هدفي من البيانو العربي ان اقدم للفرق او العازفين مرجعا اكاديمياً، فيتمكن عازف البيانو في المانيا او في فرنسا او اية بقعة من حول العالم ان يعزف المقطوعات العربية وفقا لنوتات مكتوبة تخص البيانو بشكل منفرد. هذا المرجع يتكوّن لدي تباعاً، فأنا في المعزوفات التي اقدمها من حول العالم، ومنذ ثلاث سنوات، اعمل على هذا المنهاج، ليتم في مرحلة ثانية توثيقه في كتاب كبير او مجلد لهذه الغاية.

ــ كم مقطوعة انجزت كتابتها <البيانوستية> حتى اليوم؟

– أنجزت حوالى خمس عشرة مقطوعة.

ــ هل تورد للقارئ امثلة عن مقطوعات يعرفها؟

– هناك مثلاً موشح <زارني المحبوب>، <لما بدا يتثنى>، <بنت الشلبية>، <شتي يا دنيي> وغيرها على ان اكمل بالمزيد من الموشحات العربية والاندلسية، وانا اعمل على المقطوعات الشرقية الخالية من ربع الطنين اي في ما يمكن تطبيقه على آلة البيانو.

ــ هل تجد تفاعلاً مع مشروعك، هل تجد الاوركسترات الغربية مهتمة بعزف مقطوعات عربية على البيانو؟

– لا يمكنكم تصور التفاعل والذي هو اكبر مما توقعته شخصياً خاصة في اوروبا. الناس تهوى سماع هذه المقطوعات. لقد وصلت فجراً من سويسرا في يوم لقائنا هذا، وسبق وعزفتها في <فرساي> الفرنسية لأكثر من مرة.

ــ اي تكمن صعوبات عمل مماثل؟

– في الموسيقى العربية يسيطر اللحن، فنجده قوياً مقابل بعض الضعف في <الهارمونيا> وقد عملت لإبراز اللحن و<الهارمونيا> ايضا بعكس ما نسمعه في موسيقى <شوبان> مثلاً حيث اللحن جميل لكن <الهارمونيا> تزيده جمالاً. في الموشحات الشرقية احاول ان اعطي الغنى الذي تفتقر اليه دفة <الهارمونيا>، وبالاطار الذي يسمح فيه البيانو بذلك.

ــ اشتهرت بمقطوعتين الفتهما <معركة السديم> و<الهزيع الرابع> وقد عزفتهما اوركسترات عالمية. لنبدأ بالأولى من حيث موضوعها وظروف وضعها.

– <معركة السديم> تعني لي الكثير، عملت عليها بطريقة غير مسبوقة، وهي ناتجة عن تجربة شخصية اذ حضرت في المكان نفسه الذي حصلت فيه هذه المعركة والتي تسمى بـ<معركة الملوك التسعة> واستوحيت من الموقع الذي حصلت فيه في وادي الاردن عند منطقة البحر الميت وقد كتب عنها في التوراة. تخيلت المشاهد ورحت اترجم ما يحصل مع فارق زمني يفوق الثلاثة آلاف عام. تمتد المقطوعة لثماني دقائق ونصف الدقيقة وقد باتت معروفة على صعيد عالمي وكتبتها على مدى ثلاثة اشهر ما بين لبنان واوكرانيا. عرفت اصداء رائعة حتى انها عزفت مثلا في عيد السفارة البولونية في لبنان بمناسبة العيد الوطني لبولونيا، وكان جرى ارسالها للمايسترو <يان ميلوش زاجيسكي> وتم عزفها الى جانب مقطوعات لموسيقيين عالميين، فهنأني عليها طالباً الاذن ليحصل على اوراقها.

ــ ما الذي ميزها حتى انتشرت عالمياً، هل ضمنتها روحاً شرقية؟

– لقد كتبت لاوركسترا محض غربية حتى لا اغير بتركيبة الآلات الاوركسترالية والتصويرية.

ــ في الاردن ايضا كانت لك ذكرى انتجت <كونشرتو> من 160 صفحة. اتذكر ما هو؟

– نعم، كنت صغير السن حينذاك وهذا <الكونشرتو> هو قصة حبي الاول التي حصلت في جبال السلط في الاردن وكنا في مخيم هناك.

ــ وماذا عن <الهزيع الرابع>؟

– اضعها في خانة <الشعر السيمفوني> <Poeme Symphonique> ألّفتها في العام 2014 ومدتها خمس دقائق، وقد عزفت لي بقيادة المايسترو الايطالي العالمي <دانيال روستيوني>.

 

<كليب> وتلفزيون

 

ــ فنانون عديدون باتوا يصورون معزوفاتهم على طريقة <كليب> مرافق لتقديمها للجمهور. هل قمت بذلك؟

– لقد تم التصوير بشكل مباشر من قلب العزف. انا طبعاً احبذ فكرة تصوير المعزوفات الموسيقية لكن هذه لا يمكن تقديمها الا بشكل متقن وكلفتها مرتفعة.

ــ اسمك خارج لبنان كمؤلف وعازف موسيقي يتفوق على اسمك في داخله. هل تعتقد ان الموسيقي في لبنان لا يمكنه ان يكون جماهيرياً ومعروفاً الا اذا <طلع عالتلفزيون>؟

– أعتقد ذلك نعم، فللتلفزيون دور كبير بشهرة الموسيقي.

ــ ميشال فاضل مثلاً اسم لمع موسيقياً ويطلب الى اكبر المهرجانات والحفلات لأنه عرف عبر التلفزيون… لم لا تتبع الطريق ذاته؟

– ميشال فاضل موسيقي محترف ومحترم، وقد خدمته شهرته التلفزيونية من خلال برنامج <ستار اكاديمي> لاثبات وجوده اكثر واكثر. والى التلفزيون فان اقتران اسمه باسماء فنانين كبار لعب دوراً اكيداً ايضاً، لأنه للأسف في الشرق، لا يمكن لموسيقي ان يعرف الشهرة الا اذا رافق احد المشهورين، بعكس ما هو الأمر عليه في الغرب. في اوروبا انا معروف اكثر مما انا معروف في لبنان لانه للموسيقى الكلاسيكية جمهور يحبها وهو مثقف فيها. وهنا اود ان اشير الى ان رقعة الموسيقى الكلاسيكية سيتسع انتشارها مع الجيل الصاعد في لبنان ولن تبقى للنخبة او المناسبات الحزينة على شاشاتنا واذاعاتنا. وهنا على الاعلام مسؤولية، لأن باستطاعته ان يلعب دوراً جوهرياً في منح حصة اكبر لها، ودفن الثقافة السائدة ان الموسيقى الكلاسيكية تبث فقط في حالات الغياب والرحيل والحزن. الجيل الصاعد مثقف موسيقيا وعندي أمل فيه.

وعن التلفزيون والاطلالة عبره يضيف جوني:

– لقد سبق وكنت في عامي 2009 و2010 الضيف الثاني في برنامج زاهي وهبي بحيث ارتجل الموسيقى على البيانو من وحي اجواء الحلقة بشكل مباشر.

ــ لكنك ترفض ان ترافق المغنيين والمغنيات. لماذا؟

– لأنها، ولو اضافت لي الكثير من الشهرة فإنها لا ترضيني، لا من حيث تاريخي ولا طموحي الموسيقي الكلاسيكي… كيف اقوم بذلك في حين يتم عزف مقطوعاتي رسمياً في اكثر من بلد بناء على القيمة الثقافية والموسيقية التي عملت عليها بـ<دموع العين>؟ ما اريده ان افيد جمهوراً مثقفاً موسيقياً، وان يتذكرني هؤلاء بالخير ثقافياً واكاديمياً.

ــ انت من منطقة <عين الشوف> ونعرف انها عزيزة عليك جداً. لكن ما هو المكان العالمي الذي عزفت فيه وترك عندك ذكرى خاصة؟

– في مدينة <جيومتر> في اوكرانيا في دار الاوبرا الذي ترتفع شرفاته اربع طبقات عن المسرح. كان ذلك في صيف عام 2015 في عزف <صولو> على البيانو مع صالة مكتملة الحضور من عمر 4 الى 90 عاما… طال التصفيق وقدم لي حاكم المنطقة هدية الولاية وهي كناية عن البذلة الاوكرانية. حلمي ان اتذوق طعم النجاح والاحساس بما شعرت به في اوكرانيا هنا في لبنان.

جبال الألب

ــ مشروعك المقبل غريب الاطوار. اخبرنا عنه، ولم تم اختيارك تحديداً لأجله؟

– أعمل الآن على معزوفة <رياح سانتيس> احدى قمم جبال الألب في سويسرا حيث ستقدم اوركسترا المانية حفلات كلاسيكية على رأس هذا الجبل، وقد طلب مني ان اعيش تجربة 24 ساعة على قمة هذا الجبل بعلو يفوق الألفي متر، وان انقل أحاسيسي فاترجم كل ما فكرت فيه وعشته خلال تلك الساعات الى نوتات موسيقية من ضمن معزوفة سألعبها في العام 2019 – 2020. هذه التجربة فريدة من نوعها تقوم على الانطباع، ولقد تأثرت بها جداً وانا في صدد التأليف الآن.

ــ هذا الأثر للطبيعة والامكنة تستوحي منه الكثير وكأنك تقدم الاجمل حين تؤلف بناء على تجربة خاصة او معاشة كما في <السديم> التي ذكرتها لنا. هل هذا يعطي ملكة التأليف لديك دفعاً أكبر؟

– فعلاً. وسبق وحصل معي ذلك ايضاً في لوزان في سويسرا منذ 15 عاماً اذ ذهبت الى زيوريخ ليوم واحد وبعد ثلاث سنوات استعدت المشاعر التي اكتنفتني فيها فألّفت <يوم ضبابي في زيوريخ> في حوار ما بين <الكلارينيت> مع الاوركسترا لمدة عشرين دقيقة، وتقصدت اعادة زيارة زيوريخ تحديداً بعد عدة اعوام لأرى تأثيرها علي بعدما الّفت موسيقى عنها.

 ــ بمن انت متأثر من الكلاسيكيين العمالقة؟

– بـ<راخمانينوف>… اعتبره مدرسة في البيانو والتأليف.

ــ وايها الآلة الموسيقية المميزة بالنسبة اليك في مرافقة البيانو؟

– أحب آلة النفخ <الفرنش هورن> العذبة جداً.

ــ تحدثنا عن مشروع <البيانو العربي>، ألم يدخل البيانو في الاغنيات والمقطوعات العربية الا في ما ندر؟

– لا هناك مقطوعات عربية عديدة دخل البيانو اليها بينها حالياً للمصري الكبير عمر خيرت، وفي مصر دخل البيانو كجزء اساسي مع بعض الآلات. حتى الرحابنة اعطوا البيانو حقه في الكثير من أغنياتهم…

 

موسيقى للجميع

ــ ما الذي فتحته امامك جائزة <افضل مؤلف موسيقي عالمي> التي حصدتها في مدينة <سرجي بونتواز> في شهر آذار/مارس من العام 2009؟

– كنت اول لبناني وعربي واول مؤلف يشارك ويفوز بها من ضمن مسابقة دولية وعنوانها <الرجل الذي لم يدرك شيئاً> للسوبرانو والاوركسترا. اهميتها انها جرت في فرنسا وضمت مشتركين من كبار الاسماء من حول العالم من بلجيكا واليابان وكندا واسبانيا فضلاً عن فرنسا طبعا، وقد تميزت بالروح الشرقية التي وضعتها في التأليف وقد تلاها عزف الاوركسترا الفرنسية لمعزوفاتي في منطقتين فرنسيتين.

ــ كنت استاذاً في الكونسرفاتوار اللبناني، لماذا تركته؟

– الكونسرفاتوار بيتي ومدرستي، فيه درست ودرّست، وهو يقدّر عملي ويتابعني. لي عتب على الدولة لان اساتذة الكونسرفاتوار عباقرة كل في مجاله ولكن نجدهم يضطرون الى <الدق> خلف مغن لا يستحق من اجل لقمة العيش، ومنهم من يحمل الدكتوراه ويضع المناهج الموسيقية، فلا معاشات الكونسرفاتوار ولا ابنيته تليق بمن يعملون فيه وهذه اهانة نوعاً ما.

ــ هناك الكثير من البرامج الغنائية حيث تتبارى الاصوات. هل تدعو الى برامج موسيقية يتبارى فيها هواة العزف؟

– بالتأكيد وادعو الى تشجيع التأليف الموسيقي. للأسف تأخذ البرامج اليوم شكل اعلان لمدارس موسيقية معينة في حين ان الموسيقى، لغة الروح، يجب ان تلف بأجوائها الجميع.

ــ ألّفت الموسيقى التصويرية لعدة افلام، ما كان أبرزها؟

– ابرزها للفيلم الوثائقي السينمائي < I knocked On The Temple’s Door> للمخرجة كارمن لبكي، فضلاً عن الموسيقى لمسلسلي <فرج> و<السائق> ولعدد من البرامج التلفزيونية داخل لبنان وخارجه.