19 September,2018

الطيار الاسرائيلي «رون اراد ». .. اللغز الذي لم يجد حلاً رغم نشاط الأجهزة الاستخباراتية الاسرائيلية المتواصل!    

بقلم صبحي منذر ياغي

 

1  وكانت وثائق <ويكيليكس> الاخيرة التي يتم الكشف عنها تباعاً قد تضمنت تفاصيل من ملفات مندي صفدي، ابن الجولان المحتل الذي يسكن تل ابيب. ففي ملف على الكومبيوتر الشخصي لمندي الصفدي حمل اسم «مندي ــ خاص» وجدت مذكّرة محفوظة تتعلق بالطيار <رون اراد> من دون معرفة تاريخ كتابتها أو مصدر إرسالها. واللافت أن الرسالة تشبه المذكرات الرسمية إذ يتصدرها اسم «الجمهورية العربية السورية»، مع خانتين فارغتين إحداهما للتاريخ وأخرى للرقم، مع عنوان «مذكرة للإطلاع».

مضمون الوثيقة

وجاء في الوثيقة حرفياً: «نحيطكم علماً بأن المسؤول عن ملف الملاح الإسرائيلي <رون اراد> والذي سقطت طائرته في 16 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1986 في جنوب لبنان عند قيام إسرائيل بغارات على مناطق جوار صيدا، العميد «غ. خ.» وهو ضابط في القصر الجمهوري ومقرّب من الرئيس بشار الأسد، وقد استلم الملف عام 2010 بشكل سري>. وحسب معلومات <الافكار> ان الضابط السوري هو غسان خليل رئيس فرع المعلومات.

ووفق ما ورد في ملف مندي الصفدي: ان العميد <غ. خ.> يعرف مكان رفات الملاح الإسرائيلي <رون اراد> بناءً على معلومات سابقة وردت إلى شعبة المخابرات العسكرية تؤكد أن مواطناً لبنانياً شيعياً قد قدم عن طريق وسطاء للسيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني عظمة من إصبع يد الملاح الإسرائيلي. وأكد الوسطاء للسيد نصر الله أن هذا الشخص يعرف مكان وجود جثة <رون اراد> وأنه مستعد لتقديم معلومات تحدد مكانها مقابل مبلغ 3 مليون دولار أميركي، إلا أن حسن نصرالله قدم هذا الدليل على وفاة <رون اراد> إلى الجانب الإسرائيلي للاستفادة منه في صفقة تبادل الأسرى، وبدأ الجهاز الأمني التابع لحزب الله محاولة لمعرفة هذا الشخص الذي قدم العظمة ومعرفة مكانه، إلا أنه فشل. في حين استطاع العميد <غ. خ.>، وبالتعاون مع اللواء آصف شوكت الوصول إلى هذا الشخص وإحضاره إلى دمشق بالتعاون مع محامٍ من بلدة المليحة في ريف دمشق. وكان اللقاء بين الشخص اللبناني والعميد «غ. خ.» داخل قصر تشرين في مدينة دمشق. وحصل العميد <غ. خ.> على المعلومات كافة المتعلقة بمكان وجود جثة الملاح الإسرائيلي <رون اراد>، حيث أبلغها بدوره للرئيس بشار الأسد، وطلب الرئيس الأسد نقل الملفات والوثائق والأوراق والصور والفيديوهات كافة التي تتعلق بملف <رون اراد> والموجودة في شعبة المخابرات العسكرية إلى العميد «غ. خ.» حصراً.

فموضوع اختفاء <رون اراد> وعدد من الجنود المفقودين في لبنان خلال اجتياح اسرائيل عام 1982 رصدت له الدولة العبرية عشرات آلاف الدولارات وجندت له الجواسيس والمتعاونين، لكنها حتى اليوم لم تصل الى مرادها.

 

2لجنة اسرائيلية خاصة

وكان تقرير لجهاز <الموساد> الاسرائيلي كشف منذ سنوات انه تم تشيكل لجنة اسرائيلية خاصة برئاسة <اهارون فركش> رئيس شعبة الاستخبارت العسكرية للبحث وجمع المعلومات عن <رون اراد>، حيث اكدت هذه اللجنة ان <اراد> كان على قيد الحياة حتى بداية عام 1995، وبعد هذا التاريخ توفي نتيجة مرض في لبنان دون ذكر طبيعة المرض.

وجرى تشكيل العديد من اللجان في الجيش الاسرائيلي لبحث موضوع <رون اراد> حيث لم يصدر عن هذه اللجان موقف نهائي بأن الطيار <اراد> ليس على قيد الحياة حتى بعد احدى عمليات التبادل مع حزب الله وتسلم اسرائيل جثث الجنود الثلاثة الذين تم أسرهم بالقرب من مزارع شبعا عام 2006، واستمرت المفاوضات مع حزب الله على <رون اراد> وكان بين السطور في صفقة التبادل ان يقوم حزب الله بتقديم المعلومات التي لديه بخصوص <اراد> بعد الافراج عن الاسير اللبناني سمير القنطار.

هل مات <اراد>؟

وحسب التقرير <ان اللجنة تقدر ان <رون اراد> عانى من مرض خطير في عام 1995 ولم يتلقَ العلاج المناسب مما أدى الى موته في هذا العام وبالذات في الوقت الذي أبلغ فيه السفير الايراني في المانيا موقف ايران بأنها منذ الآن لا علاقة لها في المفاوضات الجارية بخصوص <رون اراد> وانها لا تعرف شيئاً عنه والأمر لدى حزب الله>.

وتشير الأوساط الى ان إسرائيل عادت الى مواصلة جهودها لإلقاء الضوء على مصير ملاح الجو الإسرائيلي المفقود <رون اراد> وهي تعمل من أجل إعادته إلى ذويه من منطلق الافتراض بأنه ما زال على قيد الحياة طالما أنه لم يتوافر دليل آخر على مصيره.

4بداية المسلسل – اللغز

 بدأ مسلسل <رون اراد> الذي اتصف بالإثارة والغموض عام 1986، عندما سقط <اراد> اسيراً في ايدي مقــــاتلي <أمـــــل> في منطقــــــة شرق صيدا، بعدما تمكنــوا مــــن اسقـــــــاط طائرتــــــــه التي كانت تصب حممها على المنطقة، ونقله الحاج مصطفى الديراني <أبو علي> الذي كان آنذاك مسؤولاً عسكرياً في حركة <أمل>، الى جهة مجهولة.

وتركز اهتمام الاجهزة الاستخباراتية العسكرية الاسرائيلية منذ تلك الفترة على تحديد مكان احتجاز <اراد> ومعرفة مصيره والسعي الى تحريره بأي طريقة كانت، ولكن التعقيدات طرأت على هذا الملف عندما طردت قيادة <أمل>، ولأسباب تنظيمية الديراني ومجموعة من رفاقه من التنظيم، ليشكلوا بدعم ايراني ما عرف بـ<المقاومة المؤمنة>، في الوقت الذي أعلن فيه مصطفى الديراني ان <رون اراد> اختفى خلال مواجهات عسكرية طاحنة جرت بين المقاومة والجيش الاسرائيلي في بلدة ميدون في البقاع الغربي عام 1988. وبات السؤال الابرز: في يد مَنْ أصبح <اراد> ومن هي الجهة التي اختطفته مجدداً؟

خطف الشيخ عبيد والديراني

وبدأت اسرائيل الى جانب نشاطها الاستخباراتي في هذا الموضوع القيام بعمليات عسكرية للتوصل الى معرفة مكان <اراد> ومصيره، فعمدت قوة من <الكوماندوس> الى دهم منزل الشيخ عبد الكريم عبيد من منزله في جبشيت الجنوبية واختطافه مع اثنين من مرافقيه. الا ان الأبرز في هذا المجال قيام اسرائيل بعملية إنزال دقيقة ومعقدة ليلة عيد الاضحى المبارك في ايار/ مايو 1994 في منطقة تعرف بـ<الحبيس> في جرود بلدة الفرزل في البقاع و تمكنت فرقة من <الكوماندوس> من خطف الحاج مصطفى الديراني من منزله في بلدة قصرنبا البقاعية، لتنقله الى احد السجون العسكرية في اسرائيل. وخضع الديراني لتحقيقات متواصلة تعرض خلالها للتعذيب والضرب، رغم ذلك لم يصل الاسرائيليون الى نتائج تذكر، وبدا للمحققين الصهاينة ان الديراني فعلاً يجهل مصير <اراد> ومكان وجوده!

روايات. .. وقصص

وتعددت الروايات والمعلومات حول مصير <اراد> ومكانه بعد ذلك. فمنها ما أكد قيام الاستخبارات الايرانية بنقله في تابوت خشبي وهو تحت تأثير المخدر الى طهران عن طريق السفارة الايرانية في بيروت، حتى تستخدمه ايران كورقة ضغط على اسرائيل لمعرفة مصير الديبلوماسيين الايرانيين الاربعة الذين فقدوا عند حاجز القوات اللبنانية عند منطقة البربارة عام 1982، وتردد انه جرى نقلهم الى اسرائيل.

اما مصادر أخرى فأشارت الى ان <اراد> أصبح في يد الاستخبارات الجوية السورية لتستخدمه سوريا ايضاً ورقة مساومة لتسليمها أحد طياريها بسام العدل الذي فرّ عام 1989 بطائرته <الميغ 29> وحط بها في إسرائيل بذريعة اللجوء السياسي، 5في الوقت الذي نفت فيه قيادة حزب الله نفياً قاطعاً معرفتها مكان <اراد> ومصيره.

وفي خضم تناقض الروايات والمعلومات، تركز اهتمام اسرائيل على معرفة مصير <اراد>، فاستنفرت أجهزتها الامنية المحلية والعربية والاوروبية، وجنّدت الشبكات والخلايا التي ضمت اشخاصاً من جنسيات مختلفة طالبة اي دليل حسي عن <اراد> ورصدت مكافآت مالية مغرية لمن يعطي معلومات دقيقة وصحيحة في هذا المجال، ولمن يأتي ولو بعينة من شعر او دماء <اراد>، او رقمه العسكري السري.

وحسب مصادر أمنية <ان اسرائيل أصيبت بالخيبة بعد وقوعها في فخ المتاجرة، فدفعت ملايين الدولارات في عمليات معلوماتية معقدة كان من بينها قيام <فاديم تودور>، و<اناتي مائير> بإحضار عينات من بوله ودمه ولعابه الى اسرائيل تبين نتيجة فحصها انها ليست لـ<رون اراد>، ونشرت ذلك جريدة <يديعوت احرونوت>، وأسهبت في عرض مجموعة روايات من وجهة نظر اسرائيلية، داعية من يحتجز <اراد> ليتقدم بشروطه…>.

نشاطات أمنية واعلامية

واتبعت الاستخبارات الاسرائيلية طرقاً منوعة لحل قضية اراد -اللغز. فقد فوجئ عدد من سكان الجنوب في الماضي بتلقي منشورات عبر البريد تعرض عليهم عشرة ملايين دولار مقابل الحصول على معلومات عن الطيار الاسرائيلي <رون اراد>. وكان أقارب <اراد> قد عرضوا مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار في كانون الاول/ ديسمبر من العام 2005 من خلال موقع أطلقوه على <الانترنت> مزود تفاصيل باللغات الانكليزية والعربية والفارسية والروسية.

منظمة <الزوبعة> على الخط

 

وفي خضم هذا البحث، نشر بيان لافت منسوب الى منظمة <الزوبعة> تشير فيه الى ان <رون اراد> في حوزتها، ونشر البيان يوم23 شباط/ فبراير 2004 في عدد من الصحف اللبنانية وبثّه تلفزيون <الجديد> في  نشرته الاخبارية مع صورة البيان. ثم عادت منظمة <الزوبعة> الى إصدار بيان جديد نشر في صحيفة لبنانية جاء فيه: <ان الطيار الاسرائيلي <رون اراد> الذي أُسقط وطائرته فوق جنوب لبنان عام 1986 كان يرمي الحمم والقنابل على ابناء شعبنا ولم يكن يرمي وروداً ورياحين… وكانت منظمة <الزوبعة> قد سلمت الى الجهة الالمانية عينات ومستندات للطيار اليهودي منذ اعوام وأجريت الفحوص عليها من جانب العدو في حينه، لكن حكومة <آرييل شارون> ماطلت وناورت الى حين خطف الجنود الثلاثة والى حين أسر الضابط المتقاعد، ثم اسرعت الى التفاوض لاسترجاع <الحنان تننباوم> لأسباب لم تعد خافية على احد، وقد ضجت وسائل الاعلام بالعلاقة الشخصية التي تربط <شارون> بعائلة <الحنان تننباوم> والمصالح المشتركة بينهما تاركة ملف <اراد> عالقاً>…

وختم البيان: <ان ما يدور في وسائل الاعلام عن عملية تبادل مع غير منظمة <الزوبعة> هو خارج المكان والزمان>…

صدور بيان <الزوبعة> أثار موجة من التساؤلات منها: من هي هذه المنظمة؟ وما مدى دورها في هذا الملف؟ وما علاقتها بحزب الله؟ وهل ان اسم المنظمة يعني ان لها ارتباطات بالحزب السوري القومي، او انها تعتنق العقيدة القومية الاجتماعية؟ ثم كانت تساؤلات أخرى عن السبب في عدم إتمام عملية التبادل، رغم ان <شارون> أشار الى استعداده لدفع الثمن الكبير من الاسرى والمعتقلين معتبراً ان عودة <اراد> تعنيه شخصياً.

3

معركة ميدون.. 1988

 

وكانت معلومات اسرائيلية حينئذٍ قد تحدثت عن مخاوف جدية في اسرائيل من ان يكون <اراد> قد قتل على أيدي بعض حراسه بعد <فورة دم> سببها مقتل انسباء لهم في معركة ميدون في عام 1988. وقالت <المعلومات الاسرائيلية>: ان الشبان الذين <تسببوا> بمقتل <اراد> عمدوا الى دفنه في جرود بلدة في البقاع حيث كان محتجزاً، وأخفوا آثاره كلياً، وان مسؤولي حزب الله أوهموا بأن الاستخبارات الايرانية أخذت <اراد> للتحقيق معه واستعماله ورقة مساومة في قضية خطف أربعة ديبلوماسيين ايرانيين على ايدي القوات اللبنانية عام 1982 وتسليمهم الى اسرائيل، لكن الحقيقة تبينت لمسؤولي الحزب لاحقاً عندما جاء وفد ايراني لزيارة الامين العام لحزب الله عامذاك الشيخ صبحي الطفيلي للبحث في قضية <اراد> بعد إحراز تقدم في مفاوضات كانت ايران تجريها مع أطراف غربيين…

وذكر مسؤول حزبي سابق ان معلومات غير مؤكدة اشارت الى ان <اراد> فعلاً خطف مرة ثانية من معتقله في ميدون على ايدي مجموعة تنتمي لحزب لبناني – غير حزب الله -، وان مسؤول المجموعة الحزبية التي خطفت <اراد> <فُبرِكت له قضية قضائية> ولأسباب امنية من قبل مسؤول كبير في الحزب الذي ينتمي اليه جعلته يهرب الى اوروبا، وان <اراد> نقل بعدها الى خارج لبنان. فيما أشار الزميل محمد سلام في هذا الإطار الى ان احدى محطات التلفزة كانت في الماضي قد عرضت شريطاً مصوراً لدقيقة ونصف الدقيقة عن <اراد> وهو يتمشى في مقهى ادعت انه يقع في منطقة غرب بعلبك…

وأكدت اوساط امنية  ان اسرائيل لم توقف مساعيها للعثور على <اراد> او على الاقل لتحديد مصيره، فضلاً عن بحثها عن رفات جنودها الثلاثة الذين قتلوا في معركة السلطان يعقوب في البقاع الغربي عام 1982 وهم <يهودا كاتس>، و<زخاريا باومل>، و<تسفي فلدمان>. وكانت التحقيقات مع معظم أفراد الشبكات الاسرائيلية التي جرى اعتقالها في لبنان مؤخراً قد أظهرت ان اسرائيل كانت تصر على عملائها للحصول على معلومات عن جنودها المفقودين في لبنان وخصوصاً <رون اراد>.

 قضية الطيار <رون اراد> خرجت عن كونها قضية محلية وباتت لها تشعباتها الاقليمية وباتت ترتبط بملفات شائكة، ودخل عليها أكثر من طرف فزادها تعقيداً وتشويشاً.

فهل بات ملف الطيار <اراد> واحداً من الملفات المهمة التي ستغلق؟ وهل بات في الإمكان وضع نهاية لهذه القضية – اللغز؟ حتى في اسرائيل – قال في السابق <يوسي ملمان> معلّق الشؤون الامنية في صحيفة <هآرتس>: <لا أحد من المسؤولين الرسميين يملك أجوبة عن هذه الاسئلة، وهي تبقى من باب التكهنات>.