20 November,2018

الطـــــــلاق فـــي لـبـــــنـان... ”ترانــــــد“.. غــيــــــاب للـحــــــوار.. وللـتــربـيـــــــــة الـــــــــدور الأســـــــــاس!

  

بقلم عبير انطون

صورة-بيار-كلاس 

مع العدد الهائل لطالبي الطلاق او بطلان الزواج وتزايد حالات الانفصال في لبنان، تتزاحم الاسئلة حول الأسباب، فما يشهده لبنان اليوم من نسبة مرتفعة بلغت بحسب احصاء غير معلن عند الطائفة المارونية مثلاً 1800 حالة من اصل 4200 زواج في العام 2016 مع فتح أربعمئة طلب بطلان زواج، والنسبة ليست اقل منها في الطوائف والمذاهب الأخرى، ما يجعل التوقف عند هذا العدد الكبير ملحاً..

<الأفكار> فتحت الملف مع المتخصص في شؤون الاسرة ومدرب الحياة الشخصية المعالج العائلي بيار كلاس صاحب ومدير <Family and Personal Life Coach> الذي يستقبل يومياً اكثر من ثنائي يطلب منه المساعدة في حل النزاعات وعلاج الخلاف قبل الوصول الى أبغض الحلال، فما الذي يعاينه في يومياته من اسباب تؤدي الى الانفصال؟

بعد 10 أيام… انفصلنا!

ليس مزحة عابرة ما بتنا نسمعه من بعض مصوري الاعراس الذين عندما يتصلون بالزوجين لاستلام صور زفافهم يقولون لهم: <لقد طلقنا>، وبينهم من لم يمض على زواجه عشرة ايام او شهر على الاكثر. ونسبة الطلاق التي بلغت في لبنان بحسب <الدولية للمعلومات> حتى العام 2015 (احصاء العام 2016 لم يجهز بعد) 7500 عقد طلاق، كانت في العام الذي سبقه 7600 حالة، اي بارتفاع 1206 حالات عن العام 2010. واذا ما تعددت الاسباب التقليدية من الزواج المبكر، الى فارق العمر، والخيانة، والتدخلات الخارجية والسعي وراء المال والحياة المادية على حساب الحب، فإن فكرة تقبل الطلاق هي نفسها عامل اساسي، فبعد ان كانت غير واردة او صعبة المنال في السابق اضحت مقبولة لا بل رائجة اليوم.

 النقطة هذه يشدد عليها الخبير بشؤون العائلة وعلاجها بيار كلاس ويقول لـ<الافكار>:

– في وقت كان الطلاق يعتبر عيباً في الماضي غير البعيد، ها هو يصبح مقبولاً لا بل مطلوباً عند اول صعوبة. لقد ارتفعت نسبة الطلاق في مجتمعنا لأنه أضحى <تراند>، موجة يركبها الثنائي من دون تقدير لعواقبها على حياته وعلى الاولاد بحال وجودهم، وصولاً الى الاحتفاء بها في حفلات <الحصول على الطلاق> وتصويرها ونشرها والافتخار بها. لكن الاخطر، وهو ما بات معمولا به بنسب مرتفعة، <الطلاق> او الانفصال تحت سقف البيت الواحد بحيث يتفق الزوجان على الانفصال عن بعضهما البعض كزوجين والبقاء معا تحت سقف بيت واحد من اجل الاولاد فقط، على ان يعيش كل طرف منهما حياته الخاصة كما يريدها، وهذا أمر غير صحي على الاطلاق، ويفضل عليه الطلاق بمفهومه الصحيح ان كان لا بد منه.

 سبب اضافي اساسي ايضاً في الوصول الى الطلاق او بطلان الزواج، يضع فيه كلاس اللوم على سهولة الحصول عليه بطريقة او بأخرى مقابل المال، فيجري الاحتيال على القوانين من قبل بعض المحامين، وهم <يلقنون> للأسف ما يجب ان يقوله احد الطرفين لانتزاع الطلاق من دون محاولات للتوفيق وفض الخلاف.

غياب الحوار والاهمال..

 

 هذان السببان على اهميتهما لا يدرجهما الخبير في المقام الاول لطلب الطلاق. فالسبب الرئيسي والاول برأيه يكمن في عدم التواصل بين الثنائي او التواصل السلبي بينهما:

– كثيراً ما اسأل احد الطرفين عن تحديد سبب طلبه للطلاق فلا يحدد سبباً معيناً بل يقول: <ما عدت سعيداً>، فالحب الذي كان يسود العلاقة في بدايات الزواج وما قبله يخفت مع الوقت، ومع ضغوطات الحياة وتضاعف المسؤوليات تتصاعد التفاعلات السلبية بين الرجل وزوجته ويدخل الروتين حياتهما، فيحاولان ايجاد طرق للتكيف والتظاهر والايهام بأن كل شيء يسير على خير ما يرام، الا ان ذلك غير صحيح فينفجر في اي وقت، ومتى انفجر تفتح سجلات الماضي وكل الخلافات التي مرا بها ويستعيدانها بتفاصيلها في حين انها كانت ساكنة قبلاً.

 بغير عدم التواصل المباشر والصريح، كثيراً ما اسمع الزوج يشتكي من اهمال زوجته له، بمعنى انه يحل في آخر اولوياتها بعد الاولاد والبيت وأهلها وعملها، في حين تشتكي الزوجة بالمقابل من عدم حضور زوجها في البيت، وهنا لا اعني الوجود بمعنى الوقت اي ساعات وجوده في البيت انما حضوره مع استعداده للتعاون والمساعدة. وهنا على الثنائي ان يخلقا توازنا دقيقا لكي لا تفلت الامور من عقالها، كما على الرجل ان يتنبه الى أمرين: اولهما ان زوجته ليست <سوبر وومن> اي المرأة الخارقة التي باستطاعتها ان تعمل على الف جبهة فتعنى بالبيت والاولاد واجتماعات المدرسة والواجبات من دون ان يعاونها في كل ذلك، كما عليه ثانياً ان يعي جيداً بأن زوجته ليست امه، بمعنى انه لا يستطيع ان يصل الى البيت ويخلع ثيابه ويتناول الطعام وينام كما كان في عهد العزوبية، وتستلم هي كل شيء حتى الشؤون المتعلقة به.. فالوالد اساسي ايضا في البيت وفي التربية، خاصة وان المرأة اليوم تخرج الى سوق العمل وتنتج مثله تماما، وبذلك نجدها تعمل بدوامين، تستحق عن احدهما اجرها خارج البيت، فيما تعمل بشكل مجاني داخله، وهذا العمل داخله لا يمكن ان يكون حكرا عليها. للاسف، لقد ساهمت التربية بطريقة غير مباشرة بتغذية هذا المفهوم الخاطئ، ودخل حتى في المناهج التعليمية التي تصور المرأة في المطبخ تضع الوزرة وتصنع الحلوى، فيما الرجل يقرأ الجريدة.

ويزيد قائلاً:

– ان تقاسم اعباء البيت مفروض على الاثنين، فالمرأة روح وجسد وكيان لذا فتقاسم المهمات ضروري… المشكلة احيانا ان المرأة <تغطس> جدا في الامومة فيما الرجل لا يغوص في الابوة، لكن على المرأة ألا تنسى انها ام لكنها زوجة اساساً.

وبعد توقف بسيط يزيد كلاس:

 – أعود لأشير ايضاً من جديد الى دور التربية المهم جداً والذي ينعكس ايضا في نسب الطلاق المرتفعة، فهذا الجيل <ركيك> ونحن نحضه على ذلك، بمعنى انه اذا واجه الولد صعوبة ما، في دراسة العزف على البيانو مثلاً، نطلب منه بسرعة اختيار مجال آخر، من دون ان نحضه على محاولة الاستمرار وتجاوز الصعوبة وتفتيتها. نرى شبابنا يدخلون اختصاصاً، فيتحولون لغيره بعد سنة او سنتين ولا يستقيمون على اختصاص واحد، فيما الاهل يقولون لابنهم <اصطفل عمول اللي بدك ياه> من دون الوقوف الى جانبه وتشجيعه على تفكيك العوائق التي يواجهها. وبذلك، فان اختيار الطريق الاسهل يترسخ في ذاكرة الشاب (او الشابة) فيتربى على الحل الاسهل ما ينعكس على حياته لاحقا، فيفر من دون مواجهة امام اية صعوبة، بينها مع زوجته في بيته مستقبلا، ويلجأ الى الخيار الاسهل وهو الانفصال عنها واستبدالها بامرأة أخرى…

العزوبية والخيانة..

 

 – ومن بين الأسباب ايضاً يورد كلاس الحنين الى العزوبية عند البعض حيث كان طرفا الثنائي ينامان ويصحوان ويخرجان على هواهما، فيجدان نفسيهما مكبلين بمتطلبات الحياة كثنائي ومسؤولية احدهما تجاه الآخر. وهنا، ومع الجزم بأن اي ثنائي لن يكون بمأمن تام عن اي خلاف، عليهما ان يعرفا كيفية حله، بمعنى اذا انزعج طرف من الآخر، فعليه أن يكلمه بشكل صريح ومباشر عن سبب انزعاجه من دون اجمال، فيقول الزوج لزوجته مثلاً: <لقد زعجتني بهذا الأمر تحديداً> ولا يجمل بكلامه كل تصرفاتها، وتقول الزوجة للزوج: <لقد خيبت أملي مثلا في هذه المسألة> من دون ان تشمل كل تصرفاته ايضا، وهذا كفيل بإيضاح الأمور وجعلها بعيدة عن اي تراكم.

بين اسباب الطلاق ايضاً، من هم مقتنعون بمبدأ ان الانسان غير مفطور على شريك واحد بمعنى انه لا يمكن ان يكتفي به، وعلى الرغم من ذلك يلجأون الى الارتباط. وانطلاقاً من ذلك، فإن على كل مقدم على الزواج ان يطرح على نفسه هذا السؤال: <هل عليّ ان اقدم على هذه الخطوة وهل سألتزم فعلا؟ً>.

صورة-2-الخلافات-الزوجية ويضيف كلاس :

– لا يمكن ان نغيّب سببا اضافيا للطلاق، ونواجهه ايضا، وهو الحسد بين الثنائي الواحد، واخطر ما فيه عندما ينقلب الى تهشيم الآخر وتحطيمه. وفي هذا المجال المرأة اقوى من الرجل اذ مع اهانتها وتحطيمها من قبل الرجل تتحدى ذاتها والآخرين فتبرع بعملها وبكل ما تقوم به لاثبات العكس، وعندما يبدأ هذا التحطيم تكون المسألة بين الثنائي قد بلغت ذروتها وتترك آثاراً لا تمحى في ذاكرة الاولاد. فالولد يتمثل بأبيه في سن معينة والبنت بأمها، ولما يسمع الاولاد ما يقوله الاهل لبعضهما البعض تنهار الصورة التي رسموها لكل منهما وتكون الكارثة. وأود ان أشير الى ان التهشيم قد لا يكون باللفظ والكلمات الجارحة فقط انما بالتهميش والاهمال وبعدم الانتباه لتفاصيل صغيرة تتغير عند الآخر، خصوصاً لدى المرأة كعدم ملاحظة زوجها لتسريحتها الجديدة او ثوبها الى ما هنالك. وبما ان المرأة بطبعها رومانسية وتحب سماع هذه الاطراءات، فإنها ستتوقف عندها اذا ما افتقدت اليها من قبل الزوج، وعندما تسمع اطراء لها من قبل اي زميل او صديق، فقد تفتح الباب الى ما هو أبعد. وللاسف، وبعد ان تكون المرأة مترددة، فإنه عند الخيانة للمرة الاولى تصبح الثانية اسهل وهكذا دواليك.

واستطرد يقول:

– وبـــــغير الحســـــد بين الثنـــــائي، هنــــاك الحســـــد والغـــــــيرة مـــــن الاقارب او الجيران او الزملاء، وتكون النظرة الى الآخر نظرة مقارنة الى ما يعمل وما يملك وما يتصرف به، ما يقض عيش الثنائي ايضا ويجعله ينهار…

دولار.. وجنس!

ــ وماذا عن الاسباب المادية؟

– قد تتفاجأون انها تأتي في آخر سلم الاسباب يقول كلاس، وقد بينت الدراسات ذلك. العلاج الاهم، وفقاً للخبير في مشاكل الثنائي والعائلات، يبدأ من التواصل الصحيح. مهمته مع الثنائي الذي يقصده تعليمه كيفية التواصل مع الآخر للوصول الى نتيجة، والى بلوغ حل رضائي بغير الكثير من الجلسات التي تطلبها المحاكم الروحية لمحاولة التوفيق بين الطرفين قبل الانفصال وهي عادة بغير ذي جدوى بالنسبة له، لأنه عند الوصول الى هذه المرحلة تكون الحالة صعبة الترميم، في حين ان الثنائي الذي يقصد مختصاً للمساعدة في عدم الوصول الى مرحلة الطلاق يكون فعلاً خائفاً على العلاقة من الانهيار وكثيراً ما يصل الى نتيجة ايجابية.

ــ تبقى الحياة الجنسية بين الزوج وزوجته، أين تأتي هذه في سلم طلبات الانفصال؟

– التباعد او النفور الجسدي يقول كلاس يكون نتيجة وليس سبباً، فعندما تتراكم المشاكل تموت الرغبة، كما ان وسائل التواصل وغيرها تتيح للشريك ان يجد البديل بلحظات بحجة انو <قرفان حياتو> وهذا مفهوم شرقي يتاح فيه للرجل ما لا يسمح للمرأة. ومع علاقة الجنس قبل الزواج التي باتت نوعاً ما طبيعية لدى الكثير من الثنائيات، فإن التغيير الذي يعيشه هؤلاء من علاقة جامحة ما قبل الزواج الى عادية بعده، تجعلهم غير مكتفين.

 

 الحل..

 

بالنسبة للمترددين حيال زواج يدوم الى الابد، ارى ان الحل المثالي والذي لن يرضي الكثيرين، هو الزواج المدني بحسب عقد لخمس سنوات يجدد عند رغبة الطرفين به، وفي هذه الحال نرى الكثيرين من الازواج يحرصون على البقاء سوياً ويعيشون هاجس ترك الشريك فتكون حياتهم سعيدة. كذلك فإن الحب بين الطرفين يتطلب صيانة وعملاً دورياً، ومن الجيد ان يقتطع الثنائي المال والوقت له وحده بعيداً عن العائلة والاولاد، مع عدم التغاضي عن استعانة ضرورية بمختص في هذا المجال، وهذا ما يتطلب تواضعاً من الثنائي، ومن الرجل بشكل خاص. وهنا اود ان اذكر بالصرخة الكبيرة التي اطلقها قداسة البابا في <السينودوس> من اجل العائلة العام الماضي، داعياً الى التعاون مع ذوي الاختصاص من خارج رجال الدين ايضاً لمواكبة الثنائيات، وبشكل محدد تلك التي لم يمض على زواجها اكثر من خمس سنوات.