16 November,2018

الصين تغزو العالم اقتصاديا و”ترامب“... يتفرج!

بقلم خالد عوض

trump

كلام كثير قيل عن جولة <ترامب> الاسيوية ومدى نجاحه (أو فشله) في ترجمة سياسته التجارية التي حملها عنواناً وطنياً اسمه <أميركا أولاً>. الكثيرون علقوا أنه كان ضحية مضحكة للرئيس الصيني <شي جين بينغ> الذي يعمل من خلال استراتيجية اقتصادية متكاملة، بينما يفتخر الرئيس الأميركي بأنه يعتمد على إلهامه الشخصي في قراراته.

ولكن هناك بعض المعطيات الاقتصادية التي تؤكد أن الصين ماضية في سياستها التوسعية وأن وجود رئيس أميركي بشخصية <ترامب> وأدائه يساعدها في ذلك.

البداية من رقم قياسي تجاري حققته شركة <علي بابا> المتخصصة في تجارة التجزئة على الإنترنت، فقد أعلنت الشركة أن مبيعاتها في يوم <العزوبية>، الذي يحتفل به الصينيون في تاريخ ١١ تشرين الثاني (نوفمبر) من كل سنة، وصلت إلى ٢٥,٣٥ مليار دولار، في يوم واحد، كما تمكنت منافستها الصينية الأخرى <JD.COM> من تحقيق مبيعات فاقت ١٩،١ مليار دولار في اليوم نفسه. معظم البضائع التي بيعت على منصتي الشركتين، وفي كل أنحاء العالم، هي صينية، أي أن بضائع مصنعة في الصين بقيمة ٥٤ مليار دولار تم بيعها في ٢٤ ساعة يوم  ٢٠١٧/١١/١١.

 ولوضع هذه الأرقام في إطارها الصحيح، فقد باعت الشركتان في يوم واحد ما يقارب الناتج المحلي للبنان في سنة كاملة، كما لم تتمكن أي شركة أميركية أو أخرى في العالم، حتى <امازون> أو <أبل>، من بيع ٥ بالمئة مما باعته أي من الشركتين الصينيتين في يوم واحد. القطاع الخاص الصيني يصنع التاريخ التجاري والمالي اليوم، ومن خلال الإنترنت، ولا يسع الرئيس الأميركي إلا أن يتفرج، خاصة وان كل همه إعادة مصانع الحديد والسيارات ومحطات الكهرباء القائمة على الفحم الحجري إلى الولايات المتحدة.

منذ سنتين أطلقت الصين استراتيجية <صنع في الصين ٢٠٢٥>، وتهدف إلى أن يكون المكون الصيني لا يقل عن نسبة ٧٠ بالمئة من كل المنتجات الصناعية والتجارية وذلك عن طريق عدة مسارات، أهمها الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الإنتاج والتصنيع. اليوم تعتمد الصين كثيراً على المكون الأميركي أو الألماني أو الياباني في معظم صناعتها ولا يتجاوز المكون الصيني نسبة ٣٠ بالمئة من البضاعة المصنعة في الصين. صحيح أن شركات مثل <أبل> و<جنرال الكتريك> وغيرها تصنع معظم ما لديها في الصين ولكنها لا تزال تعتمد على مواد وتكنولوجيا غير صينية في أكثر من ٦٠ بالمئة من بضاعتها.

ولكن أن تقفز النسبة الصينية إلى ٧٠ بالمئة خلال سبعة اعوام، يعني ببساطة أن الصين أصبحت من دون أدنى شك القوة الاقتصادية الأولى في العالم، خاصة إذا استمر القطاع الصيني الخاص المتمثل بشركات مثل <علي بابا> في غزو الأسواق العالمية بالمنتجات الصينية كما يحصل اليوم، وإذا نجح أيضا الرئيس الصيني في أن يحقق حلم <طريق الحرير> الذي يربط الصين برياً وبحرياً بالغرب.

همّ الصين الأول اليوم هو التربع على عرش الاقتصاد العالمي عام ٢٠٢٥. تريد غاز إيران وروسيا ونفط السعودية، لذلك لا مصلحة لها نهائياً في أن تتأثر إيران والسعودية بحروب يمكن أن تهدد امداداتها من الطاقة، وفي الوقت نفسه تريد أن يكون لديها ما يكفي من النفوذ حتى تضمن وصول هذه الطاقة إليها بالأسعار المنافسة، لذلك لن تسمح الصين بأن تنفجر الحرب الكبيرة في الشرق الأوسط إذا كانت هذه الحرب ستؤثر على <صنع في الصين عام ٢٠٢٥>. وفي الوقت نفسه فإن شركات النفط والغاز الصينية تنتشر في العالم تنقيباً واستثمارا حتى تضمن قدرة نسبية على لجم الأسعار إن هي جمحت. بالإضافة إلى كل ذلك فإن المخزون الاحتياطي الصيني من النفط تجاوز ٧٥٠ مليون برميل مؤخراً أي أنه أصبح يفوق المخزون china president الأميركي من النفط، مما يعني أن الصين أصبح بإمكانها التحكم على طريقتها بأسعار النفط، وربما أكثر من الولايات المتحدة أو <اوبيك>.

في موازاة ذلك هناك بيان مالي صادم آخر صدر منذ أيام. مجموع دين الحكومات في العالم تجاوز ٦٣ ألف مليار دولار مما يساوي أكثر من ٧٥ بالمئة من الناتج المحلي العالمي بعدما كان اقل من ٥٥ بالمئة منذ عشر سنوات. من الواضح أن الدين الحكومي ينمو بوتيرة أسرع من الناتج المحلي. ومن خلال التدقيق، يتبين ان اقتصاد الولايات المتحدة تراجع إلى اقل من ٢٥ بالمئة من اقتصاد العالم بينما أصبح دينها أكثر من ٣٢ بالمئة من مجموع الدين العالمي. صحيح أن الحكومة الصينية تحمل هي أيضاً دينا يناهز ٥ آلاف مليار دولار، وهو ربع دين الولايات المتحدة، ولكنه بمعظمه داخلي. وفي المقابل عاد الإحتياطي الصيني من العملات الأجنبية إلى الإرتفاع وتجاوز في الشهر الماضي ٣١٠٠ مليار دولار. الولايات المتحدة تحمل ثلث الدين العالمي بينما اقتصادها هو ربع الاقتصاد العالمي، فيما الصين تحمل اقل من ١٠ بالمئة من الدين العالمي (من دون احتساب ما لها من احتياطي) بينما اقتصادها تجاوز ١٥ بالمئة منه.

كل الأرقام تؤكد أننا نشهد تحولا بنيويا في الاقتصاد العالمي يسرع فيه أداء الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> ويؤكد على وجوده الرئيس الصيني <شي جين بينغ>.

حسب ما تجري به الأمور اليوم، وعلى كل الصعد، سيأتي عام ٢٠٢٥ لنسمع الصين تقول إلى اقتصاد العالم بلغة <علي بابا>: <إفتح يا سمسم>!