22 June,2018

الصين تربح الجولة تلو الأخرى على الولايات المتحدة الأميركية!

 

بقلم خالد عوض

emmanuel macron

العالم اليوم يشهد على إعادة تمركز الدور السياسي والاقتصادي الأول في العالم حول الصين. أحداث الأسبوع المنصرم تشير بقوة إلى ذلك في وقت تعاني الولايات المتحدة، القوة العالمية الأولى حتى اليوم، من تخبط كبير في السياسة الخارجية.

 

فرنسا والحرير المعولم

البداية من زيارة الرئيس الفرنسي <إيمانويل ماكرون> للصين، فهي لا تحمل فقط البعد الفرنسي – الصيني، اذ ان <ماكرون> اليوم بدأ يملأ مركز الزعامة الأوروبية، الذي تخسره المستشارة الألمانية <انجيلا ميركل> بسبب ضعفها الداخلي وعدم قدرتها على تشكيل حكومة ائتلافية مقنعة للألمان وللأوروبيين. الأزمة السياسية في ألمانيا ليست عادية لأن المستشارة القوية، التي أعيد انتخابها في أيلول (سبتمبر) ٢٠١٧ ولا زالت عاجزة بعد أربعة شهور عن تشكيل حكومة، تبدو وكأنها في آخر مرحلة من حياتها السياسية. ومع المشاكل المتعددة التي تضعف رئيسة الوزراء البريطانية <تيريزا ماي> وليس آخرها كلفة خروج بريطانيا من أوروبا، يظهر الرئيس الفرنسي اليوم وهو الآتي على حصان انتخابات داخلية كاسحة رئاسياً وتشريعياً أنه المحاور الأوروبي الأول للصين. أمامه ما يقارب خمس سنوات من الحكم، مثله مثل الرئيس الصيني <شي جين بينغ> الآتي هو أيضا من انتخابات الحزب الحاكم بتفويض شبه مطلق. الرئيسان يعلمان أن حوارهما يمكن أن يستمر عدة سنوات، وهذا لا ينطبق لا على الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> ولا على المستشارة الألمانية ولا على رئيسة الوزراء البريطانية.

<ماكرون> إذاً يتحدث بإسم ٥٠٠ مليون أوروبي مع رئيس المليار و٤٠٠ مليون صيني لإقناعه بدور أوروبي أكبر وأكثر تساويا في طريق الحرير مع أهمية أن يمر الحرير بفرنسا التي كانت مستثناة منه إلى حد كبير. وأهم ما صدر عن <ماكرون> هو الهجوم على الإنغلاقية التجارية، التي يبشر بها <ترامب>، ورفع شعار <لنجعل الكرة الأرضية عظيمة> وليس فقط أي بلد في العالم. انها الرسالة الفرنسية القوية إلى الولايات المتحدة أن اتجاه البوصلة الأوروبية بدأ يميل إلى الشرق.

 

President Of Mauritania Mohamed Ould Abdel Aziz Visits Chinaالجليد الأولمبي كسر الجليد السياسي بالحرارة الصينية

 

تسارع التطورات الإيجابية بين كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية لا يمكن أن يأتي من دون غطاء صيني يدفع الرئيس الكوري الشمالي العنيد إلى طاولة المفاوضات. اغتنام فرصة الألعاب الأولمبية الشتوية التي ستجري في مقاطعة <بيونغ تشانغ> الكورية الجنوبية كان المدخل ليجلس الطرفان ويكسرا الجليد السياسي المستمر منذ ١٩٥٠ والذي كاد أن يتطور إلى حرب منذ عدة اسابيع. المفاجأة لم تكن قدرة الصين على دفع <كيم جونغ أون> إلى التنازل بقدر ما كانت الترحيب الكوري الجنوبي وعدم الاكتراث بما يمكن أن يسببه ذلك من إحراج وإضعاف للدبلوماسية الخارجية الأميركية في آسيا. يبدو المشهد اليوم وكأن الكوريتين جاهزتان بل <مسرورتان> للتفاوض في غياب أي دور للولايات المتحدة. هذه الصورة ستتلقفها عدة دول اسيوية وستبني على الدور الصيني الجديد والمتناهي الفعالية مقتضاه. المحجة الأولى لآسيا ستكون <بيجينغ> وليس <واشنطن>.

القاعدة العسكرية الصينية الثانية بعد جيبوتي؟

عندما أعلن الرئيس الأميركي عن وقف المساعدات المالية الأميركية إلى باكستان لأنها تدعم الإرهاب، كان يظن على الأرجح أن هذا سيخيف الباكستانيين ويجعلهم أكثر قبولا للشروط الأميركية بوقف الزحف الصيني في باكستان ولكن النتيجة جاءت معاكسة تماما. فرغم النفي الصيني يبدو أن الكلام عن قاعدة بحرية صينية في منطقة <جيواني> الباكستانية بالقرب من الحدود الإيرانية ليس فقاعة إعلامية لأن هذه المنطقة تعتبر استراتيجية جدا بالنسبة لطريق الحرير الصينية، فهي تشرف على المحيط الهندي وتعتبر نقطة رصد لكل البضائع المتجهة إلى آسيا ومنها النفط الخليجي. مثلها مثل <جيبوتي> المشرفة على باب المندب والبحر الأحمر حيث انشأت الصين قاعدتها العسكرية الأولى. وإذا تأكد أن الصين ستبني فعلا قاعدة بحرية في <جيواني>، فذلك يعني أن الصين ستحمي طريق الحرير بالحديد والنار وليس فقط بالدبلوماسية التجارية.

من الواضح أن الصين تكسب الجولات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية الواحدة تلو الأخرى بينما التخبط هو سيد الموقف في الولايات المتحدة. ولا يمكن بعد ما نشهده اليوم، في آسيا خاصة، أن لا نتنبه إلى الزحف الصيني ولو عن طريق الحرير إلى الصدارة العالمية، وهذا ستكون له مفاعيل كبيرة في الشرق الأوسط والعالم العربي الذي لن يتأخر، ولو بعد بضع سنوات، عن اللحاق بالدرب الصيني رغم الإلتصاق العسكري والنفطي الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. الصين تحكم قبضتها اليوم على آسيا ولكنها في غضون سنوات ستصبح عندنا وتذكرنا بالقول المأثور: <اطلبوا <الحل> (وليس العلم فقط) ولو في الصين>!