19 September,2018

الصين تبني أفريقيا.... بالمساجين!

 

بقلم خالد عوض

قد يكون حدث الأسبوع هو تخطي قيمة شركة <أمازون> المنصة العالمية الأولى للتجارة الإلكترونية حاجز الألف مليار دولار أو التريليون وانضمامها لشركة <آبل> التي كانت وصلت قيمتها السوقية هي أيضا إلى الألف مليار دولار منذ بضعة شهور. فعندما يصبح حجم شركتي تكنولوجيا أميركيتين قريبا من حجم إقتصاد فرنسا أو بريطانيا، وأكبر من كل الإقتصادات العربية مجتمعة يعني أن المستقبل يحمل شكلا مختلفا بمقاييس كثيرة عن الواقع الحاضر. هناك شركات اليوم أكبر بكثير من دول كبرى وعندها نفوذ تجاري وإقتصادي ومالي يمكن أن يهز أنظمة بكاملها.

ولكن الحدث الآخر الذي لا يقل أهمية  هو إعلان الرئيس الصيني <شي جين بينغ> خلال <منتدى التعاون الصيني – الأفريقي> المنعقد في العاصمة <بيجينغ> عن رزمة إضافية تصل إلى ٦٠ مليار دولار من القروض والمساعدات والإستثمارات الصينية الجديدة للقارة السمراء.

إعلان الرئيس الصيني عن مزيد من الديون والمنح لأفريقيا لم يلق صدى إيجابيا لا في الصين ولا في الكثير من الدول الأفريقية، فهناك عدد كبير من الصينيين على المستوى السياسي وحتى الشعبي يعتبرون أن الداخل الصيني <أولى بالمعروف> وأن مشاكل الصين المتعددة يجب أن تحظى بالأولوية على دول العالم الأخرى. والكلام على مواقع التواصل الإجتماعي التي تتعرض للكبت المستمر هو أنه لو أنفق في الداخل الصيني ربع المبالغ التي تحولت إلى أفريقيا  لكانت حياة عشرات ملايين الصينيين تحسنت بشكل ملحوظ. التململ الشعبي في الصين لا يبدو ظرفيا بل يبدو من خلال التقارير الغربية أنه يمكن أن يأخذ مسارا تصاعديا ويخفف من الدفع العالمي لمشاريع الرئيس الصيني.

أما أفريقيا فحجم الديون الصينية والطريقة الاستدراجية التي يجر بها الصينيون الأفارقة إلى مزيد من الديون مقابل مشاريع البنية التحتية ورزم الدعم المتنوعة التي يعرضونها عليهم تشير إلى أحد أمرين لا ثالث لهما: إما أن تستولي الصين على المرافق الحيوية لهذه الدول عندما يتبين أنها غير قادرة على الوفاء بديونها، تماما كما حصل مع <سري لانكا> التي اضطرت للتنازل عن ميناء <همبطوطة> الإستراتيجي بعد أن عجزت عن تسديد الديون المترتبة لشركة صينية على المرفأ، أو أن تتسامح الصين ببعض الديون والفوائد مقابل إنفتاح أكبر للأسواق الأفريقية أمام السلع الصينية وتقوية النفوذ الصيني فيها بشكل عام.

فن الإلتفاف الصيني على الفساد في أفريقيا!

حتى الآن نجح الصينيون في مغامرتهم الأفريقية بشكل عام رغم ملاحظات كثيرة على ادائهم في عدة دول ورغم التفاوت الواضح في النتائج بين دولة أفريقية وأخرى. اسلوبهم جلي تماما: هم يعرضون مساعدات وديونا وإستثمارات عبر تنفيذ مشاريع معينة في الزراعة والطاقة والبنية التحتية، ولتنفيذ هذه المشاريع يستقدمون المساجين في الصين والمحكومين بمدد زمنية طويلة ويعرضون عليهم أن يبقوا في أفريقيا ربع المدة المحكومين بها مع تأمين السكن والغذاء لهم مقابل العمل مجانا في المشروع التي تمنحه أو تقرضه الصين لدولة أفريقية معينة. تصيب الحكومة الصينية عدة عصافير بحجر واحد. أولا تتمكن من تنفيذ هذه المشاريع بكلفة منخفضة جدا لأن العمالة شبه مجانية وبذلك لا يمكن لأي دولة أخرى أن تنافسها. ثانيا تشترط في معظم المشاريع أن تكون الشركات المنفذة صينية وأن تكون أغلبية مكونات المشروع صينية المنشأ فتعزز بذلك ميزانها التجاري. ثالثا تخفف من الضغط الكبير في السجون لديها وتعيد تأهيل المجرمين والمحكومين بأفضل وأرخص الوسائل. رابعا تحصل على نفوذ سياسي كبير في الدولة المقترضة وموطئ قدم في أفريقيا ككل خاصة أنها تحرص على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة وعلى عدم محاولة تغيير أي شيء في طريقة إدارة الدولة أو نظامها، رغم الفساد الكبير والبيروقراطية العقيمة التي تعيق العديد من الإستثمارات والمشاريع الصينية. كل هذا يأتي في إطار سياسة القوة الناعمة التي تحاول من خلالها الصين تقديم بديل إقتصادي أكثر جاذبية وأقل سلطوية من الولايات المتحدة.

استراتيجية <شي> العربية!

من الواضح أن الكلام الصيني حول طريق الحرير وكل المفردات المستخرجة منه يصب في مكان واحد: فتح المزيد من الأسواق العالمية أمام البضائع الصينية لتمتين النمو الإقتصادي الصيني الذي لا زال يجاور مستوى أقل بقليل من ٧ بالمئة. وبعد أن توسع النفوذ الصيني في آسيا وأفريقيا، وبعدما تمكن الرئيس الصيني <شي جين بينغ> من نسج علاقات إستراتيجية في أوروبا وأميركا اللاتينية، حان دور الشرق الأوسط ليدخل هو أيضا في نطاق حزام طريق الحرير الصينية، ويبدو أن الصين اختارت الدخول إلى العالم العربي من خلال بوابتين اساسيتين: مصر من الغرب والكويت من الشرق، فمصر هي أكبر دولة عربية ومدخل مهم إلى شمال أفريقيا وحتى أفريقيا كلها، وفي مصر إنخرطت الشركات الصينية تحت إشراف الجيش المصري في مشاريع عملاقة منها المدينة الإدارية الجديدة. وفي الكويت تستعد الشركات الصينية للمساهمة في تطوير جزيرة <بوبيان> والمشاركة في مشروع مدينة الحرير الذي تقدر كلفته بمئات مليارات الدولارات. وكما هي مصر بوابة إستراتيجية للعالم العربي من الشرق ولأفريقيا من الجنوب والغرب، تبدو الكويت المكان الأكثر حيادا في كل ما يجري في المنطقة وأفضل بوابة إلى الخليج وإلى العراق وربما إلى سوريا في المستقبل. هذا لا يعني أن الصين لن تستثمر في دول أخرى مثل الإمارات ولكن يبدو من حركة الشركات الصينية أن الثقل الإستثماري سيكون في الكويت ومصر.

رزمة الثلاثة وعشرين مليار دولار المخصصة للعالم العربي والتي اعلنها الرئيس الصيني في تموز (يوليو) المنصرم لن تكون كل ما ستأتي به الصين للعرب. هناك عدة مؤشرات تؤكد أن الصين بدأت فعلا بالتوسع إقتصاديا في المنطقة وأن السنوات الخمس المقبلة ستنقلها من دولة محدودة التأثير في العالم العربي إلى صاحبة أكبر نفوذ إقتصادي ومالي في المنطقة.

المهم أن لا ترسل المجرمين إلينا!