13 November,2018

«الصوت الواحد» حسم فوز الرئيس سليمان فرنجية (الجد) عام 1970، فهل يعيد التاريخ نفسه مع سليمان (الحفيد) ؟

بقلم صبحي منذر ياغي

1      <وقت اللي طلّ القمر من بيروت جانا الخبر، سألنا أيش في يا بشر؟ قالوا <أبو طوني> انتصر.. اعتزّوا يا لبنانيي بالأخوين فرنجيّة الأوّل جاب الإستقلال والثاني الجمهورية>

هذا ما رددته المسيرات الشعبية الزغرتاوية ليلة فوز إبن زغرتا الراحل سليمان فرنجية في انتخاب الرئاسة عام 1970.

فمنذ ان طُرِح إسم النائب سليمان فرنجية كمرشح رئاسي أوفر حظاً بمبادرة من الرئيس سعد الحريري، وبعد أن تحدثت الأوساط عن لقاءات جرت في باريس بين <الزعيمين> في منزل أحد رجال الاعمال اللبنانيين، انصرف البعض الى ربط الحاضر بالماضي مستذكراً الوقائع والمراحل التي رافقت جلسة انتخاب الرئيس الراحل سليمان فرنجية (الجد) في شهر آب/ اغسطس1970.. فهل يعيد التاريخ نفسه؟ ويدخل لبنان في زمن سياسي آخر بين <الجِد> و<الحفيد>؟

عام 1960 انتُخب سليمان قبلان فرنجية كعضو في المجلس النيابي، خلفاً لأخيه حميد، وأُعيد انتخابه سنة 1964 و1968. وهو سياسي ينتمي إلى عائلة سياسية عريقة، تأهل من السيدة إيريس هنديلي (مصرية الجنسية)، ولهما: لمياء الدحداح، صونيا الراسي، مايا مونارشا، طوني (اغتيل عام 1978)، وروبير. وقد تولى سليمان فرنجية عدة وزارات قبل انتخابه رئيساً للجمهورية، آخرها وزارة الاقتصاد.

عُقدت جلسة الانتخاب في قاعة المجلس النيابي عام 1970 بعدما قاربت ولاية الرئيس شارل حلو الرئاسية على الانتهاء، وكانت الشهابية، وقد أصبحت بمنزلة تيار سياسي وعُرفت باسم <جماعة النهج>، قد اتخذت موقفاً سلبياً من الرئيس حلو حيث اعتبرته انه لم يلتزم (بالنهج الشهابي) الذي أوصله الى كرسي الرئاسة في القصر الجمهوري، لذا بدأت <جماعة النهج> بالتحضير للمعركة الرئاسية من خلال ترشيح حاكم مصرف لبنان الياس سركيس الشهابي الالتزام، بينما رشح <الحلف الثلاثي> الماروني الشيخ بيار الجميل الذي كان واحداً من أعضاء هذا الحلف الذي ضمه مع الرئيس كميل شمعون وريمون اده.

5

صوت الشعب

في 17 آب/ اغسطس عام 1970، عُقدت جلسة الانتخاب الرئاسية في قاعة المجلس النيابي، في أجواء سياسية محلية ضاغطة، ووسط تشنج اقليمي في عز المد الناصري، وكان الجو السياسي الداخلي ملبداً بمواقف معارضة للشهابية وخاصة على الساحة المسيحية، وعندما وجد الحلف الثلاثي ان الأمل بفوز مرشحهم الشيخ بيار الجميل بات ضئيلاً اتجهوا للتصويت للمرشح سليمان فرنجية بعد اجتماع تاريخي في فندق <فاندوم> بين الرئيسين كميل شمعون وصائب سلام، فيما توزعت أصوات كتلة الزعيم كمال جنبلاط ما بين مرشح الشهابية الياس سركيس وسليمان فرنجية.

99 نائباً كان عدد النواب يومذاك، فانقسموا عمودياً حيث أعطى 49 منهم أصواتهم لفرنجية، و49 أعطوا أصواتهم لحاكم مصرف لبنان الياس سركيس. بقي الصوت الحاسم الذي كان للزعيم كمال جنبلاط الذي صوّت لفرنجية وحسم فوزه، فسماه الراحل غسان تويني <صوت الشعب>.

صبري حمادة.. يرفض النتيجة

رفض رئيس مجلس النواب الرئيس صبري حماده النتيجة، وهو المحسوب مع رئيس الوزراء رشيد كرامي على الشهابيّة، معتبراً إن الرئيس يجب أن يحوز ثلثي أصوات المجلس، أي 66 صوتاً.. على الأقلّ، وانسحب من رئاسة الجلسة فحل مكانه نائبه ميشال ساسين وأعلن فوز فرنجية، حسب ما ذكره الوزير روني عريجي، مؤلّف وموثّق كتاب <رئيس من الشعب> حيث قال: <فما أن يستقرّ وعي المعارضة على معنى الطعن بالنتيجة حتى تتوتّر الأجواء ويعلو الصياح، ويلجأ بعض النواب خوفاً إلى تحت الكراسي، فيما تظهر المسدّسات والبنادق والرشّاشات، ويسري خبر ما يجري في البرلمان إلى الخارج، فتلتهب السماء بالرصاص، قبل أن يؤوب المشرّعون جميعاً إلى رشدهم ويقرّوا لابن الشمال سليمان فرنجيّة بأن يكون الخامس في ترتيب رؤساء الجمهورية اللبنانية منذ الاستقلال>. وهبّت جماهير غفيرة إلى الشوارع تعبّر عن فرحتها بفخامة الرئيس سليمان بك فرنجية. لعلع الرصاص. مئات آلاف الطلقات. أحدهم أضرم لفرحته النيران في سيارته عند مدخل زغرتا، وآخر <إهدني> استقدم خبيراً بالتفجير فظلّ دوي متفجّراته يُسمع إلى ما بعد منتصف الليل. وعندما سُئلت سونيا فرنجية كريمة الرئيس عمّا يتميّز به والدها قالت: <قلبه الطيّب>.

6مزارع وماهر بالـ<محبوسة>

 

واعتبر الزميل فؤاد دعبول ان انتصار فرنجية كان الانتصار الديموقراطي الأوّل على تدخّلات <المكتب الثاني> الذي كان نواة النهج الشهابي. ويصف فرنجية بأنه مزارع ورجل أعمال، وأوّل من نصب تفّاح <الغولدن> و<الستاركن> في إهدن والزاوية، وقد بدأ حياته السياسية نائباً سنة 1960، وشغل مناصب وزارية، ومن ألقابه: <أبو طوني> و<الشايب> إلى جانب <البيك> و<سيدنا>. شقيقه الأكبر حميد فرنجية وزير خارجية سابق ومرشّح للجمهورية منافساً لكميل شمعون عام 1952. أبوه قبلان فرنجية نائب سابق، جدّه سليمان مدير الناحية في العصر العثماني. يحبّ الخيل، يرتاح لحركتها، يؤنسه صهيلها. يفضّل المجدّرة والسليق والكشك وكبّة الراهب. تطربه الأغنيات الجبلية والفلكلور كمثل أبو الزلف، العتابا والميجانا. هو ماهر بالـ<محبوسة>. وعلى لسانه دائماً <الله يرضى عليك> و<يرحم أبوك>. وهو ذاته الذي انتدبه العرب متحدّثاً باسمهم في دورة فلسطين لعام 1974 في الأمم المتّحدة، وهو ذاته الذي وقف بضراوة ضدّ مخطّطات وزير الخارجية الاميركي <هنري كيسنجر> وموفده <دين براون>، وهو ذاته أصبح غسل الكلى في عهده على نفقة وزارة الصحّة، وهو ذاته صاحب الشعار الشهير: <وطني دائماً على حق>.

قضية طائرة <الميراج>

3  

أسباب عدة برأي البعض أدت الى فوز فرنجية، منها النقمة على النهج الشهابي، ومن بينها إرتدادات ما عُرف بقضية طائرة <الميراج>، يوم حاولت المخابرات الروسية خطف طائرة <ميراج> من لبنان لمعرفة اسرارها الحربية من خلال محاولتها تجنيد الضابط الطيار محمود مطر الذي تصرف وفق ضميره الوطني والعسكري وأبلغ <المكتب الثاني> اللبناني بالمخطط الروسي الذي قام رجاله ومن بينهم الضابط سامي الخطيب (النائب السابق) بعملية نوعية أدت الى إفشال المخطط واعتقال أحد الديبلوماسيين الـــــروس وإصابــــــة آخــــر حــــاول المقاومة خلال اقتحام الشقة في كورنيش المرزعة من قبل عناصر <المكتب الثاني> حيث كانت تجري عملية التخطيط للتنفيذ.

يومئذٍ قامت <قيامة> الزعيم كمال جنبلاط ولم تقعد، متهماً <المكتب الثاني> بتلفيق القضية لتشويه صورة الاتحاد السوفياتي، كونه الداعم للرئيس جمال عبد الناصر والقضايا العربية، كما ابدى الرئيس جمال عبد الناصر استياءه إزاء المسألة واستنكر محاولة التشهير بالاتحاد السوفياتي.

تدخل اقليمي

 

لذا يرفض الزميل نقولا ناصيف اعتبار البعض ان انتخابات الرئاسة عام 1970 كانت الانتخابات الوحيدة التي لم يحصل فيها تدخل خارجي اقليمي او دولي بغية فرض المرشح وبرأيه ان هذا القول غير دقيق، لان 4انتخابات 1970، شأن سواها، أدركها التدخل الخارجي لكن بشقين مستورين: أولهما دور أداه السفير السوفياتي آنذاك <سرغار عظيموف> لتأليب كمال جنبلاط ضد مرشح الشهابية، فأتاح تشتيت اصوات نوابه الثمانية مناصفة بين المرشحين المتنافسين. ثانيهما انكفاء غير مسبوق للناصرية للمرة الاولى منذ عام 1958عن تأييد مرشح الشهابية، للسبب نفسه الذي اباح تدخل <عظيموف>، وهو كشف محاولة الاستخبارات السوفياتية خطف طائرة <ميراج> لبنانية قبل سنة في ايلول 1969. وفي لغة اليوم كان هناك «فيتو> اقليمي ـــ دولي على انتخاب سركيس. وانتهى استحقاق 1970 بمنافسة ديموقراطية غير مألوفة، لكن بحد أدنى من النزاهة. وحالما انسحبت الناصرية حتى ولج المال الى اللعبة لشراء الاصوات بإرادة الطرفين على السواء. كان من السهل آنذاك شراء صوت نائب بـ25 ألف ليرة لفك ضائقته.

وقيل في انتخابات 1970، إنها الانتخابات الوحيدة التي شهدت ثلاث دورات اقتراع عبّرت عن اصرار النواب على حصول الانتخاب بأي ثمن. وهو قول غير دقيق كذلك، لان الدورة الثانية من الاقتراع التي ألغاها رئيس المجلس صبري حمادة اعتُبرت باطلة بعد اكتشافه أن عدد اوراق الاقتراع أكثر من عدد النواب المقترعين (100/ 99)، فقد عُزي السبب الى العميد ريمون اده الذي مزّق ورقة اقتراعه إلى اثنتين، بعدما ابصر النائب احمد اسبر، عضو كتلته، يغمز حمادة اشارة منه الى اقتراعه لسركيس. القى اده الورقتين وأعطب التصويت، فذهب البرلمان الى دورة اقتراع ثالثة. طلب «العميد» من النائب سايد عقل الجلوس قرب اسبر ومراقبته لحظة الاقتراع، بعدما همس له بالتزام قرار الحزب التصويت لفرنجية. لم تكن الدورة الثالثة سوى دورة ثانية فحسب، أبرزت وطأة التنافس بين الكتل، وهامش مناورة أوسع من المفترض لمنع إحداث اختراق في الحسابات المتوقعة.

وبرأي ناصيف ان استحقاق اليوم، في حدته المارونية، فيه بعضٌ من انتخابات 1970: الزعماء الموارنة الاربعة، الرئيسان أمين الجميل وميشال عون والنائب سليمان فرنجية والدكتور سمير جعجع، يريد كل منهم ان يكون الرئيس وهو لا يملك حظ الوصول، ولا يريد في المقابل وصول أي من الثلاثة الباقين. وخلافاً لـ«الحلف الثلاثي» حينما كان الزعماء المسيحيون شركاء، ينقسم موارنة اليوم مناصفة بين فريقي 8 و14 آذار. 7لا يريد بعضهم بعضاً، ولا يقبلون احداً من خارجهم، ولا يبدون مستعدين للتوافق على خامس، ولا يجدون كاثوليكياً يفتي الحلّ.

جاء قوياً وخرج ضعيفاً

أما جوزف باسيل فاعتبر ان سليمان فرنجية جاء رئيساً قوياً بفارق صوت واحد، وخرج ضعيفاً مهجّراً كالجمهورية، لم تشفع صداقته لحافظ الأسد بإنقاذ لبنان، واغتيال ابنه طوني أمعن في انقسام الموارنة. محطتان فاصلتان في الحياة السياسية للرئيس سليمان فرنجية:انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1970 بفارق صوت واحد في مواجهة الشهابية فاعتُبرت اكثر الانتخابات ديموقراطية بعيداً عن التدخلات الخارجية، واغتيال ابنه طوني في حزيران / يونيو يومئذٍ عام 1978، كشحتا نقطة مظلمة سابقة هي مجزرة كنيسة <مزيارة> التي أُلصقت به تهمة التسبب بها. لم يشفع له شعار اطلقه هو <وطني دائماً على حق> في الحؤول دون تأليب السياسيين عليه، حتى اصدقائه، وضاعت حقوق الوطن حتى وصل الى شفير الهاوية. حاول فرنجية ان يحافظ على شعاره، لكن، ويا للأسف، تفتت الوطن في عهده <كانتونات> طائفية وتشتت اللبنانيون وتهجروا، وترنح الوطن وما زال. فليس سهلاً انشاء وطن والمحافظة عليه في ظل مجموعة عشائر وطوائف تحكمه، تحمّل اوزار <اتفاق القاهرة> ولم تكن له يد فيه. بعد ثلاث سنوات من عهده امتازت بالبهاء والثراء تتويجاً للستينات المزدهرة، كانت الاجواء الطائفية تذر بقرنها تمهيداً للحرب المقبلة على لبنان.

قد يختصر خطاب نهاية العهد الذي ألقاه الرئيس سليمان فرنجية امام خلفه الرئيس الياس سركيس رؤية رجل لنفسه ولمركزه الذي أبى ان يتخلى عنه ولو تحت القذائف، اذ قال: <اترك لك بلداً بقي حتى بعد الحرب المخيفة التي مرّت به، حراً من أي دين مالي، ومستقلاً عن كل الدول الاخرى، وهو لا يدين بشيء لأحد، ولم يوقّع اي اتفاق يقيّده بأي شكل من الاشكال. كما اترك لك مشكلة معقّدة غير محلولة، وهي القضية الفلسطينية..>. بهذا الكلام أنهى فرنجية عهده الذي شهد فيه لبنان أسوأ ايامه، حتى سقوط الدولة، وشهد اللبنانيون مآسيهم التي تحل بهم ولم يكن باستطاعتهم مواجهتها، ولا احد يساعدهم على ذلك. عهد بدأ بتفاؤل كبير 2وإنجازات كثيرة انمائية ورعائية واقتصادية وانتهى بكل ما في قاموس المآسي والمصائب من مفردات.

واليوم تتساءل أوساط اعلامية: هل يعيد التاريخ نفسه من الجدّ إلى الحفيد ويصل رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية إلى رئاسة الجمهورية رغم المطبات؟

في أيلول/ سبتمبر عام 1970 لم يتوقع أحد ان يصبح فرنجية الجدّ رئيساً للبنان. في تلك الفترة كان لبنان منقسماً إلى فريقين: الأول <كتلة النهج> التي كانت تعتمد الخط الشهابي والتي رشحت احد اعضاء الكتلة الياس سركيس، أما الفريق الثاني فعُرف بالـ<الحلف الثلاثي> وقد ضم كميل شمعون، ريمون إده وبيار الجميل، وبعد اكتساحه انتخابات عام 1968 في دوائر جبل لبنان، تمسكت في انتخابات ال70 بمرشحها للرئاسة بيار الجميل. وبين الكتلتين تشكلت كتلة الوسط التي ضمت سليمان فرنجية وكامل الاسعد وصائب سلام.

ورأت الأوساط ان موقف جنبلاط الابن اليوم شبيه بمواقف والده آنذاك التي عُرفت بالغموض رغم حيازة كمال جنبلاط في تلك الفترة وحلفائه من نواب النهج على اكثر من نصف اعضاء المجلس، يضاف إلى ذلك عدم توافقه مع كميل شمعون. <الحلف الثلاثي> ذهب يومئذٍ لانتخاب فرنجية رئيساً لكي يمنع سركيس من الفوز، بعدما فقد الحلف الأمل من مرشحه الاساسي بيار الجميل، وكلمة الحسم كانت لكتلة جنبلاط التي توزعت اصواتها مناصفة بين سركيس وفرنجية قبل ان يميل جنبلاط بصوته الى فرنجية ليأتي به رئيساً للجمهورية.

فيتو تيار <المستقبل> الآن على الجنرال عون سمح بتبني النائب سليمان فرنجية رغم انتمائه لكتلة عون وصداقته للرئيس الاسد، ومن المتوقع أن نشهد تحالفاً ثلاثياً شبيهاً بتحالف عام 1970 قد يجمع عون وجعجع والجميل للوقوف بوجه فرنجية واسقاط الغطاء المسيحي عنه، فهل يمكن لكتلة وليد جنبلاط إعادة خلط الأوراق كما فعل والده؟

وكأن التاريخ يعيد نفسه، وليد جنبلاط مؤيد لسليمان فرنجية.. والتأثير الروسي يرخي بظلاله في المنطقة، ورائحة سقوط الطائرة الروسية في سيناء ما زالت تفوح.. والمرشح اسمه سليمان… وبانتظار (صوت الشعب) .. ولكن هذه المرة لا صوت للشعب فقد اختنق بروائح النفايات.