19 September,2018

الصراع على منصب نائب رئيس الحكومة ”المعنوي“ يؤجج الخلافات بين ”القوات“ و”التيار الوطني“!

 

ميشال المر 1في كل مرة يدور البحث في تشكيل حكومة جديدة، يعود الحديث الى موقع نائب رئيس الحكومة الذي يعطى عُرفاً لطائفة الروم الأرثوذكس أسوة بموقع نائب رئيس مجلس النواب المخصص للطائفة نفسها. ولأن هذا المنصب لا أساس له في الدستور ولا في اتفاق الطائف ولا في <وثيقة الوفاق الوطني>، فإن الجدال يتجدد حول ضرورة وضع نصوص تحدد دور نائب رئيس مجلس الوزراء، أسوة بما هو حاصل في مجلس النواب حيث ان نائب رئيس المجلس ينوب عن رئيس المجلس في غيابه. صحيح ان النص <فقير> ويشوبه الغموض، إلا ان لنائب رئيس المجلس النيابي ما يشير الى دور محتمل له في حال غياب الرئيس، في حين ان لا حيثية لنائب رئيس مجلس الوزراء لا في الدستور ولا في النصوص القانونية باستثناء مرسوم تشكيل الحكومة الجديدة!

وفيما النزاع قائم بين <القوات اللبنانية> و<تكتل لبنان القوي> للحصول على منصب نائب رئيس الحكومة بعد السابقة التي أعطت هذه المنصب لـ<القوات> في حكومة العهد الأولى، تساءلت مراجع سياسية عن السبب الحقيقي لـ<استماتة> كل من الطرفين ليكون هذا المنصب من حصته الوزارية علماً انه يفتقد الى الحد الأدنى من الصلاحيات الدستورية والتقريرية التي يتمتع بها رئيس مجلس الوزراء، ولا يحظى عملياً إلا بمقر مستقل قرب ميدان سباق الخير (المقر الأساسي لمجلس الوزراء في عهد الرئيس اميل لحود) بعدما <تعذّر> تأمين جناح لنائب رئيس الحكومة في السرايا الكبير على رغم كثرة الأجنحة واتساعها!

تكريس الموقع ولو من دون صلاحيات!

وبدا من خلال <الصراع> على منصب نائب رئيس الحكومة ان المسألة مرتبطة بالاعتبارات <المعنوية> أكثر مما هي اعتبارات دستورية أو قانونية لأن <القوات اللبنانية> ــ حسب المصادر المتابعة ــ ترغب في تكريس هذا الموقع من حصتها الوزارية كما حصل مع نائب رئيس الحكومة وزير الصحة العامة في حكومة تصريف الأعمال غسان حاصباني، على أن تنتقل لاحقاً <كتلة الجمهورية القوية> الى المطالبة بـ<قوننة> هذا الموقع من خلال تحديد مهام نائب رئيس الحكومة ودوره وصلاحياته بحيث تكون مماثلة لتلك المحددة لنائب رئيس مجلس النواب ولا يكتفي صاحبه بحمل لقب <دولة الرئيس> فقط. إلا ان الماضي القريب يظهر ان محاولات <دسترة> موقع نائب رئيس مجلس الوزراء اصطدم بمعارضة قوية من الرئيس الشهيد رفيق الحريري واستمرت مع الرؤساء الذين توالوا على رئاسة الحكومة من الرئيس نجيب ميقاتي الى الرئيس فؤاد السنيورة وصولاً الى المرحوم الرئيس عمر كرامي، على أساس ان موقع رئيس الحكومة <ميثاقي> محدد عرفاً للطائفة السنية وصلاحياته لا يمكن تجييرها لنائبه الارثوذكسي لأن الدستور أعطى حقوقاً لرئيس الحكومة ولا يمكن أن يمارسها إلا من يمثل الطائفة السنية وفقاً عصام فارس 1لتوزيع المسؤوليات الوطنية على الطوائف في لبنان.

وفي هذا السياق، تقول مراجع حكومية ان نائب رئيس الحكومة يترأس غالبية اللجان الوزارية التي تشكل في مجلس الوزراء لمتابعة قضايا معينة، والرئيس عصام فارس مثلاً ترأس مئات اللجان رفعت توصيات تم الأخذ بها، وأعدت مشاريع قوانين وقرارات حظيت بموافقة مجالس الوزراء التي تولى فيها الرئيس فارس هذه المسؤولية. إضافة الى ترؤسه لوفود وزارية رسمية نفذت مهمات أساسية خارج لبنان لاسيما في الأمم المتحدة، وفي مؤتمرات دولية عدة. وتضيف هذه المصادر ان <شخصية> نائب رئيس الحكومة أقوى من النصوص القانونية إذ يستطيع بالممارسة وبالتفاهم مع رئيسي الجمهورية والحكومة لعب دور أساس في عمل الحكومة ناهيك عن حضوره السياسي الذي يكتسبه من علاقاته ودوره وصداقاته. وأضافت المصادر ان لرئيس الحكومة صلاحيات واسعة لا يمكن تجييرها لنائبه في حال غيابه ومنها على سبيل المثال لا الحصر تولي نيابة رئاسة المجلس الأعلى للدفاع، وطرح سياسة الحكومة العامة أمام مجلس النواب ووضع جدول أعمال مجلس الوزراء أو الدعوة الى عقده، وتوقيع المراسيم وصولاً الى تقديم الاستقالة… كل هذه الصلاحيات لا يمكن أن يمارسها <ميثاقياً> نائب رئيس الحكومة كي لا يحدث خللاً في التركيبة الوطنية في البلاد.

وتتذكر هذه المصادر ردود الفعل التي حدثت عندما وقع نائب رئيس الحكومة السابق ميشال المر مراسيم في غياب الرئيس سليم الحص خارج لبنان كانت من بينها مراسيم بتنفيذ حكم الاعدام بمجرمين دانهم القضاء، لاسيما وان الرئيس الحص معروف بمعارضته للاعدام. كذلك اشتملت المراسيم على مسائل ادارية وتنظيمية، إلا ان الرئيس سليم الحص اكتفى في حينه بالاعتراض ولم يشأ إثارة أزمة سياسية في البلاد لاسيما مع مطلع عهد الرئيس اميل لحود. غير ان المسألة التي تثير حفيظة المعترضين على عدم اعطاء صلاحيات واضحة ومحددة لنائب رئيس الحكومة، تتعلق بالدور الاداري لرئيس الحكومة الذي يرأس عملياً 63 مؤسسة وادارة فاعلة في الدولة، في وقت لا يملك نائب رئيس الحكومة حق التوقيع إلا على مراسلات داخلية لا قيمة دستورية لها، بينما الوزير العادي يوقع على المراسيم، وإذا كان نائب رئيس الحكومة لا يتولى وزارة، فإن توقيعه لا يظهر على أي مرسوم يصدر طوال مدة الحكومة التي هو نائب رئيسها!

لقد سعى الرئيس فارس، وقبله الرئيس المر الى وضع نصوص ترعى دور نائب رئيس الحكومة، إلا ان كل هذه النصوص ظلت مشاريع على ورق ولم تتحول الى صيغ قانونية أو دستورية، والحجة المعلنة ان الأمر يتطلب تعديل للدستور غير ممكن راهناً لأنه يمس حالة <ميثاقية> وليست حالة سياسية، يمثلها رئيس الحكومة، الأمر الذي يبقي منصب نائبه معتبراً كموقع معنوي وان كان الشخصية الخامسة في الهرمية بين المناصب السياسية الكبرى في البلاد بعد رؤساء الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة ونائب رئيس مجلس النواب. مع الإشارة الى ان ترؤسه اللجان الوزارية ليس أمراً ملزماً إذ ان رئيس الحكومة يمكن أن يتولى هو شخصياً رئاسة اللجان متى يشاء. والدور الذي يمارسه نائب رئيس الحكومة هو مثل دور أي من الوزراء أعضاء الحكومة.

ومع ان الأمر يبدو معنوياً فإن الصراع بين <القوات> و<التيار الوطني الحر> يشتد حول من سيحمل لقب <دولة الرئيس> والرقم 5 لسيارته ويكون له مقر خاص…من دون سلطة تنفيذية أو دستورية. إلا ان الحل يبقى ــ في رأي القانونيين ــ بتكريس دور نائب رئيس الحكومة من خلال تعديل النظام الداخلي لمجلس الوزراء واصداره بمرسوم ملزم كما هو الحال بالنسبة الى تنظيم مجلس النواب!