9 April,2020

الصراع الأميركي ـ الايراني.. من العراق الى كل المنطقة

 

بقلم علي الحسيني

 الحشد الشعبي العراقي

يبدو أن الأحداث المتنقلة في المنطقة والتي حطّت منذ أيام في العراق من خلال استهداف معسكر التاجي التابع للقوات الأميركية في شمال العاصمة العراقية على يد قوّات “الحشد الشعبي” والذي جاء بعد أيام قليلة على توقيع اتفاق هدنة بين روسيا وتركيا في شمال إدلب السورية ، ستكون خير مؤشر لمجريات الأمور المتوقع حصولها قريباً على الجبهات العسكرية بين المعسكرين التابعين للولايات المتحدة الاميركية من جهة وإيران من جهة أخرى خصوصاً بعد اتهام واشنطن طهران بالوقوف وراء الهجوم وتحميلها تبعاته، على الرغم من أن البلدين تجمعهما مصيبة واحدة عنونها مواجهة “الفايروس القاتل”.

ايران تبدأ بتنفيذ تهديداتها في العراق

لم يمنع فايروس “كورونا” مواصلة العمليات العسكرية في المنطقة ولا يبدو ان الجهات المعنية بهذه الحروب، مقتنعة بالإتفاقات أو الهدن الموقعة في ما بينها كمرحلة أولية للذهاب نحو تهدئة طويلة الأمد تُمهد لحلول سياسية بعدما عجزت الحول العسكرية عن تحقيق أهدافها لأسباب كثيرة أبرزها تلك المتعلقة بإرادة الصمود الشعبي التي تواجه آلة القتل والدمار والتي تُصّر على البقاء في أرضها والتمسّك بوطنها مهما كبرت أو عظمت التضحيات. من هنا جاء الهجوم العسكري العراقي منذ أيّام قليلة على قاعدة التاجي العسكرية الأميركية والتي أدت إلى سقوط ما لا يقل عن خمسة قتلى وأكثر من عشرين جريحاً في صفوف القوات الأميركية، وذلك في ظل غيّاب أي عملية تبنّي من الاطراف الفاعلة عسكرياً في العراق، على الرغم من أن كل التحليلات العسكرية والسياسية أجمعت على أن ايران وحلفاءها يقفون وراء هذه العمليات.

يبدو أن طهران ليست في وارد تضييع فرصة ادخال الكباش العسكري الى الصراع القائم بينها وبين واشنطن ، خصوصاً ان ادواتها الاقتصادية والمالية تكاد لا تكفي لصمودها، وتالياً فانها لا تستطيع اصابة عدوتها اللدود في مقتل الا باستخدام ادوات القوة الخشنة، لذلك فإن عملية اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني جاءت بمنزلة حجة للقيادة في

                                        قوة عسكرية لحزب الله                     

ايران لاستخدام القوة العسكرية ضد الولايات المتحدة الاميركية، متسلحة بذلك بالغطاء الشعبي الواسع، بهدف اعادة التوازن الى الصراع الثنائي. عند هذا الحد تؤكد المعطيات أن العمليات العسكرية ضد الاميركيين في العراق، قد بدأت فعلياً وهذا ما توحي به نوعية الإستهدافات وتكثيفها خصوصاً وأن العديد من الخبراء، تحدثوا خلال اليومين الماضيين عن أن دقة اصابة صواريخ الكاتيوشا وطريقة اطلاقها وكثافتها على موقع التاجي، لا تشي بأن تنظيم “داعش” هو من قام بالعملية، بل هناك مجموعات محترفة ومتطورة تعمل بشكل متجانس ولديها قدرة كبيرة على القيادة والسيطرة، هي التي استهدفت القاعدة الاميركية.

الرد ورد الفعل

لم ترد واشنطن النوم على عملية استهداف معسكر التاجي، فقد وصل قرار القيادة الى القوات الأميركية الموجودة في بغداد بالرد على عملية الاستهداف، وسريعاً أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن شن غارات جوية على خمسة مخازن للأسلحة تابعة لكتائب مسلحة مدعومة من إيران في العراق، ردا على هجوم صاروخي استهدف معسكر التاجي كرد مباشر ومناسب على التهديد الذي تشكله “الميليشيات الشيعية” المدعومة من إيران. وقد ذكر التلفزيون العراقي الرسمي أن من بين المواقع التي طالتها الضربات الأميركية، موقع في النجف، وثلاثة أماكن أخرى جنوبي العاصمة بغداد. وقد أكد قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال “كينيث ماكينزي “أن كتائب حزب الله العراقية هي التي تقاتل بالوكالة عن إيران، هي المجموعة الوحيدة التي يعرف أنها قامت سابقاً بهجوم غير مباشر بهذا الحجم على القوات الأميركية وقوات التحالف في العراق.

ويوم السبت  ما قبل الماضي كشفت مصادر عراقية أن عشرة صواريخ كاتيوشا على الأقل سقطت على قاعدة التاجي التي قتل فيها جنديان أميركيان، وأخرى بريطانية بهجوم مماثل الأربعاء ما قبل الماضي. وأضافت مصادر من داخل القاعدة أن الصواريخ سقطت على الجزء الذي يضم قوات التحالف الدولي، لكن من دون معرفة حجم الخسائر والأضرار التي تسبب بها القصف. وقد عثرت قوة من الشرطة على المنصة المستخدمة في الهجوم، في منطقة لا تبعد كثيرا عن القاعدة العسكرية. وبحسب العد التسلسلي للهجمات هذه، يُعتبر هذا الهجوم الـ23 منذ نهاية تشرين الأول( اكتوبر) الماضي ضدّ مصالح أميركية في العراق.

وفي السياق تكشف مصادر لبنانية تنتمي الى محور “المقاومة” في المنطقة أن القيادة الإيرانية ومعها المحور كله، قرروا منذ فترة قصيرة جداً وذلك خلال اجتماع قيادي عقد في دمشق، عدم التهاون أو التساهل مع أي اعتداء اجنبي في العراق والمنطقة وتحديداً الاعتداءات الأميركية. ويجب أن يعلم الأميركي ان اغتيال القائد سليماني هو بمنزلة “جهنّم” التي فُتحت عليه وقد وضع نفسه من خلال هذا الاغتيال في دائرة الإستهداف من الآن إلى أن يخرج من كل هذه الأراضي.

السيد: يمكن فتح الباب على مواجهة خارج العراق

يرى البعض أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس” دونالد ترامب تريد” أن تُجبر النظام الإيراني على تغيير سياساته وسلوكه فيما يتعلق بإعادة التفاوض على النووي، وضبط التسلح بالباليستي، والتوقف عن زعزعة الاستقرار في محيط إيران العربي على وجه الخصوص، وإن كانت إيران تدعم حركة “طالبان” في أفغانستان أيضاً، وربما حركات أخرى في آسيا الوسطى والقوقاز وباكستان ولذلك يظن البعض أن الضربات ستتوالى حتى تخضع إيران وتجلس إلى طاولة التفاوض، ليس مع الأميركي فقط، بل مع دول أخرى عديدة أكثرها عربية، وهي تعتبر نفسها الأشد تأذياً من الممارسات الإيرانية في المنطقة.

وهنا يُشير الكاتب السياسي والباحث الأكاديمي رضوان السيد إلى أن ايران وعلى الرغم من الأضرار البالغة التي وقعت بها من حيث الاقتصاد والمال والهيبة، فإن مناطق نفوذها ما تصدعت بعد، ولا تصدعت الميليشيات التابعة لها في تلك البلدان. بل انها ما اكتفت بالصمود، حيث انصرفت للتحرش بالملاحة البحرية، وبحلفاء الولايات المتحدة من دول الخليج، وذلك عبر أذْرُعِها الميليشياوية، وربما من خلال “الحرس الثوري” مباشرةً. وعلى ضفّة المتشائمين فإن هؤلاء فوجئوا بالعزيمة المفاجئة لـ “ترامب”، وهذه الضربات الصاعقة ضد ايران. فقد التهى المراقبون بمقتل سليماني وهو حدثٌ عظيمٌ

                         رضوان السيد

بالفعل. لكنّ الحدث العسكري الذي سبقه بالإغارة على مراكز “حزب الله – العراق”، خطيرٌ أيضاً. ويمكن أن يفتح الباب على مواجهة أذرُع إيران الأخرى، في بلدان أخرى غير العراق.

 ويضيف: كل ذلك لا ينبغي أن يدفع اي كان إلى الزعم أن الأميركيين إنما يفعلون ذلك بالإغراء أو التحريش. لقد رأوا أن مصالحهم الاستراتيجية وهيبتهم تضرّرت كثيراً، نتيجة الاعتداءات المتكررة على سفاراتهم وقواعدهم وطائراتهم… وأجواء وأراضي وبحار حلفائهم. وهكذا تغير التكتيك، فبدلاً من تأمل الانتصار بتجنب الحرب، صار السعي للانتصار ولو بالردع هو الأكثر تقريباً من الفوز بالرئاسة. أمّا كيف تتطور الأمور؟ فإذا أصرت إيران على التحرش فستكون هناك ضربات متبادَلة. فهل تكون هناك حرب شاملة؟ هذا أمرٌ مستبعَد، لأن الإيرانيين لا يستطيعونها هم وميليشياتهم، والأميركيون لا يريدونها. أما نحن العرب فلا ينبغي أن نخاف، لأنّ دُعاة الهزيمة الدائمة هم من خوف الموت في موت.

سريّة العمليات ودور حزب الله

لم يكن قد مضى وقت طويل على اغتيال سليماني حتى سارع “حزب الله” الى عقد اجتماعات طارئة مع قادة فصائل عراقية مسلحة بهدف توحيد صفوفها لمواجهة الفراغ الذي احدثه مقتل سليماني الذي كان يُعتبر العقل المدبر لكل العمليات التي كانت تجري في العراق ضد الوجود الأميركي. واليوم يستمر “الحزب” بحسب المتابعات بتولي مهمة جمع الفصائل العراقية تحت مُسمّى استهداف الوجود الأميركي في البلاد إلى حين أن يُثبّت خليفة سليماني الجنرال اسماعيل قاآني سلطته على الفصائل هذه وتوليّه الملف العراقي بشكل كامل بعد ان تسلّمه الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله يُعاونه فيه الشيخ محمد كوثراني، خشية من احداث فراغ في منطقة العمليات العسكرية ضد الوجود الأجنبي.

وتؤكد مصادر سياسية مُحايدة أن العمليات الأخيرة ضد الأميركي لم تبدأ الا بعدما استطاعت التشكيلات العراقية العسكرية المقربة من طهران، تفكيك كل مراكزها العلنية واغلاق مكاتبها والعودة الى العمل السري، متى أصبحت المواقع العسكرية  متكيفة مع امكانية تلقي ضربات جوية ولم تعد تعمل كتشكيلات نظامية الا تلك العاملة مع الحشد الشعبي. لكن بالرغم من هذه التجهيزات والتحضيرات، تجنباً للرد الاميركي، لا يبدو أن الفصائل العراقية هي من قام بالعمليات، او بشكل اصح، يبدو ان تشكيلاً هجيناً تم تأسيسه من عناصر تابعة لكل التنظيمات العسكرية يعمل بشكل سرّي من دون الاعلان عن شكله التنظيمي، ويهدف فقط الى تنفيذ عمليات ضد القوات الاميركية.

 أضافت: يذكر هذا الأمر بتنظيم “حزب الله” في للبنان، قبل الاعلان الرسمي عنه عام 1985، حيث كانت السرية هي العامل الاهم في عمله، الامر الذي مكنه من القيام بعمليات عسكرية وأمنية لم تكن ممكنة لو كان التنظيم معروفا، ولعل العمليات التي عرفت تحت اسم الجهاد الاسلامي في لبنان خير دليل. هنا تطرح اسئلة عن دور “حزب الله” في تأسيس هذا التنظيم العسكري في العراق، خصوصاً ان السيد حسن نصرالله قد اعلن سابقاً انه سيشارك في الردود الانتقامية لمقتل سليماني، ما يوحي بدور كبير في عملية نقل الخبرات في ظل العلاقات المتشابكة والتاريخية مع التنظيمات العراقية.

وتختم: في محصلة الاشتباك الاول، تبدو واشنطن متأخرة، خصوصاً ان ردها الذي قامت به في اليوم الاول كان رداً بارداً ولم يحقق اصابات بشرية في القوات الحليفة لايران في سوريا، وربما كان الهدف منه توجيه رسائل سياسية تقول إن الساحة العراقية والسورية لن تبقى طويلا بعيدة عن الكباش، لكن الرد الثاني الذي حصل، والذي ارادت واشنطن منه أن يكون رداً قاسياً يشبه استهدافها لمراكز “حزب الله- العراقي” في القائم قبل اغتيال سليماني، لم يحقق اهدافه ايضاً، اذ يبدو ان الخسائر البشرية للفصائل العراقية محدودة حداً بسبب الاجراءات المتخذة وبسبب تأخر واشنطن في الرد.