18 August,2019

”الشيف نبيه“ طبخ... والحلفاء أكلوا والمجلس الدستوري سيكون مجلساً سياسياً بامتياز!

إذا كانت المرحلة من تشكيل المجلس الدستوري أثارت ردود فعل سلبية عند المعترضين على <المحاصصة> التي تميز بها <تصويت> النواب على خمسة أعضاء في المجلس الدستوري تم التوافق عليهم بين الكتل النيابية الكبيرة، فإن المرحلة الثانية، أي تعيين الخمسة الآخرين، لن تختلف عن المرحلة الأولى. فالكتل النيابية التي أعطت أصواتها للذين اتفق عليهم بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس نبيه بري والرئيس سعد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، هي نفسها ستصوت للمتفق عليهم في مجلس الوزراء بعد احتساب حصة <القوات اللبنانية> كما وعد بذلك الرئيس بري، موفد معراب الى عين التينة الوزير السابق ملحم رياشي، وهذا الوعد جعل نواب <القوات> يصوتون للخمسة المختارين على رغم عدم وجود ممثل لـ<القوات> من بينهم. لكن الملفت في تصويت المجلس النيابي ان مرشح جنبلاط القاضي رياض أبو غيدا نال عدد أصوات أكبر من رفاقه المختارين ما دلّ على ان النواب الدروز لم يصوتوا للأربعة الآخرين الذين كانت الأصوات التي نالوها متقاربة، والفارق خمسة أصوات لصالح أبو غيدا (79 صوتاً)، فيما نال مرشح رئيس الجمهورية القاضي طنوس مشلب 72 صوتاً (وهو سيكون الرئيس العتيد للمجلس الدستوري)، ومرشح الرئيس بري القاضي عوني رمضان 73 صوتاً، ومرشح الرئيس الحريري وتيار <المستقبل> القاضي أكرم بعاصيري 71 صوتاً، ومرشح <التيار الوطني الحر> القاضي أنطوان بريدي 72 صوتاً. ونالت السيدة ميراي نجم الخاسرة الأولى بين المرشحين 8 أصوات، لكن وجودها في المجلس الدستوري قد يكون محسوماً لأن الاتجاه الى تسميتها عضواً في المجلس هو الغالب من مجلس الوزراء.

 

<التسوية> صامدة

وترى مصادر متابعة ان التقييم الأولي لانتخاب الأعضاء الخمسة للمجلس الدستوري في مجلس النواب يظهر المعطيات الآتية:

ــ أولاً: <انعاش> التسوية السياسية التي قيل انها ستسقط بعد التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة السياسية اللبنانية نتيجة التجاذبات التي سُجلت في الأسابيع التي سبقت مجلس الوزراء. وبدا ان <الشيف نبيه> نجح في <طبخ> وجبة الانتخابات مع القوى السياسية الكبرى الممثلة في مجلسي النواب والوزراء والتي <أكلت> الوجبة وهضمتها على رغم أصوات المعترضين وفي مقدمهم نواب حزب الكتائب والنائب اللواء جميل السيد والنائب بولا يعقوبيان والنائب جان طالوزيان الذين انسحبوا من الجلسة لرفضهم الأسماء <المعلبة>. وهكذا بدا ان كل ما قيل عن ان لا <محاصصة> بعد اليوم لم يكن سوى شعاراً يدغدغ المشاعر لكنه لن يكون واقعاً قائماً أقله في المرحلة المقبلة.

ــ ثانياً: ان المجلس الدستوري بطبيعته الجديدة، وبصرف النظر عن مهنية أعضائه الجدد وخبراتهم ومناقبيتهم، سيكون <مجلساً سياسياً> أكثر منه مجلساً دستورياً والقرار النهائي فيه سيكون للأحزاب الكبرى والقوى الأساسية الفاعلة، الأمر الذي يضعه من <أول الطريق> في موقع لن يُحسد عليه، خصوصاً إذا ما اضطر أن يفصل في طعون واعتراضات لقوى سياسية اختارت نهج المعارضة. وما يعزز هذا الانطباع ما ينص عليه قانون المجلس الدستوري سواء لجهة النصاب فيه كي يلتئم، وعدد الأصوات المحددة كي يصدر قراراته. ويكفي، حسب التركيبة المتوقعة أن يغيب ثلاثة أعضاء عن إحدى جلساته حتى يسقط النصاب ويتعطل عمله. والأمر نفسه بالنسبة الى الأحكام والقرارات التي يصدرها! والذين وضعوا المجلس الجديد بـ<واجهة ديكور حزبية> قد لا يكونون أخطأوا بالوصف لأن التوليفة التي تكونت وأمنت ولادة المجلس، أتت بتوافق سياسي يمكن أن يتهدد في أي لحظة، فيصبح المجلس الدستوري <عاطلاً عن العمل> كما حصل مع المجلس السابق في مرات عدة.

وتأثير السياسيين كبير

ــ ثالثاً: غالبية أعضاء المجلس الدستوري الجديد هم من القضاة المتقاعدين، لأن المرحلة الأولى حملت خمسة منهم، فيما يتوقع أن تحمل المرحلة الثانية (تعيين الحكومة) ثلاثة قضاة متقاعدين على الأقل من أصل خمسة، ما يعني ان شهية القضاة الذين هم في الخدمة ستكون مفتوحة على المستقبل للوصول الى عضوية المجلس بعد التقاعد، وهذا الأمر يجعلهم يتقربون أكثر من المرجعيات السياسية لضمان دخولهم <جنة> المجلس الدستوري بعد تقاعدهم، وتصبح مرضاة السياسيين بالنسبة إليهم أهم بكثير من مرضاة الحق والقانون والعدالة! ولعل استقالة القاضي أبو غيدا من منصبه كقاض تحقيق أول في النيابة العامة العسكرية خير دليل على هذا التوجه لأن استقالته سبقت بكثير موعد إحالته على التقاعد بعدما وُعد بأن يكون العضو الدرزي في المجلس الدستوري.

ــ رابعاً: أظهرت حصيلة انتخاب الأعضاء الخمسة في مجلس النواب، ولاحقاً تعيين خمسة أعضاء في مجلس الوزراء، ان الخيار في النتيجة ليس للمؤسستين الدستوريتين، بل للسياسة التي <تسيطر> على الجسم القضائي، مثل سيطرتها على بقية المؤسسات الادارية والعامة، في ظل غياب فاضح للعمل الديموقراطي الصرف، بدليل ان أسماء المرشحين وملفاتهم الشخصية لم توزع على النواب ضمن المهلة القانونية بل قبل ساعة واحدة من موعد الجلسة النيابية، ولاحظ الصحافيون في مجلس النواب ان قلة من النواب فتحت الملف الذي تضمن الأسماء والملفات والسير الذاتية… ولم يأبه النواب لضرورة مراعاة الأصول القانونية للترشيح والانتخاب، فيما ظن المرشحون غير المختارين سلفاً انهم سيكونون أمام انتخابات عادلة وأنهم سيحصلون على فرص مساوية لفرص زملائهم، ولا هم اعتقدوا للوهلة الأولى ان عملية <البصم> التي قيل لهم انها تحصل عادة في حالات مماثلة في مجلس النواب، ستتكرر معهم في مسرحية متقنة <أبطالها> الكتل النيابية الكبرى، وإذا كان نواب عبروا عن اعتراضهم بالانسحاب، فإن نواباً آخرين عبروا عن رفضهم الانتخاب المعلب من خلال سبع أوراق بيضاء وجدت في الصندوق، وقيل انها لنواب أعضاء في كتل نيابية كبرى لم يماشوا خيارات كتلهم إضافة الى عدد من النواب المستقلين.

رابحون… ومعترضون

 

ــ خامساً: في المحصلة السياسية ربح <التيار الوطني الحر> ورئيس الجمهورية المرحلة الأولى من الانتخابات، والأمر نفسه انسحب على <الثنائي الشيعي> وتيار <المستقبل> ورئيسه، فيما نجح جنبلاط في ضمان مقعد ممثله في المجلس الدستوري، الأمر الذي يجعل نسبة التخوف من واقع التعيينات المقبلة، مرتفعة ولها ما يبررها. فالرئيس الحريري قال لنوابه ان التمثيل السني في المجلس الدستوري سيكون له، وكذلك <الثنائية الشيعية>، ولن يعط لـ<القوات> إلا عضو واحد برز الخلاف مسبقاً على طائفته لاسيما وان معراب تريد ممثلها مارونياً، فيما يصر الوزير جبران باسيل أن يكون العضو الماروني الثاني من حصته، فتأخذ <القوات> إذذاك المرشح الكاثوليكي الذي سوف يكون أحد اثنين إما القاضي مروان كركبي أو المحامي هادي راشد المقبول من الأطراف المارونية كافة. وحده تيار <المردة> سيبقى خارج المجلس الدستوري، وإن كان الرئيس بري وعد زعيم <المردة> سليمان فرنجية ان يكون ممثلاً من خلال عضوي <الثنائية الشيعية>، وقد قبل فرنجية على مضض هذه <المنحة> من الرئيس بري، وإن كان ممثل <المردة> في الحكومة الوزير يوسف فنيانوس <غرّد> عشية الانتخابات في مجلس النواب كاشفاً عن أسماء الفائزين سلفاً نتيجة <اتفاق الكبار> عليهم. وثمة من يؤكد ان التمثيل الماروني الثاني قد يعطى لـ<القوات> بشخص المحامي سعيد مالك، لكن الأمر لم يكن محسوماً بعد انطلاقاً من <اجتهاد باسيلي> بأن هذا التمثيل يجب أن يعطى للكتلة المارونية الأكبر في مجلس النواب لـ<تكتل لبنان القوي> الذي تُحتسب حصته خارج الحصة الرئاسية.

في أي حال، فإن ما شهده مجلس النواب من خلال انتخابات الأعضاء الخمسة للمجلس الدستوري، أسس لمعارضة نيابية تعطي اشارات بأن مرحلة الأكثرية النيابية في الآتي من الأيام لن تكون <نزهة>، حتى لو لم يكن حجم هذه المعارضة مثل حجمها في المجلس النيابي السابق إلا انه مع الأيام، فإن عدد المعترضين سيزداد، وإن كانوا ليسوا من لون سياسي واحد، إذ بينهم من كان في عداد <14 آذار>، ومنهم من كان في صفوف <8 آذار>، وبالتالي فهم لا يتحركون وفق برنامج عمل واحد بل وفق طبيعة كل حدث بمفرده. لكن <المصيبة> التي سوف تجمعهم قد تمكنهم من إحداث بعض الفرق!