23 September,2018

الشيعة جزء لا يتجزأ من شعوب أوطانهم... و”ولاية الفقيه“ السياسية ليست عابرة للقارات!

 

بقلم صبحي منذر ياغي

 

السيد علي الامين

 نتائج الانتخابات البلدية في معظم المناطق والبلدات اللبنانية ذات الأكثرية الشيعية التي تعتبر مراكز ثقل جماهيري لحزب الله، والتي جاءت عكس ما اشتهت <سفن الحزب>، سلطت الضوء على الواقع الشيعي في لبنان، ومدى سعي هذا المجتمع الى التحرر من هيمنة حزب الله السياسية على الأقل، كما أنها اعادت فتح الباب امام قراءة التاريخ الشيعي في لبنان والاشكاليات التي تعاني منها هذه الطائفة.

بات البعض يبالغ في التجني في مواقفه من الشيعة في لبنان بحيث يعتبرهم وكأنهم خارج النسيج اللبناني والعربي وملحقين بايران الفارسية، علما ان الشيعة كانوا في الماضي خزان المقاومة الفلسطينية والاحزاب الوطنية والعروبية، وهم من العرب الاقحاح وقد قدموا الشهداء ضد اسرائيل ودفاعاً عن القضايا العربية.

ويرفض احد الكتاب والباحثين تصوير الشيعة وكأنهم في بوسطة واحدة، فإذا كانت الظروف وواقع الامر ما يمنع على البعض في الطائفة المجاهرة برأيه، فإن فيها الكثيرين الذين يرفضون هذا الواقع المتردي، والانتخابات البلدية الاخيرة التي جرت في بعلبك خير دليل على وجود شريحة كبيرة من الشيعة ترفض الامر الواقع الذي يفرضه حزب الله عليها.

في ظل هيمنة السلاح

وفي رأي الاوساط، ان الشيعة في لبنان، باتوا يعيشون في ظل هيمنة سلاح حزب الله، وان كان الحزب لا يشهر سلاحه علنا في وجوه ابناء بيئته وابناء الوطن، الا انه بمجرد احتفاظ هذا الحزب بترسانة سلاح وذخيرة وصواريخ فانه يفرض بطريقة غير مباشرة نوعا من الهيمنة على ابناء مجتمعه، وان ردد قادته عشرات المرات ان هذا السلاح هو لقتال اسرائيل، فإن ذلك يضع الواقع اللبناني بشكل عام، والمجتمع الشيعي بشكل خاص في ظل دائرة من الترهيب والخوف والحذر.

<فالترهيب نهج يدفع بأي بيئة وأي مجتمع الى الانغلاق على نفسه، والعيش في حذرٍ وخوف من الجميع دون استثناء..>، هذا ما يراه الدكتور الباحث حسان القطب (مدير المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات) خلال دردشة مع <الافكار>، وهو اعتبر ان كل مواطن وعضوٍ في هذه البيئة يشعر انه جزء من مجموعة مستهدفة لذاتها، لعقيدتها او لفكرها وحضورها او حتى لدورها.. ولذا يمكن ان يتم دفع شبابها وعناصرها للتطوع والانخراط في ميادين الصراع المسلح او حتى على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، اينما كان وكيفما كان هذا الصراع.. طالما أن طبيعة هذا الصراع وهذه الحرب مقدسة في توجهها ودينية في مفهومها.. وهي ضرورية وحتمية دفاعاً عن الحضور والذات والوجود في عنوانها المفترض.. وهذا ما يجري اليوم على الساحة اللبنانية والعربية. إذ لا يمر يوم إلا ونسمع عبارات الترهيب والتخويف والتحذير وعن كشف المؤامرات وفضح المخططات التي تستهدف الشيعة في لبنان والمنطقة، او المسيحيين ليس في لبنان فحسب بل في الشرق برمته..>.

عضو المكتب السياسي في تيار <المستقبل> راشد فايد اعتبر انه ومنذ مطلع ثمانينات القرن الفائت، بدأت تكثر الندوات والمؤتمرات، بعناوين مختلفة لكن ضمن دائرة موضوع واحد: المسلمون الشيعة – العرب وعلاقتهم بالمواطنة والهوية العربية، وكيفية احتوائهم وعدم استعدائهم، ودور الشيعية السياسية في بلدانها. وإن كثرة المؤتمرات تحت هذا العنوان، لهي إقرار بوجود مشكلة مذهبية في هذا الصدد، بل هي أكبر من مشكلة، هي قضية عربية – اسلامية ملحة الى حد انها باتت تشكّل أرقا فرديا وجماعيا لكل من يريد تقدم المنطقة وشعوبها. لكنها ليست مفردة، وان كانت الأكثر إلحاحاً. فعلى المستوى العربي، وهو ما يهمنا اليوم، حسان القطبهناك أزمة أقليات دينية يجب معالجتها بحكمة وعقلانية.

وبرأي فايد ان الدور الايراني ليس الفاعل الاساسي في الموجة المذهبية. فهذه موجودة منذ الأزل، ومزروعة في الضمير القومي العربي، وفي الضمير الوطني اللبناني. فمن صفات العربي، التحزب، ليس بالمعنى السياسي، بل القبلي أساساً. والتاريخ لا يعدم الأمثلة على صراع القبائل والعشائر، وأحيانا داخل الجماعة نفسها، بين بطون وأفخاذ مختلفة، وما حرب داحس والغبراء الا نموذج. لذلك أخطّئ عنوان تنامي المذهبية، وأفضل عليه عودة المذهبية أو استعادتها. إن حرب المذاهب والأديان ليست مستجدة في المنطقة ومنها لبنان، ألم يقل ابن خلدون <ان العرب لا يحصل لهم الملك الا بصبغة دينية، من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين، على الجملة؟>.

 

اسباب تنامي المذهبية

وعدد فايد أسباب تنامي المذهبية وذلك في غياب وتغييب الهوية الوطنية، وفي ظل ضمور دور الدولة في الحياة العامة واهترائها، وعدم فصل الدين عن الدولة. فالراهن أن الطبقتين السياسية والدينية تتغذى إحداهما من الأخرى، وتتبادلان الغطاء والمصالح، ولا يتعالى صوت الأولى ضد الثانية، وبالعكس، إلا حين تتناقض مصالحهما. اضافة الى سقوط الرابط القومي العربي، واستحالة الرابط الديني الإسلامي، وغياب التكامل الإقتصادي والإجتماعي بين الدول العربية، والإنكفاء السياسي وافتقاد الرؤية الإقليمية المستقبلية كذلك الوطنية، مؤكداً ان المذهبية ابنة الطائفية، ومن يقبل الطائفية يصل إلى قبول المذهبية. ففي الحرب اللبنانية شهدنا طابعاً طائفياً لها، ثم مذهبياً في كل معسكر على حدة، فعائلياً وعشائرياً في الزواريب والأحياء.

واكد فايد ان المواطنة تتولد من شعور عميق بوجود مظلة عدل وأمن وأمان، اجتماعي واقتصادي، حاضر ومستقبلي، لا توفره سوى الدولة، بقدراتها المتأتية من تخلي كل فرد وجماعة فيها عن جزء من حرياته لتكوين حيز جامع لمصالح الجميع، يساوي بينهم بلا انحياز ولا مراعاة. ولا تستقيم المواطنة من دون تأكيد إرادة ناجزة بالعيش معا، ليس بعنوان العيش المشترك، بل العيش الواحد. فالعيش المشترك، لغة ومضموناً، يوحي بأن الفرقاء مستعدون لإيجاد قواسم مشتركة، من دون التخلي عن الانطواء على الذات المذهبية والطائفية، أي فتح نوافذ بين الطوائف والمذاهب، من دون إزالة الجدران الفاصلة. فيما العيش الواحد يعني إخراج النقاش الديني من التوظيف السياسي، وترسيم الحدود بين الديني والسياسي، ليقوم رجل الدين بما يمليه عليه ايمانه، ورجل السياسة بما يتطلبه دوره، فلا يتعدى أحدهما على دور الآخر.

ورأى الزميل فايد ان الراديكالية الشيعية المتنامية في لبنان منذ ثمانينات القرن الفائت، وهي مسلحة، استدعت راديكالية سنية كامنة، ومحدودة، ومسلحة، والإثنتان تستنفران حاليا راديكالية مسيحية كامنة ومحدودة وغير مسلحة. الأمر الذي يتطلب وعياً بحقائق الحرب اللبنانية السابقة، والتي توضح أن العصبيات لا تجدي، وأن الاستقواء هنا أو هناك بلحظة تقاطع مصالح، دولية أو اقليمية مع أخرى محلية، لن يؤدي إلى نصر لأي طرف على الآخرين. فلا يمكن للدولة في لبنان أن تكون مسلمة أو مسيحية، ولا تستطيع اتخاذ أي من الديانات أو المذاهب، هوية دينية لها، لكنها تستطيع احتضان كل الديانات ومنحها الهوية اللبنانية، طالما أن المنتمين إليها هم تحت حماية الدستور اللبناني ويحترمون قوانينه.

راشد فايد

الشيعة جزء من اوطانهم

ويرفض البعض اعتبار الشيعة غرباء عن اوطانهم، فيرى العلامة السيد علي الامين ان الشيعة جزء لا يتجزأ من شعوب أوطانهم، ولا يجوز أن تكون لهم مشاريعهم السياسية الخاصة، ولا يجوز أن يكون لهم ارتباط خارج أوطانهم على حسابها. وما يمكن أن يجمع بين الشيعة في العالم هو روابط مذهبية بين الشيعة في لبنان والشيعة في إيران، أو روابط بين شيعة الكويت والعراق، أو شيعة البحرين والسعودية، وغيرها. ولكن هذه الروابط لا تكون على حساب الأوطان. الرابط المذهبي هو عبارة عن علاقة ثقافية ومودة واحترام، ولا يعني أبدا رابطاً سياسياً على حساب الأوطان.

واضاف الامين: وبرأينا، فإن العلاقات بين الدول يجب أن تكون من دولة لدولة. فشيعة الكويت هم كويتيون قبل أن يكونوا شيعة، وكذلك في لبنان والبحرين والسعودية وغيرها، ومشروعهم السياسي يجب أن يكون مشروع وطنهم وشعبهم، وأن يكون منبثقا من مصلحة وطنهم، وليس من مصلحة طائفية أو مذهبية، ولا يصح الارتباط بمشاريع خارجية.

الاشكالية و<ولاية الفقيه>

وإن المشكلة التي أوجدت إشكالية بين الشيعة ومحيطهم وشركائهم في الأوطان برأي السيد الامين أن بعض الأحزاب الموجودة في لبنان أو الخليج تحاول أن تجعل العلاقة بينها وبين إيران مباشرة، وهذا خطأ فادح. لأن العلاقة يجب أن تكون بين دولة ودولة، وليس بين طائفة ودولة، أو حزب ودولة. لسنا ضد أن يكون لشيعة لبنان مثلا علاقة ما مع إيران، ولكن يجب أن تكون هذه العلاقة من خلال الدولة اللبنانية. فما يحصل من مشكلات سببها بعض الأحزاب والجمعيات التي تحاول أن تجعل لنفسها ارتباطات خارج حدود دولها مبنية على أسس مذهبية، وهذا خطأ كبير.

ويرفض الامين هيمنة ايران على الشيعة اللبنانيين تحت ذريعة <ولاية الفقيه> ويقول: <ولاية الفقيه> السياسية برأينا ليست عابرة للحدود والقارات، بل هي ضمن الأراضي الإيرانية فقط. وليس لإيران ولاية على الشيعة في أيّ دولة أخرى، إنها ولاية على مواطنيها، فالولي الفقيه إذا اختاره الشعب في إيران حاكما، تكون ولايته على الشعب الذي اختاره. أما نحن الشيعة في لبنان والكويت والعراق والبحرين والسعودية فلم نختره حاكما، نحن اخترنا أنظمتنا السياسية وحكوماتنا، والولاية علينا هي لهذه الأنظمة والحكومات، وليس علينا أيّ ولاية من إيران وحاكمها.

 

معارضة يتيمة

مصطفى فحصويصف البعض المعارضة الشيعية بـ<اليتيمة> فهي تُحارب من قبل الخصوم، وتُهمل من قبل الحلفاء، فماذا قدمت قوى 14 آذار للشيعة الذين انضموا تحت راية هذه الحركة الاستقلالية؟ الجواب لا شيء، تركتهم لقدرهم. الباحث والكاتب السياسي مصطفى فحص، نجل السيّد الراحل هاني فحص يحمل لواء الاعتراض الذي حمله والده ويعبّر عن حساسية العلاقة مع المملكة العربية السعودية وهو فوق ذلك يعتبر أن <العلاقة بين المعارضة الشيعية والسعودية علاقة جدلية أو معقدة أو مركبة>. يقول مصطفى فحص إنه <من طبيعة المملكة في السّنوات السابقة، أنها كانت تتجه للتعامل مع من كانت تعتقد أنهم يمثّلون البيئات أو الدول أو الجماعات، باعتبار أنها تتعامل مع الجهات الرسمية، وهذا ما جعل المملكة تستثمر مع أحزاب لبنانية شيعية اعتقدت أنه بالإمكان التعويل عليها من أجل استقرار لبنان، أو في صون العلاقة الهادئة مع المملكة. لكن عندما اضطربت الأمور، ووصلت إلى هذا الحدّ، ذهبت هذه الأحزاب والشخصيات إلى عصبيّاتها المذهبية والطائفية وكأنّ كل العلاقة الإيجابية التي بنيت مع السعودية ودول الخليج لم تكن>. ويخفّف فحص من وطأة هذا العتب مضيفا:<أنا لا ألوم المملكة ولا ألوم الشّيعة المعارضين لكنني أعتقد أن المملكة لم يكن لديها مشروع حتى للسنّة سابقاً ليكون لديها مشروع للشيعة في لبنان. ورأينا في السنوات الأخيرة ما جرى للحالة الداخلية لتحالف 14 آذار وتيار <المستقبل>، وكم تمّ إضعاف سعد الحريري لدرجة إشاعة أنه غير مرغوب فيه في الرياض>.

وطالب فحص <بتصحيح العلاقة بين الشّيعة ودولهم الوطنية. حقّ المواطنة هو حقّ للجميع. هناك دائما قلق شيعي مردّه أن دولنا الوطنية فشلت في احتواء مكوّناتها، وهذا السبب وفّر موطئ قدم لطهران لتتغلغل في كثير من الدول العربية حيث العلاقة متوتّرة بين الدولة وبين الشيعة>.

ويرى فحص أنه <على السعودية أن تدعم المعتدلين من السنّة كما الشيعة، ولا خيار أمامها سوى دعم الاعتدال والقيام بخطوات جبارة وجريئة في البحرين وفي السعودية وفي أيّ مكان عربي من أجل دعم الاعتدال الشيعي في هذه المنطقة، وإلا فإن هناك مزيدا من التأزم ومن الصائدين في الماء العكر الذين سيستغلون هذه الظروف ضد المملكة لتتحول الأزمة إلى سنية – شيعية وليس عربية – إيرانية، وهذا ما يريح طهران ويدفع كل الشيعة إلى حضنها.

ويبقى السؤال: هل بدأ <الربيع الشيعي> في لبنان؟ في ظل تنامي حالة الاعتراض على استمرار حزب الله في تورطه في حمام الدم السوري؟ وهل ستتوقف ايران عن تقديم اجساد شباب الشيعة كأثمان في حرب مصالحها الاقليمية؟