16 November,2018

السلـطـــــات اللـبـنـانـيـــــة يـنـبـغــــي أن تـغـــــوص فـــي الاستـثـمـــــار قـبــــل أن تـواجــــه مـنـزلـقـــــاً اقـتـصـاديـــــاً!

 

بقلم وليد عوض

اقتصاد العالم كله يهتز ويترنح بدءاً من عملة <الروبل> في روسيا، الى عملة <اليورو> في كل من اليونان وايطاليا، ويبقى لبنان خارج المخاطر ومهيأ لدخول مرحلة رخاء محدود بحيث يملك أن يمد بساطه على مقاس رجليه ولا يقع في المغامرة غير المحسوبة. ويعتمد لبنان الآن على سوق السياح والزائرين والمصطافين، مقابل عشرة آلاف نازح سوري يعودون الى مناطق آمنة في سوريا. وقد لا تكون هذه المناطق آمنة مئة بالمئة ولكن وسيلة المعيشة فيها أفضل بكثير مما هي عليه في لبنان. وتكفي معاينة للأشرطة التلفزيونية التي تتناول أطفال المخيمات السورية وطرق معالجتهم في المستشفيات، حتى يكون الرجوع الى سوريا أسلم من البقاء داخل خيمة تترنح مع الريح!

ولئن كان عدد النازحين السوريين العائدين الى سوريا محدوداً وليس على مقاس ما يتمنى اللبنانيون ويشتهون، فإن الاستسقاء الاقتصادي هو المخرج المتوفر للبنان، خصوصاً إذا تحالف القطاع الخاص مع القطاع العام في انتاج مشاريع استثمارية على نحو ما يوصي مؤتمر <سيدر> ووفق المقررات التي يعلن عنها الرئيس سعد الحريري في خطبه.. والناس ما بعد الانتخابات ليست كما كانت في الانتخابات. إنها تريد أن تعرف الى أين يسير المركب اللبناني وسياسة القروض بأقل كلفة.

أول الآفات الاجتماعية في لبنان هذا الترويج للهجرة الى الخارج، وصولاً الى استراليا، وأكثر المهاجرين الى تلك البلدان هم أهالي زغرتا والضنية وعكار، حتى أصبحت لهم جالية من الأهمية بمكان، ونجح الكثيرون منهم في الحصول على الجنسية الاسترالية والجنسية الكندية والجنسية الفنزويلية، وتحوّل الأمر الى عدوى، بحيث تشحذ مراسلات المهاجرين الى مساقط رأسهم همم الشبان الباحثون عن فرصة عمل لاكتساب التأشيرة. وبرغم ان الانتخابات الأخيرة أوثقت العلاقة بين الشبان والدولة، فإن سوق الهجرة ما زالت مزدهرة وأهل الاغتراب في خط واحد مع المقيمين ولا سبيل الى التخلص من آفة الهجرة إلا بإيجاد فرص عمل للمتخرجين من الجامعات، وهذا ما يدعو إليه الرئيس ميشال عون ويبوح به الى كل من يجتمع بهم.

مفكرة رئيس الوزراء

ومفكرة الرئيس سعد الحريري تضم الآن مقررات المؤتمرات بدءاً من مؤتمر باريس وخططه الانشائية تتجاوز بيروت وطرابلس وعكار والبقاع الغربي وبشري وإهدن وحصرون وبزعون، وفي تصوره ان اقامة رباط اجتماعي وانشائي مع الزعيم سليمان فرنجية، قد يخدم الشبان الباحثين عن فرص عمل، كما لا ينسى الرئيس الحريري موقع نائب رئيس مجلس النواب السابق فريد مكاري في الكورة ومنطقة الشمال، حيث يقدم الرجل ما تيسر عنده من خدمات للشبان الباحثين عن وظيفة.

ولا ينسى سعد الحريري مستقبل البحر والشواطئ في لبنان، بعدما دخل هذا البلد لائحة الدول النفطية وسوف يصبح مصدراً بعد سنوات للغاز والبترول من الشواطئ، وانكباب الشركات المختصة وخبراء البحار على توصيف الشاطئ الطويل الممتد من الناقورة في الجنوب الى النهر الكبير في الشمال.

ويوجه الرئيس الحريري كذلك عنايته الى سياسة الانفاق في الدولة والمؤسسات المتحالفة معها، بعدما اكتشف ان مئات ملايين الدولارات تذهب هدراً وبالامكان عصر النفقات والاستغناء عن وظائف تستهلك الكثير من أرباح الدولة، وإذا نجح رئيس الوزراء في حقن هذه الأرباح لمصلحة وظائف استثمارية جديدة، فإنه يكون قد ضرب البطالة بالفأس.

والحلف الجديد بين القطاع العام والقطاع الخاص اعتمد على تقرير <ماكينزي> الذي يرسم خريطة طريق للاستثمارات في لبنان. ولا يكفي أن يعلن حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة عافية العملة الوطنية والمخزون من الثروة المصرفية، بل ينبغي على وزير المال علي حسن خليل أن يعرض في مجلس الوزراء المشاريع التي يتعين تمويلها، فلا يكون الاحتياطي المالي في مصرف لبنان مقتصراً على الخطاب.

حزب البطالة

بل ينبغي أن تكون العودة التدريجية للنازحين السوريين الى مساقط رأسهم بدءاً من بلدة القلمون السورية ودوما ودرعا ويبرود. وقد نجح نائب حزب الله نوار الساحلي في فتح الطريق المطلوبة الى سوريا من جانب النازحين مستعيناً بالخدمات التي تقدمها السلطات السورية الى العائدين، وتشكيل لجان أمنية لضبط حركة عودة النازحين. وفي رأي نوار الساحلي ان عدم التعاون الكافي بين السلطات اللبنانية والسلطات السورية دون وقوف عند السوريين الموالين والسوريين المناصرين، يعيق عودة النازحين السوريين، وهذا التوافق الذي حصل عليه مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم مع السوريين يمكن أن يكون مقدمة لأي اتصال يجريه وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم بعدما اتسع دور باسيل في السلطة.

وهذه العودة الطوعية للنازحين السوريين الى مساقط رؤوسهم يمكن أن تساهـــم في حل مشكلة النزوح السوري في لبنان. وهناك مشكلة بالنسبــة للسوريــين الذيــن أقامـــوا لهم مشاريع انشائية كالمطاعم وتجــارة الأغذيــة، وهــو موضـوع يمكــن أخــذه بالعنايــة المطلوبـــة في سبيل أن يكون النزوح السوري الطوعي مقدمة لعودة النازحين بصورة عامة.

 

تكتل المستثمرين وقمة <بروكسيل>

ويتهيأ فريق كبير من العائدين للاشتراك في عملية إعمار سوريا بما عندهم من امكانات لوجستية وخبرة عمالية وادارية في بناء الهنغارات، ويمكن كذلك للجامعة العربية أن تلعب دوراً توفيقياً في هذا المجال بعدما ضمنت اتفاق روسيا والولايات المتحدة على توسيع نطاق الهدنة في سوريا شمالاً وجنوباً.

وقد لا يكون لبنان بمشاكله حجر شطرنج في القمة الأميركية ــ الروسية التي بدأت أعمالها بالأمس في <بروكسيل>، أو مكسر عصا قياساً الى بلدان الشرق الأوسط، إلا لأنه قيمة لها حسابها في مفهوم واضعي الخرائط، ولاسيما خارطة الطريق، ويختزن من القدرة على قهر الارهاب ما يجعل منه مرجعاً استراتيجياً مهماً في خريطة الشرق الأوسط.

ان فتح قنوات اقتصادية من لبنان باتجاه دول أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا الشرقية، بدعم من الولايات المتحدة، وفرنسا وألمانيا والأقطاب في الاتحاد الأوروبي، من شأنه أن يحدث ثورة اقتصادية في لبنان، ويهيئ البلد ليكون دولة نفطية لها شأنها عندما تبدأ أعمال التنقيب جدياً عام 2019، كما ان ادخال لبنان في اهتمامات الكتلة الأطلسية يجعله البلد العربي المفضل ليكون وسيط السوق الاستراتيجية بالنسبة للمكسيك والبرازيل وكندا وكوبا، الى جانب كونه الحليف الاستثماري الكبير للبرازيل والأرجنتين وكوبا وروسيا قبل أن يواجه منزلقاً اقتصادياً والبركة في رئيس جمعية الصناعيين ورئيس اتحاد رجال أعمال المتوسط جاك صراف.

وحتى تنكشف هذه الصورة لا بد من وفود لبنانية ذات كفاءة استراتيجية لزيارة الولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية وكوبا، وتقديم العروض، واستقبال عروض الآخرين، وتعيين مواعيد الانطلاق فيكون لبنان دولة نفطية لها تأثيرها المالي والاعلامي وطموحها للحصول على أهم الاستراتيجيات.