12 December,2017

السلطـــة القضائيـــة مستمـــرة بالـتـــوقـف عــن الـعـمــــل الى حيـن فصلهــا عن مفاعيــل سلسلــة الـرتب والرواتب!

 

القضاء-الاعلىلم يكن توقف القضاة عن العمل منذ الأسبوع الماضي في المحاكم في كل المناطق اللبنانية، حدثاً يحصل للمرة الأولى في تاريخ لبنان، إذ سبق للسلطة القضائية أن امتنعت عن حضور الجلسات وكافة الأعمال القضائية المتصلة بها لأسباب تتعلق إما بإدانة جرائم قتل ثم طاولت قضاة على قوس العدالة كما حصل في صيدا لسنوات خلت، واما حداداً على شخصية قضائية رفيعة، أو تحقيقاً لمطلب ما. إلا أن توقف القضاة هذه المرة جاء احتجاجاً على ما اعتبروه مساساً باستقلالية السلطة القضائية من خلال إقرار مجلس النواب مادة في قانون سلسلة الرتب والرواتب تجيز للحكومة إعادة النظر في الصناديق والمؤسسات التي ترعى شؤون الموظفين المدنيين والعسكريين في ما خص التقديمات الإجتماعية والصحية والتربوية، لاسيما وأن القضاة اعتبروا أن هذه المادة تشمل صندوق تعاضد القضاة الذي يحظى باستقلالية مالية ويشكّل نظام الحماية الاجتماعية الذي يستفيد منه القاضي العامل والمتقاعد والمستحقون معه. وقد سعى أكثر من نائب للتوضيح أن هذه المادة تدخل في سياق <التشريع التحفيزي> ولا صفة إلزامية لها، إلا أن الجسم القضائي أصرّ على موقفه بالمطالبة باستثناء صندوق تعاضد القضاة من مفاعيل المادة المذكورة.

وعلى رغم أن رئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى في جولاتهم المعلنة وغير المعلنة الى المسؤولين، ولاسيما منهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، نالوا وعوداً باستحداث نص قانوني يزيل الشكوك وينهي الالتباس الحاصل حول هذه المادة، فإن التحرك القضائي استمر وارتفعت معه وتيرة المواقف التصعيدية مع انضمام نقابتي المحامين في بيروت والشمال في المطالبة بتحقيق مطالب السلطة القضائية. ويعود ذلك الى أن موظفاً من الفئة الأولى يصبح راتبه وفق السلسلة الجديدة 5,220,000 ليرة، وقيمة درجته 180 ألف ليرة. وعندما يبلغ القاضي أعلى الدرجات، أي الدرجة 22، يصبح راتبه 9,350,000 ليرة فيما تبقى قيمة درجته 250 ألف ليرة. أما موظف الفئة الأولى من الدرجة 22 فيصبح راتبه 9,805,000 ليرة وقيمة درجته 260 ألف ليرة. ويعتبر القاضي فهد أن هذا التفاوت يجعل السلطة القضائية – وهي سلطة مستقلة حسب الدستور – في واقع مالي لأفرادها يقل عن الوضع المالي لموظفي الإدارات والمؤسسات العامة في الدولة، وهو أمر لا يمكن التسليم به ويقتضي تعديله. وقد أعدّ مجلس القضاء صيغة للتعديل تجعل متوسط الفارق بين راتب القاضي وراتب الموظف من الفئة الأولى من الدرجة نفسها للقاضي، نحو 400 ألف ليرة، لاسيما وأن جولات الرئيس فهد مع أعضاء مجلس القضاء، أثمرت عن وعود بإعداد اقتراح قانون معجل مكرر في هذا الصدد يقر في أول جلسة تشريعية يعقدها مجلس النواب.

إلا أنه وبالتزامن مع حركة القضاة الاعتراضية، سمع أعضاء مجلس القضاء الاعلى كلاماً كثيراً حول الإنتاجية القليلة لغالبية القضاة، وغياب الشفافية عن أعمال بعضهم، والبطء في إصدار الأحكام وغيرها من الملاحظات، ما دفع القاضي فهد الى الرد بالأرقام، لافتاً الى أن هيئة التفتيش القضائي أصدرت قرارين بصرف قاضيين من الوظيفة، كما استجاب خمسة قضاة لطلب مجلس القضاء الأعلى التقدم باستقالتهم، كما وصدرت في الفترة بين 2013 و2016 قرارات تأديبية طاولت 25 قاضياً.

ماذا عن أداء المحاكم؟

 

أما بالنسبة الى أداء المحاكم فقد أبرز الوفد القضائي دراسة أظهرت أن معالجات النيابات العامة للمحاضر الواردة اليها في العام القضائي 2015 -2016، بلغت 81,6 بالئة، إذ ورد إليها 181760 محضراً وتمت معالجة 148444 منها، كما تبيّن الدراسة أن فصل المحاكم المدنية والجزائية على أنواعها للدعاوى والشكاوى الواردة اليها في العام القضائي 2015 – 2016 بلغ 92,9 بالمئة (وردت 157588 شكوى ودعوى، تمت معالجة 146540 منها).

في المقابل، يبلغ عدد القضاة العدليين حالياً 510 قضاة، 70 منهم يشغلون مركزين قضائيين في آن واحد، وهم موزعون على الشكل الآتي: قضاة المحاكم 371، قضاة النيابة العامة التمييزية والمالية 17، قضاة النيابات العامة الاستئنافية 33، قضاة التحقيق 35، قضاة هيئة التفتيش القضائي 8، قضاة ملحقون بوزارة العدل 31، قضاء المحكمة العسكرية 13، قضاة ملحقون بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان 3.

وفي لغة الأرقام المالية، فقد خصص مشروع الموازنة العامة 2017 للقضاة مبلغ 107 مليارات و372 مليون و387 ألف ليرة لبنانية، أي ما نسبته 0,45 بالمئة من الموازنة، وكانت حصة المحاكم العدلية والإدارية ما نسبته 72,9 بالمئة منه، في حين بلغ إنفاق وزارة العدل ما نسبته 27,01 بالمئة منه، وهذا يظهر الإمكانات المالية المحدودة المتاحة للمحاكم في سبيل تطوير العمل القضائي والتي تنعكس سلباً على الأداء. وفي دراسة لمجلس القضاء الأعلى لأرقام الموازنة العامة وأرقام وزارة العدل منذ العام 2008 وحتى 2011، تبين أن الدولة اللبنانية أنفقت في العام 2011 ما نسبته 0,27 بالمئة من موازنتها العامة على القضاء في لبنان، وكانت حصة المحاكم ما نسبته 67,08 بالمئة من هذا المبلغ، في حين بلغ إنفاق وزارة العدل ما نسبته 32,91 بالمئة. وخلال شهر آب/ أغسطس 2015، وافقت وزارتا المال والعدل على منح محكمة التمييز الاستقلال المالي تطبيقاً لأحكام المادة 26 من المرسوم الاشتراعي رقم 150/83 (قانون القضاء العدلي) التي تولي صراحة الرئيس الأول لمحكمة التمييز حق ممارسة – في ما خص محكمة التمييز – الصلاحيات المالية والإدارية التي تنيطها القوانين والأنظمة بالوزير باستثناء الصلاحيات الدستورية، فتم استحداث فصل مستقل لمحكمة التمييز في الموازنة العامة. إلا أنه وبعد أن بدأت محكمة التمييز بممارسة صلاحياتها المالية في العام 2016 بصورة فعلية، تراجعت وزارة العدل جزئياً عن موافقتها على استحداث الفصل المستقل، وتمت إعادة الجزء من الموازنة المتعلق برواتب وأجور قضاة وموظفي محكمة التمييز إلى وزارة العدل!

وفيما يتوقع مجلس القضاء أن تبادر السلطة التشريعية بالتعاون مع السلطة التنفيذية إلى تصحيح <الخطأ> المرتكب بحق السلطة القضائية المستقلة، توقف المراقبون عند قول الرئيس عون خلال استقباله مجلس القضاء الأعلى، بالتزامه احترام الدستور لجهة الفصل بين السلطات الثلاث وتعاونها، واشارته إلى أن الضمانات المعطاة لاعضاء السلطة القضائية بموجب المادة 20 من الدستور ليس في حساب أحد المساس بها، لكنه زاد بأن الثلاثية التي يجب أن تتوافر في القاضي، الاستقامة أولاً ثم إرادة العمل وبعدهما المعرفة القانونية، وقد فسرت المراجع المطلعة هذا الكلام على أنه دعوة صريحة من رئيس الجمهورية للسلطة القضائية بـ<تطهير> نفسها ممن لا تتوافر فيهم المواصفات الثلاث!