13 November,2018

السلاح في كل مكان من لبنان تحت مسميات وشعارات مختلفة... وتجاره من مختلف الجنسيات والمذاهب!

11 وفي هذا السياق، تساءل وزير العدل اللواء أشرف ريفي عن أسباب تجاهل الجيش لمخازن الأسلحة في جبل محسن والضاحية الجنوبية في وقت يقوم فيه بحملة دهم واعتقال لمخازن سلاح في طرابلس. ولفت ريفي إلى الدور الإيراني في تغذية هذه المخازن، معتبراً أن هذا التجاهل يرسخ قيام دويلة بمحاذاة الدولة اللبنانية.

 فانتشار السلاح الثقيل في لبنان لم يعد مقتصراً على الاحزاب، بل باتت تمتلكه عائلات وعشائر وقبضايات، فالزميل محمد غانم اكد في هذا الصدد لـ( الافكار) ان مدينة بعلبك تعيش في كل فترة لياليها تحت رحمة مسلحي العشائر الذي يتصارعون فيما بينهم من وقت لآخر، فيستخدمون الاسلحة الخفيفة والمتوسطة، ويسمع اطلاق قذائف مدافع الـ <ب7> في ارجاء المدينة، دون تدخل فاعل من القوى الامنية الرسمية، او الاحزاب الفاعلة <المتهمة> بدعم وتغطية هؤلاء، وتأمين الحماية لهم من الملاحقات الأمنية.

لذا فالسلاح لا ينتشر في طرابلس وحدها، بل في كل لبنان وتحت شعارات عدة،  برأي ملحق عسكري لدى سفارة عربية في بيروت، ان السلاح يتكاثر في كل المناطق اللبنانية. وأكّدت معظم التقارير الواردة إلى عدد من الأجهزة الأمنيّة عودة تجارة السلاح وتهريبه وانتعاش هذه التجارة بفضل التطوّرات والأحداث الأمنيّة التي تشهدها سوريا والمنطقة العربية، وأشارت إلى أنّ عمليّات التهريب والتجارة والبيع يشارك فيها الجميع ومن جنسيّات مختلفة، كونها تجارة مربحة وتؤمّن الكسب المادّي السريع.

44

وبرأي احد المتابعين ان تطوّرات الأوضاع الامنيّة في المنطقة أنعشت عودة موجة التسلّح الى لبنان، وعودة الروح في <سوق السلاح>، بحيث عاد تجّاره لاستئناف نشاطهم وتحرّكاتهم، وصارت <بضاعتهم> في متناول الجميع، ومن دون تمييز، لأنّهم <أمميّون> لا حدود لساحات عملهم – كما قال مصطفى ط. (تاجر سلاح): <نحن نفتش عن رزقنا حتى نطعم عائلاتنا، ولا علاقة لنا بالمواقف السياسية، ونتمنّى أن يبعدونا عن صراعاتهم، فنحن مثل التجّار كلّهم، أصدقاء للجميع>.

لبنان المصدر والمستورد

وأكّد <أبو الغضب> الذي كان منهمكاً في تنظيف قطعة سلاح من نوع <كلاشينكوف> – وهو يُعتبر وفق تجّار السلاح (شيخ المهرّبين في منطقة البقاع الشرقي، وصدرت بحقّه عشرات مذكّرات التوقيف): <إذا كان لبنان يصدّر اسلحة مهرّبة وذخائر، فإنّه في الوقت نفسه يعتبر من المستوردين ايضاً. وفي السنوات الخمس الماضية، زادت نسبة الاستيراد على نسبة التصدير بسبب تردّي الوضع الامني في لبنان..>.

وأضاف <أبو الغضب>: <مصدر السلاح المتدفّق الى لبنان من عدة دول وأبرزها تركيا والعراق والاردن. وبات لكلّ سوق اختصاصه، فمن تركيا المسدّسات واسلحة الصيد، ومن الاردن ذخائر المسدّسات من عيار 9 ملم وقذائف صاروخية، إضافة الى اسلحة رشّاشة معيّنة، وهناك ذخائر المسدّس 10,5 ملم التي تأتينا من بلاد الصرب عبر تركيا فلبنان مروراً بسوريا>.

كيف تتمّ عمليّات التهريب؟

33

ولكن كيف تتمّ عمليّات التهريب في ظلّ ما يشبه الحصار الامني على المعابر الحدودية؟ قال (أ.ش) (تاجر سلاح من الشمال): <أودّ ان تعلم انّ تجارة السلاح وتهريبه <مصلحة> يستفيد منها الجميع من مهرّبين وباعة وتجّار وغيرهم.والسلاح المستورد يصلنا عبر الطرقات الحدودية البرّية من خلال مهرّبين من جنسيّات سورية وفلسطينية، وحتى تركية، فنقصد نقاطاً حدودية برّية معينة مُتّفق عليها، واحياناً نبيت ليلتين او أكثر في غير مكان، في انتظار وصول <البضاعة> التي تتأخر أحياناً لظروف أمنية، منها مثلاً ملاحظة حركة كثيفة لعناصر الهجّانة (حرس الحدود)، او دوريات وكمائن>. ثم ان السلاح بات يصل الى لبنان من خلال قوى فاعلة لصالح احزاب ومجموعات وخلايا، ومنه ما يباع لتجار ومستوردين، وبكلمة اخرى صار وصول السلاح الى لبنان سهلاً مع الوضع العسكري المشتعل على السلسلة الشرقية، ومع ظهور <جبهة النصرة> و<داعش> على حدودنا، ومع اختلاط الحابل بالنابل.

الحدود السائبة و<الكلاشينكوف>

 بـ2500 دولار

ويعتبر المهرّبون أنّ إدخال السلاح الى سوريا كان بالأمس يصطدم بصعوبات كثيرة بسبب التشديد الامني السوري والمراقبة والرصد، ما كان يضطرّهم احياناً لدفع مبالغ عالية للسماسرة، بعكس إدخال السلاح الى الاراضي اللبنانية، بسبب فلتان الحدود وغضّ النظر من قبل الاجهزة الامنية والحدودية السورية التي لا يعنيها إغراق السوق اللبنانيّة بالسلاح والذخائر من جهة، وكون هذا الموضوع يدرّ عليها المال والمنافع من جهة اخرى، في الوقت الذي لا توجد فيه مراقبة أمنيّة فاعلة للمعابر الحدودية. اما اليوم، فباتت الحدود السورية هي ايضاً (سائبة) وبات التهريب منها واليها سهلاً جداً.

22

ويقول تاجر سلاح: إنّ هناك تجارة واسعة في بيع الأسلحة في لبنان، وإنّ السلاح المتدفّق على سوريا مصدره ايضاً العراق وتركيا، وأكثر الأسلحة رواجاً هي <الكلاشينكوف> وأنواع من <أم  16>. ويبلغ سعر <كلاشينكوف> الجيّدة 2500 دولار وما فوق . بينما كان سعرها عام 2006 لا يزيد على 500 إلى 600 دولار. وتكلّف بندقية الاقتحام الأميركية <أم 4> المجهّزة بقاذفة صاروخيّة 15 ألف دولار. ومن الأسلحة التي شهدت إقبالاً وطلباً بندقيّة <كلاشينكوف 47> (ماسورة قصيرة المعروفة محلّياً بلقب <بن لادن>) لأنّها كانت دائماً تظهر في التسجيلات المصوّرة لزعيم تنظيم <القاعدة>. وتكلّف هذه البندقية (بن لادن) 3750 دولاراً بزيادة 20 في المئة تقريباً على سعرها في الشهور الماضية، وتجارة السلاح ليست محصورة فقط مع سوريا بل بين اللبنانيّين أيضاً.

<سلاح على  مد النظر>

والسلاح ينتشر في لبنان بشكل لافت، وهو لدى البعض (زينة الرجال) كما قال الامام المغيب موسى الصدر في مهرجان اعلان حركة المحرومين في بعلبك عام 1974 مصوباً على محاربة اسرائيل. وظاهرة اقتناء السلاح في لبنان، بدأت منذ العصور الغابرة بسبب ما مر على هذا الوطن من احتلالات وغزوات، وبسبب ضعف الدولة المركزية في تأمين حماية الناس، ما دفع بالمواطنين لاقتناء السلاح كنوع من السعي لتأمين الامن الذاتي.

تكاثر السلاح غير الشرعي اليوم بين أيدي المواطنين في لبنان بات اشكالية امنية جديدة يدعو البعض الى حلها، في ظل تكاثر الجرائم والاعتداءات والاحداث، وفي الوقت الذي يضيف الآخرون موضوع سلاح حزب الله الى خانة هذا السلاح غير الشرعي، وسط ارتفاع الاصوات المطالبة بنزعه لأن لبنان بات يعوم فوق بركان من السلاح والمدافع والصواريخ . ويعتبر فادي أبي علام، رئيس حركة <السلام الدائم> في لبنان، انّ الحكومة اللبنانية لم تقم إلا بجمع الأسلحة الثقيلة المتوسطة بعد انتهاء الحرب الأهلية، تاركة المجال مفتوحاً للكمّ الهائل من الأسلحة الخفيفة المتبقية، كالمسدسات والبنادق الأوتوماتيكية من طراز<AK-47>، والتي انتهى بها الأمر في خزانات معظم المنازل اللبنانية. وخلفت الحرب الأهلية في لبنان جراحاً عميقة وآثاراً باقية حتى اليوم، من بينها انتشار الأسلحة الخفيفة في كل بيت تقريباً.

ويقترح أبو علام أن يقوم المجلس النيابي في لبنان بتعديل قانون الأسلحة ليشمل فترة زمنية معينة يسمح فيها لحاملي الأسلحة غير القانونية بتسليمها دون أي مساءلة. خطوات أخرى قد تشمل السماح لمن يرغب في حمل السلاح بترخيصه لدى السلطات المختصة، وأخيراً جمع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة التي لا تمت بصلة إلى العمل المقاوم المشروع في لبنان وجعلها بيد الجيش.

55

جمع السلاح

جمع السلاح غير الشرعي في لبنان بات ضرورة ملحة في ظل تكاثر هذا السلاح بشكل عشوائي دون رقيب او حسيب، وفي ظل سلسلة من الجرائم والاشتباكات والاحداث التي تحصل في لبنان والتي يقوم فيها المواطنون باستخدام الاسلحة الخفيفة والثقيلة والمتوسطة كما في طرابلس، وفي غيرها من المناطق فبات كل مواطن في لبنان يملك الاسلحة المتنوعة وصارت عائلات وعشائر ومجموعات تقتني اسلحة من كل الاعيرة والانواع، والمضحك المبكي في هذا الامر ان غالبية المواطنين يحملون رخصاً تجيز لهم حمل السلاح المختلف صادرة عن وزارة الدفاع.

… ورخص حيازته

66

يعتبر الزميل شارل سابا ان قانون الأسلحة والذخائر اللبناني يحصر صلاحية إعطاء رخص اقتناء السلاح وحيازته وحمله بمرجعية وزارة الدفاع، وينص القانون المذكور على <حظر نقل الأسلحة والذخائر أو حيازتها من الفئة الرابعة في الأراضي اللبنانية ما لم يكن الناقل حائزاً رخصة صادرة من قيادة الجيش وتعطى لمدة سنة واحدة ويجوز تجديدها>.

ويقول العميد المتقاعد هشام جابر رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات:<قانونياً هذا السلاح الذي يُباع في لبنان غير مسموح به لأنّ إدخال السلاح الى لبنان يتمّ بطرق غير شرعية، وان إعطاء المواطن رخصة السلاح يعني أنّ طالب الرخصة لديه السلاح ويريد ترخيصه>. ويضيف: إعطاء رخص السلاح <مختلف> لا يمكن ضبط من يقتنيها. أما في الدول المتقدمة فعندما يعطون رخص السلاح يحددون نوع السلاح، لأنّه في حال حصول جريمة معينة بالإمكان معرفة صاحب السلاح فوراً.

ويبقى السؤال عما اذا كانت الدولة اللبنانية ستتمكن يوماً من إيجاد الحل الجذري لموضوع السلاح غير الشرعي في لبنان والذي يمتلكه اللبنانيون والذي يهدد حياة الناس وأرزاقهم وممتلكاتهم، بحيث لا يكون على أرض الدولة اللبنانية إلا السلاح الشرعي؟