22 July,2017

السلاح المتفلت.. المواطـن مقتــول والقاتــل ”مجهــول“!

 

سارة-سليمان-1---a

لم يكن اسبوع لبنان واللبنانيين الفائت، يُشبه أي من أيام السنوات التي مرّت خلال السنوات الاخيرة، ففي خلال أقل من 24 ساعة، نال الرصاص الطائش والمتفلت، من صبيتين في ريعان الشباب ذنبهما الوحيد أنهما وجدتا في مكان حضر فيه الإجرام بأبشع صوره فأرداهما شهيدتين على مذبح الوجع والألم، فتكللتا إلى جنّات الله، عروستين يشع قلبهما بالصفاء والنقاوة، عروس من بلدة بدنايل في قضاء بعلبك قضت في <جارة الوادي> زحلة، وعروس لحياة بعيدة إنطلق موكب عرسها الأخير من منطقة الطريق الجديدة.

 

سلاح <الزعران>.. قتل وفلتان

 

مرة جديدة وبالطبع لن تكون الأخيرة، يسعى السلاح المتفلّت من كل الضوابط القانونية والأخلاقية إلى فرض نفسه كبديل عن الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية في العديد من المناطق، زاهقاً أرواح عشرات الأبرياء المدنيين من اطفال وشباب ونساء وشيوخ وشابات في مقتل العمر من دون أي ذنب ارتكبوه. سارة سليمان بنت بدنايل إحدى الشواهد على فلتان الأخلاق ارتفعت إلى ربها شاهدة على عصر الإنحدار بعدما اخترقت رصاصة <طائشة> رأسها على خلفية إشكال أفضلية المرور، لتُنهي حياتها ولتبدأ مأساة عائلة تسأل عن دور الدولة في حفظ الأمن وتأمين حماية المواطنين من <الزعران> الذين يتربصون بأبناء الناس ويقتلونهم على الطرقات وفي منازلهم وأعمالهم، بسلاح غدر لا يخضع لأي رقابة فقط شرّعته جهات تُعارض قيام الدولة كونها المتضرر الأول والأبرز من أي عملية تؤدي إلى تثبيت الأمن في لبنان وفرض الشرعية على كافة المناطق اللبنانية.

رحيل عروس زحلة

وداعا-يا-أمل---3----a

الشابة سارة عصام سليمان (24 سنة) التي سقطت مضرجة بدمائها الاسبوع الفائت. انتهت تلك السهرة التي كانت أمضتها سارة مع أصدقائها من بلدتها بدنايل في ملهى <blue bar> في زحلة في ساعات الفجر الأولى، وبينما هم في إنتظار عمال <الفاليه باركينغ> لإحضار السيارة، وقع حادث سير أمام الملهى بين سيارتين أدى إلى زحمة سير خانقة نوعاً ما في المحلة. في تلك الأثناء، كان المدعو قاسم رفيق المصري المعروف بـ<طه المصري> من بلدة حورتعلا البقاعية ــ قضاء بعلبك، يمر في المكان وهو يستقل <جيب> من نوع <تاهو>، فلم يعجبه المشهد وراح يتلاسن مع مجموعة من الشباب الذين تجمهروا حول الحادث أمام الملهى. وبعد مشادة كلامية حصلت بينه وبين الشبان بعد إصراره على المرور، ما كان منه إلى أن حمل مسدسه وبدأ بإطلاق النار بشكل جنوني، فأصيبت على الفور سارة في رأسها وما لبثت أن فارقت الحياة، كما اصيب سيمون معوض في رجله، حيث تم نقله إلى مستشفى خوري العام للمعالجة. لكن القاتل فر إلى جهة مجهولة وهو من أصحاب السوابق وبحقه 4 مذكّرات توقيف. واللافت أن للقاتل مجموعة صور كان نشرها على مواقع التواصل الإجتماعي يتباهى فيها باقتنائه أنواعاً عديدة من السلاح وبإنتمائه إلى أحدى الجهات الحزبية.

رسالة سارة: خذوا كل قطعة مني

 

سارة المعلمة التي تعشق الحياة، جعلت من موتها نغمة مليئة بالإحساس والإنسانية، عزفها القريب والبعيد بعد رحيلها. فسارة التي رحلت بطريقة مؤلمة وموجعة تركت أثرها بداخل كل من شاهد مقطع الفيديو الذي ظهرت فيه وهي تسقط لآخر مرة على الأرض، كانت تركت رسالة مؤثرة كتبتها منذ سنين خلت توصي، فيها بمنح أعضاء جسدها عند موتها ليعيش غيرها، و<يكون الموت لا فراش ألم بل فراش حياة>.

جاء في رسالة سارة <امنحوا عيني لمن لا يرى في حياته شروق الشمس أو وجه طفل أو حباً في عيني إمرأة، وهبوا قلبي لمن لم يحظ من قلبه بغير أيام الألم الدائم، وأعطوا دمي لمراهق انتزع من حطام سيارته لعله يعيش حتى يرى أحفاده يمرحون، وأهدوا كليتي إلى من يعتمد على آلة تساعده على الإستمرار من يوم إلى يوم، وخذوا عظامي وكل عضلة ونسيج وابحثوا عن وسيلة تجعل طفلاً مشلولاً يسير، واستكشفوا كل زاوية من دماغي وخذوا كل خلية اذا اقتضى الأمر ودعوها تنمو لعلها تساعد يوماً ما صبياً أخرس والدة-أمل-خشفة-تبكي---4ابنتها----aعلى الصراخ أو فتاة صماء على سماع صوت المطر يرشق نافذتها>.

عصام والد سارة المفجوع برحيل ابنته، يدعو إلى عدم ترك قضية سارة بل يجب متابعتها على اعلى المستويات في البلد، إلى حين الوصول الى القاتل الذي يجب أن يأخذ عقابه كي لا يكون هناك أخريات مثل سارة. لم أعش حياتي إلا لأرى أولادي وهم يحققون كل ما يصبون اليه في هذه الحياة. كانت سارة مُفعمة بالحياة، تشارك الناس أفراحها وأتراحها، لا تحمل ضغينة ضد احد والجميع كان يحبها ويعشق الجلوس معها. ابنتي ذهبت ضحية السلاح المتفلت والدولة مسؤولة بشكل مباشر عن حياتها وحياة من سبقوها ومن يُمكن ان يلحقوا بها. اتمنى ان تكون دماء سارة فداء لكل من يُمكن ان يُقتل على الطرقات بسلاح غير منضبط على يد مجرمين يحلو لهم الاعتداء على كرامات الناس وترويعهم وقتلهم.

بدنايل البقاعية ودّعت فقيدتها وعروسها، بمأتم مهيب حضره الأهل والاقارب والاصدقاء وعموم عائلة سليمان وأهالي البلدة المفجوعين لرحيلها وهي في ريعان شبابها. وقد ووريت سارة في الثرى في جبانة بلدتها، حيث ستخلد في حياتها الأبدية، عروسة إلى جوار الله. وكان لافتاً، أن كل من محمد عبد الباسط المصري وشقيقه عباس وفتاتين، كانوا سلّموا أنفسهم الى مفرزة زحلة القضائية، وهم كانوا برفقة طه المصري قاتل سارة.

 

حكاية موت ثانية عنوانها: أمل خشفة

تمرّ حكايات الموت بينهم، وكأنها أصبحت من سنن حياتهم. يتأرجحون على حبال صنعت من أوجاعهم وضياع أحلامهم. يتحولون إلى مُجرد ذكرى تُتلى عليهم أنواع من الصلاة، فلا الحياة تنصفهم ولا أصوات استغاثاتهم تصل إلى مسامع المعنيين ولا المسؤولين عن رصاص غدر بات يتسيّد الواقع وينشر موته على صفحات الحياة. وغالباً ما يُصيب هذا الرصاص، رصاص الحقد والغدر، الناس في الطرقات أو على الشرفات أو حتى داخل منازلهم خلال إطلاقه تحت ذرائع متعددة.

أمل خشفة. اسم جديد يُضاف إلى لائحة ضحايا الموت المجاني الذي يزرع رعبه في الشوارع وبين البيوت بسلاح متفلّت أصابها برصاصة مجهولة المصدر استقرّت في قلبها في اليوم التالي لمقتل الشابة سارة سليمان أدخلتها على الأثر إلى العناية الفائقة في مستشفى المقاصد، إلى أن فارقت الحياة بعدما توقف قلبها ثلاث مرّات، وكأنها كانت تُحاول أن قاتل-سارة-2----aتنتصر على القاتل ورصاصه.

مرّة جديدة يعود السلاح المنتشر والمتفلّت من كل الضوابط والقيود، ليطرح نفسه كمُشكلة مزمنة لم تجد طريقها إلى الحل منذ سنوات، إذ لا يمر يوم، إلا ويُسمع فيه عن إصابة مواطن برصاص طائش مصدره على الدوام، جهات مجهولة العنوان لكنها معروفة الإنتماء، لكنها لا تخضع للمحاسبة. ولا حاجة على الإطلاق لتنشيط الذاكرة والبحث في زواياها عن وجوه سقطت برصاص طائش أصبح يُشكل كارثة حقيقية ينتج عنه في كل مرة قتيل أو جريح أو حتى مُقعد يُصبح طريح الفراش طوال ما تبقى له من عمر. واللافت أن أعداد الضحايا في تصاعد مُستمر إذ سُجل في الأشهر القليلة الماضية سقوط أكثر من عشر ضحايا، آخرهم الشابتان سارة وأمل.

 

تفاصيل الرحيل

لن يكون أهل أمل آخر الموجوعين في ظل تمدد ظاهرة لغة السلاح على مساحة لبنان حيث لم يعد التنديد كافياً، فرقعة الانتقام الفردي والتباهي بالقوة غير الشرعية باتت نمطاً تستخدمه شريحة اعتادت أن تغرّد خارج سرب شرعية الدولة. وفي التفاصيل، كانت أمل جالسة على شرفة منزل ذويها في منطقة الطريق الجديدة مع والدتها، بعد أن أعدّت <الأرغيلة> الى حين حلول موعد ذهابها الى عيادة طبيب الأسنان. وفيما كان والدها خليل يحضّر لها <سندويش الجبنة> سمع صراخ زوجته، فهرع إلى الشرفة ليجد ابنته ممدّدة على الأرض وزوجته تردد قائلةً <فقع شريان بقلبها>. ويلفت الوالد الى أنه لم يتوقع أن تكون رصاصة قد اخترقت قلب ابنته إلا بعد أن تأكد من مكان الإصابة حيث خرقت جسدها مخلفة ثقباً وسيلاً من دماء، قام بمسحها حتى وصوله مع الجيران إلى <مستشفى المقاصد> الذي يبعد دقائق عن المنزل. وقد حاول الفريق الطبي إنعاش أمل أكثر والد-أمل-مع-صورة-ابنته---5---aمن مرة من دون فائدة.

ويُضيف الوالد: سمعنا ان الرصاصة مصدرها تشييع في منطقة <الرحاب>. لقد هدني موت أمل بهذه الطريقة الاجرامية. أين هو المجرم ومن سيُعاقبه وكيف سينال جزاءه؟. اين هي الدولة؟ وأين سيادتها؟. ويقول: يجب الاقتصاص من القاتل ومحاكمته وعدم تمييع القضية كما جرى تمييع العديد من القضايا المماثلة من قبل. هذا المجرم الذي قتل ابنتي قتل أناس آخرين ويُمكن أن يُدخل الحزن والألم ألى أي منزل آخر، ولذلك يجب تقديمه للعدالة بأقصى سرعة ولا يجب أن يبيت ليلة واحدة من دون عقاب. يهدأ الأب المفجوع قليلاً ثم يتابع: عدالة السماء لن تغض ببصرها عن المجرمين الذين يتلطون خلف سلاح لا شرعية له وهو وجد فقط لقتل الآمنين في بيوتهم.

أما والدة أمل، فلا حديث لها سوى <يا تقبريني يا ماما>، <ما تخافي، حقك عند ربنا لن يضيع>. نترك منزل ذوي أمل خشفة في الطريق الجديدة، وفي البال الف غصّة وقصة عن ضحايا لسلاح لم تُحل معضلته بعد. والأمر المُدمي والموجع، أن الستارة التي خرقتها الرصاصة على الشرفة قبل أن تخترق قلب أمل، ما زالت شاهدة على نهاية حياة شابة، ذنبها الوحيد أنها ضحية رصاص طائش وأمن متفلّت يُخشى أن يكون قد أصبح ثقافة مجتمعية متجذّرة تحتاج إلى أكثر من تحقيقات وتوقيفات للحدّ منها.

يرحلون بصمت من دون ان يُعبّروا عن أوجاعهم أو حتى التمكّن من وداع أحبتهم. قد تكون دمعاتهم نزلت وهم يشعرون بلحظات الفراق، وقد تكون ابتساماتهم رسمت ملامحها على ثغورهم وهم يستذكرون أغلى الناس على قلوبهم. في كلتا الحالتين، رحلوا بطريقة يندى لها الجبين في ظل تقاعس دولة لم تعد تعرف من اين تبدأ لملمة السلاح والجراح.