19 September,2018

السفيــــرة الأميركيــــة ”ريتشـــارد“ مــع تسليـــح الجيـــش اللـبـنـانــــــــي مـــــا عـــــدا صــواريــــــــخ ثـقــيــلــــــــــة!

بقلم وليد عوض

1-A

لم تكن ولادة الجيش اللبناني سهلة في العام 1945 حين سلم الرئيس بشارة الخوري علم البلاد لقائد الجيش اللواء فؤاد شهاب في ملعب بيروت البلدي. فقد كان هناك بين النواب من كان يرى بأن الانضمام الى فرنسا هو الحل للتحرر من الانتداب. ولكن دستور 1926، وفيه تواقيع ميشال شيحا، وعلي سلام، وعبود عبد الرزاق، أعاد الكرة الى الملعب اللبناني، وبدأ البحث عن موارد تكفل إنشاء مؤسسة الجيش من موارد تكفل بناء مؤسسة الجيش بعد تحريره من سلطة الانتداب، بعدما سافر الوفد التاريخي اللبناني، الى باريس برئاسة حميد فرنجية، وعضوية الرئيس رياض الصلح، ليعود بصك الاستقلال.

والجيش اللبناني الآن على طول الخط حليف لمجموع اللبنانيين. وكان رفض قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب لأمر الرئيس كميل شمعون، باقتحام منطقة البسطة عام 1958، وسط تلك الأحداث المشتعلة، الدليل التاريخي على أن الجيش ليس لرئيس الجمهورية بل هو لكل اللبنانيين.

ومن أحداث عام 1976، ظهر اسم العميد أنور كرم الذي ضرب بالمدفع منطقة أبي سمرا في طرابلس، بينما كان يحتمي فيها الرئيس رشيد كرامي، ولما انتهت تلك الأحداث، وصار رشيد كرامي رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع، لم يوضع أنور كرم في السجن، بل جاءته تحية تكريم من حكومة كرامي ووسام على صدره لأنه كان يتصرف من موقعه العسكري لا من موقعه الفردي والمزاجي.

وهكذا بقي الجيش صامداً لأن القرار السياسي كان يغطيه، ولولا هذا القرار لما أتيح للعميد عزيز الأحدب قائد منطقة بيروت أن يعلن انقلابه المشهور صيف 1958 من شاشة التلفزيون اللبناني، وكاد الرئيس كميل شمعون أن ينضم إليه لولا أن تبين أن المقاومة الفلسطينية كانت وراء ذلك الانقلاب ولم يكن الاجماع اللبناني كاملاً.

وحين توجه الرئيس سعد الحريري ظهر السبت الماضي الى الجبهة الأمامية في الجنوب ومعه وزير الدفاع يعقوب الصراف وقائد الجيش العماد جوزف عون، كان الرجل يقوم بحركة تصحيحية لليوم السابق الذي تولى فيه أحد أقطاب حزب الله عقد مؤتمر صحفي في الخط الأمامي دون أن يولي التفاتة الى القرار الأممي 1701. وكانت بادرة الرئيس الحريري في مكانها التاريخي على أساس أن سلاح الدولة هو السلاح الشرعي، وأن الدولة التزمت القرار 1701 ولم تحد عنه قيد شعرة.

وقد تزامنت هذه الزيارة للجنوب مع اقدام الجيش اللبناني في مضمار مكافحة الإرهاب، على قتل أمير <داعش> في القلمون حسن المليص، وتوقيف عشرة إرهابيين بعملية عسكرية مخطط لها بعناية في بلدة عرسال.

أربعـــــة جنرالات

وقد مر على سدة الرئاسة في لبنان حتى الآن أربعة جنرالات هم: العماد ميشال عون، والعماد ميشال سليمان، والعماد إميل لحود، واللواء فؤاد شهاب. وكان لكل منهم بصمته في السلطة، إلا أن المميزين بينهم حتى الآن اثنان هما: فؤاد شهاب وإميل لحود. شهاب بنى المؤسسات منذ العام 1958، ومنها مجلس الخدمة المدنية، وهيئة التفتيش المركزي ومؤسسة الضمان الاجتماعي، والثاني رفض أن يزج الجيش في معارك مع اسرائيل، مما حمل الرئيس السوري حافظ الأسد على أن يطرح السؤال: من هو الجنرال إميل لحود؟! لقد أحسن التصرف حين رفض أن يدخل الجيش في معارك مع العدو الإسرائيلي، لقلة تكافؤ الفرص بين الجيشين.

بطبيعة الحال، لم يكن المسلم اللبناني راضياً عن تصرف إميل لحود صاحب سلطة القرار بالحرب والسلام، ولكن الرجل كان صاحب موقف سواء أرضى هذا الموقف فئات واسعة من اللبنانيين أم أغضب الكثيرين منهم، لأن قدر الجيش اللبناني أن يكون على الدوام سيد المواجهة مع اسرائيل، وحتى فؤاد شهاب لم يسلم في مماته كما لم يسلم في حياته من معارضين ومؤيدين واليه يعود فضل وصول كميل شمعون الى سدة الرئاسة عام 1958، عندما كان هناك حلف ثلاثي ماروني من كميل شمعون وبيار الجميل وريمون إده، فإسم كميل شمعون لم يكن متداولاً كمرشح رئاسي في جونيه، وكانت جونيه معقل فؤاد شهاب بلا منازع، لولا أنه عرف كيف يحك رأسه ويصر على المرور في شارع يقع فيه بيت فؤاد شهاب وتحيط به ثلة من العسكر.

أي كان هو الآخر رجل موقف وبهذا الموقف وصل الى قصر القنطاري عام 1958. والناخبون المسيحيون يحبون رجال المواقف، أكانت إيجابية أو سلبية، وهذا كان حالهم مع كميل شمعون.

ولأن العسكر عنصر أمان واطمئنان في حياة لبنان، فقد بقي كرسي الرئاسة شاغراً في قصر بعبدا سنة ونصف السنة، حتى رأى زعماء السياسة في لبنان ومنهم رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس تيار <المستقبل> سعد الحريري أن الحل للخروج من المأزق الرئاسي هو انتخاب رئيس التيار الوطني الحر نائب كسروان العماد ميشال عون، وكان هذا الخيار صائباً، بدليل أن انتخابه أشاع الفرج في الحياة السياسية اللبنانية، وأعاد الجسور الى العلاقات اللبنانية العربية ولاسيما العلاقات مع المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، وقد زارهما تباعاً الى جانب زيارة المملكة الأردنية الهاشمية.

إنه العسكري الرابع الذي يحكم قصر الرئاسة من بعبدا، وكما كان مطلوباً من فؤاد شهاب أن يبني دولة المؤسسات، وقد فعل، كذلك المطلوب من الرئيس ميشال عون أن يحمي اللبنانيين من شر البطالة وتأشيرة السفر، وغائلة الجوع، فيكون المواطن اللبناني من أسعد المواطنين في الشرق الأوسط. وكل ذلك يتطلب أن يكون الصيف السياحي المقبل هو صيف السياح الخليجيين ولاسيما السياح السعوديين، وتعود الاستثمارات الخليجية الى لبنان، كما فعلت الخليجية الكويتية سعاد الحميضي عبر شراكتها في بنك عودة. وبقدر ما تغمر الاستثمارات الخليجية، لبنان، بقدر ما يعود للشركة <سوليدير> وهجها في الأسواق القديمة وتنشأ شركات ومؤسسات خليجية جديدة.

عروبة لبنان تستدعي الخليجيين الى هذا البلد والمشاركة في نهضته الاقتصادية. ونهضة لبنان مرهونة بنهضة المؤسسة العسكرية. ورحلة قائد الجيش العماد جوزف عون السبت الماضي الى الجنوب في وفد برئاسة الرئيس سعد الحريري وبحضور وزير الدفاع يعقوب الصراف، إشارة واضحة الى أن أمن لبنان في الجنوب يحميه الجيش، لا حزب الله الذي أثار اللغط بالمؤتمر الصحفي الذي عقده في الجبهة الجنوبية، على بعد أمتار من المواقع الاسرائلية، وأن مهمة الجيش اللبناني أولاً وآخراً هي الدفاع عن أرض لبنان ضد أي عدوان، سواء كان عدواناً اسرائيلياً أم عدواناً من المنظمات الإرهابية عند الحدود الجنوبية أو الشرقية، وأن يكون الجيش هو مستقبل الشبيبة اللبنانية عند التخرج من الجامعات. وقد لا تستوعب المؤسسة العسكرية كل أفواج المتخرجين من الجامعات، إلا أن إعادة تجهيز الجيش باب لاستدعاء من يشاء من خريجي الجامعات للانضمام الى هذه المؤسسة.

وأن يكون لسدة الرئاسة في لبنان أربعة ضباط بالتوالي فمعنى ذلك أن المؤسسة العسكرية التي يرئسها الآن العماد جوزف عون هي الباب الذي يدخل منه الأذكياء وأصحاب الشخصية اللافتة مثل الرئيس ميشال عون. وبقدر ما تزدهر هذه المؤسسة وتثبت وجودها في العالم العربي، بقدر ما يكون للبنان سند في الملمات. وما العمل الآن لاستعادة الصفقة العسكرية الفرنسية بالمليارات الأربعة ونصف المليار دولار من المملكة السعودية إلا بداية التحصين العسكري للبنان، وهذا هو دور الرئيس ميشال عون والرئيس نبيه بري والرئيس سعد الحريري.

 

2-Aتسليح الجيش

والولايات المتحدة، كما دول الاتحاد الأوروبي منبع لكل مساعدة عسكرية للبنان، والسفيرة الأميركية <اليزابيت ريتشارد> متكاملة الثقة في تجهيز الجيش اللبناني بالعتاد العسكري، مع الإشارة الدائمة الى حرص دول الغرب على عدم تزويد لبنان بالصواريخ الثقيلة، مخافة إثارة الجانب الاسرائيلي الذي يرى في هذه الصواريخ صورة عسكرية متكاملة مع اسلحة حزب الله.

والسؤال الذي لا بد منه في هذه الظروف التي يعيشها لبنان: ما هو احتمال العدوان الاسرائيلي على لبنان بعد المعلومات التي قدمها المؤتمر الصحفي في الجبهة الجنوبية لحزب الله يوم الجمعة الماضي؟!

واضح حتى الآن أن الدول العربية مشغولة بقضاياها الداخلية، وأن الوقوف العربي الى جانب لبنان ليس وقوفاً متكاملاً، ومع ذلك فقدر لبنان أن يكون العين الأمنية العربية في الجنوب. فالجيش المصري مشغول بالتحركات الإرهابية في سيناء، فضلاً عن التزامه بمعاهدة <كامب دايفيد>، والأردن ملتزمة باتفاقية <وادي عربة> مع اسرائيل، وسوريا تلملم جراحها، وشمال افريقيا بعيد عن الجبهة، وعلى لبنان أن يعي الأحداث المقبلة في الجنوب ويتمسك بالقرار الدولي 1701 بانتظار أن تتبدل معطيات الموقف الفلسطيني الاسرائيلي بعد الزيارة التي سيقوم بها للبيت الابيض الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

فإذا انتهت زيارة الرئيس عباس للبيت الأبيض الى تحريك المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، يكون لبنان قد دخل في أفق جديد يتكامل معه استعداد الجيش اللبناني والتغطية الدولية، وفي حال خرج محمود عباس خالي الوفاض من البيت الابيض، يكون على المؤسسة العسكرية اللبنانية أن تكون حامية الحدود وحارسة المرمى.

والدور الآن لمحادثات الرئيس الفلسطيني محمود عباس والرئيس الأميركي <دونالد ترامب> في البيت الأبيض.

قد تكون الأيام الآتية سوداء أو رمادية، وفي الحالتين يكون الدور أولاً للجيش اللبناني الذي تشخص اليه الأبصــــار ويتطلـــــع اللبنانيــــــون الى دوره العسكــــري فــــي الجنــــوب، وعنــــده وحـــــده الحـــــق الكامل ليقول: لبيك لبنان…