22 September,2018

السـيـســـي و «اردوغـــــان» هـــــل يـخـرجــــــان الـمـنطـقــــــة مــــن دوامـــــة الـمـتـاهــــــات؟

بقلم وليد عوض

erdogan-1 ما أحوجنا الى النخوة العربية لنخرج من الأزمة التي تحاصر لبنان. ما أحوجنا الى النخوة الأممية لترفع عن لبنان هذا الكابوس، وهو العضو المشارك في تأسيس هيئة الأمم زمان مؤتمر <سان فرانسيسكو> عام 1945. ما أحوجنا الى النخوة للإفراج عن الخمسة وعشرين جندياً لبنانياً المحتجزين لدى المنظمات الارهابية في جرود عرسال.

   فهؤلاء الجنود جزء لا يتجزأ من عائلة الجيش اللبناني، أول مرتكزات الكيان اللبناني، وهي النخوة التي استبدت ظهر الاثنين الماضي بالرئيس تمام سلام فأخذ على عاتقه، وبوعد منه قاطع بتوقيع مرسوم صرف مرتبات العسكريين الذين كان يمكن أن يبقوا بدون رواتب لولا هذه النخوة التي شارك فيها وزير المال علي حسن خليل ووزير الدفاع سمير مقبل، وقيل ان وقف هذه المرتبات مناورة سياسية بعد كلام العماد جان قهوجي للضباط عن أهل السياسة!

   بل ما احوجنا الى رجل مثل <رجب طيب أردوغان> الذي خرج من الانتخابات النيابية وعلى رأسه اكليل الغار بعدما جمع لحزبه في هذه الانتخابات حوالى 50 بالمئة من الأصوات وأصبح حر التصرف في بناء الحكومة الجديدة بأكثرية أصواته البرلمانية. فإن <أردوغان> نموذج لأخذ القرار المناسب في الوقت المناسب، رغم ما يحيط به من ملابسات في المنطقة وأولها اتهامه بدعم الاخوان المسلمين في مصر، ويحتاج الآن الى ترميم علاقته بالاتحاد الأوروبي، بدءاً من المستشارة الألمانية <أنجيلا ميركل> ومرشح لأن يكون وإياها طائراً أوروبياً بجناحين، إذا فتحت له أبواب دخول الاتحاد الأوروبي، وأغلب الظن انها ستنفتح.

   لقد راهن <رجب طيب أردوغان> على قدرته في المنــــاورة، وهي واحد من أسلحة العمل السياسي والعسكري. لقد نشر الخوف لدى الشعب التركي من المجهول الآتي إذا خسر حزب <العدالة والتنمية> معركة الانتخابات وصارت الساحة نهباً للفوضى، وربح الرهان!

   ما أحوجنا بعد ذلك الى رئيس جمهوريــــة على صورة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومثاله، من حيث حرصه على مكاشفــــة الشعب بكل ما يستجد من أحداث، وما يعتري البلاد من أزمات.

كلمات تاريخية للسيسي!

اردوغان-السيسي

   ومما قاله السيسي يوم الأحد الماضي بعد ظهور نتائج انتخابات الاعادة، كانت له كلمات مدروسة في مخاطبة الجماهير ومن ذلك: <ما حققه الشعب المصري في 17 شهراً حلم كان تحقيقه يحتاج الى سبعة عشر عاماً>، و<علينا ألا نستبق الأحداث بشأن الطائرة الروسية المنكوبة قبل صدور نتائج التحقيقات>، و<أقول لمن شارك في الانتخابات شكراً، ولمن لم يشارك: لو سمحت انزل وشارك واختر>.

   يتحدثون في طاولة الحوار عن مواصفات الرئيس المطلوب لقصر بعبدا، وعندكم النموذجان: السيسي و<أردوغان>، رغم انشغال كل منهما بمشاكل بلده، ولكنه يملك القدرة على الخروج من النفق.

   صحيح ان النظام في لبنان مختلف عن نظامي مصر وتركيا، ومع ذلك فيمكن أخذ أفضل ما عند كل منهما من سمات للسلطة وتسيير أمور الشعب. فالمهم ارادة أخذ القرار، والقدرة على اخراجه من دائرة الورق الى دائرة النور.

   ولكن هل هذا ممكن وسط الاعصار الذي يضرب المنطقة؟ هل كل هذا ممكن وبغداد نهب لسيارات التفجير، والقتلى الذين يسقطون يومياً بالعشرات، والضياع الذي يواجه رئيس الوزراء حيدر عبادي رغم توجهه الاصلاحي؟! هل هذا ممكن واليمن ضحية الاضطرابات التي يشعلها الحوثيون وفلول الرئيس السابق علي عبد الله صالح؟! هل هذا ممكن و<مؤتمر فيينا> من أجل سوريا أصابته الخيبة، وحار المجتمعون وهم يمثلون أهم بلاد الدنيا، في الوصول الى صيغة حول الرئيس السوري بشار الأسد: يذهب أم يبقى بضعة أسابيع أو أشهر مع عملية الانتقال السياسي؟ وما هو مصير أزمة المؤسسات في لبنان، وهي مرتبطة بالحل السوري؟

قنبلة في الطائرة

أم صاروخ خارجي؟

 

   علامات الاستفهام باتت تحكم المنطقة بالجملة، ولا سبيل الى استكشاف الحقيقة حتى الآن بدءاً من الطائرة الروسية التابعة لشركة <متروجيت> الخاصة، وركابها القتلى المئتين وأربعة وعشرين انساناً، بين رجل وامرأة وطفل. فالشركة تقول ان الطائرة كانت مستكملة لضوابط السلامة وعلو التقنية، ولا يمكن الظن في أي تقصير فني، والرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> يراجع كل الفرضيات ولا يستبعد عملاً ارهابياً، بعكس خبراء النقل الجوي في مطار شرم الشيخ الذي أقلعت منه الطائرة المنكوبة، الذين يرفضون أي احتمال بسقوط الطائرة بصاروخ خارجي، لأن أي صاروخ أرضي لا يمكن أن يصل الى العلو الذي تحلق عنده الطائرة وهو 30 ألف قدم.

   وفرضية الصاروخ من القوى الارهابية في جنوب شبه جزيرة سيناء، إذا صحت، تهدد السياحة المصرية المتراجعة أصلاً، وتجعلها تعود الى نقطة الصفر. ولا تبقى بعد ذلك سوى فرضية دس القنبلة في عنبر الحقائب التي ستنقل الى الطائرة. وهنا يكمن احتمال العمل التخريبي. وعلى كل حال نترك لنتائج التحقيق أن تحسم الجدل، وتقدم الحقيقة الوافية الشافية، بعد الفراغ من فك إشارات الصندوقين الأسودين للطائرة، وبعد العثور عليهما وسط الجثث فوق القسم الجبلي من صحراء سيناء.

   وحتى <مؤتمر فيينا> المنعقد في سبيل العثور على حل سلمي لسوريا، لم يسلم من التعمية والغموض، وها هو وزير خارجية إيران <محمد جواد ظريف> يعلن انسحابه من أعمال المؤتمر إذا لم يكن هناك شيء جدي يستحق البحث!

روسيات   فما هو الشيء الجدي؟

   إنه رحيل الرئيس السوري بشار الأسد عن سدة الرئاسة. وهو أمر تلتقي عنده كل من السعودية والولايات المتحدة وفرنسا، وتتحفظ عليه روسيا، وترفضه إيران متذرعة بأن الفراغ الذي سيحصل بعد تنحي الأسد سيشبه الفراغ الذي حل بليبيا، بعد سقوط معمر القذافي، وغرق البلاد في الفوضى والتقاتل والدم.

   والنتيجة: استمرار القتال والقتل في سوريا، واعلان الرئيس الأميركي <باراك أوباما> عن تأهب بلاده لارسال مئات الجنود الأميركان الى شمال سوريا، بصفة <مراقبين> أو <مستشارين> لدعم المعارضة المعتدلة التي يمثلها اللقاء الوطني السوري برئاسة خالد خوجا. فكيف يوفق وزير الخارجية الأميركي <جون كيري> بين حضوره <مؤتمر فيينا> لاستيلاد الحل السلمي لسوريا، وبين ارسال جنود أميركان الى شمال سوريا ليقاتلوا براً، تحت غطاء السلاح الجوي الأميركي؟

خطر الموت حول رئيس سابق!

   كل هذه الأجواء تضغط على الحالة الفريدة من نوعها في لبنان، وهي وجود بلد تتكامل فيه الضوابط الأمنية وسط منطقة تشتعل بالثورات والسيارات المفخخة والطائرات المدنية التي تسقط دون معرفة أسباب سقوطها بصورة حاسمة، وهذا يدل على ان لبنان موضوع تحت مظلة دولية سياسية لا يمكن أن تسمح بالوصول الى عتبة الانهيار.

   أوليس ذلك كله فرصة للبنانيين حتى يجمعوا صفوفهم وكلمتهم، ويثبتوا انهم أهل بلد قوي الشكيمة، وانهم قادرون في غياب الوصي، أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، وأن يصلوا الى يوم ينعقد فيه النصاب البرلماني لانتخاب رئيس جمهورية طال انتظاره أكثر من سنة ونصف السنة بدلاً من التلهي بالاستنتاجات والنظريات وتنبؤات ليلى عبد اللطيف ذات الرؤية المتميزة عن الآخرين، حتى لو تنبأت أخيراً بأن واحداً من رؤساء الجمهورية السابقين سيلقى حتفه هذا العام.

   ورؤساء الجمهورية السابقون هم أمين الجميّل، واميل لحود، وميشال سليمان، أطال الله بقاءهم!